فواتير أدخلت المصريين في “رومانسية منسية”

حينما يصطدم سقف التوقعات الرومانسي بصخرة الالتزامات المالية، تتغير ملامح الحياة الزوجية جذريًا. هذا تحديدًا ما عايشته آية، التي اكتشفت بعد عام ونصف من الزواج أن قصة الحب التي دامت خمس سنوات لم تكن حصنًا كافيًا أمام ضغوط الحياة اليومية.

تصف الشابة العشرينية هذا التحول فتقول: “الحب حمادة والجواز حمادة تاني خالص”، مشيرةً إلى أن غياب المسؤولية قبل الزواج كان يجعل الأحلام سهلة، بينما كشف الواقع عن وجه آخر تحكمه الفواتير والإيجار. وهي شهادة لتسلط الضوء على أزمة مجتمعية أوسع؛ إذ يواجه الأزواج اليوم تحديات اقتصادية غير مسبوقة وموجات غلاء متلاحقة، باتت تمثل تهديدًا وجوديًا لـ”سكينة” الأسرة، وتدفع بالحب إلى الخلفية لصالح معركة البقاء المادي.

سجل عام 2023 النسبة الأعلى في معدلات الطلاق خلال السنوات العشرة الأخيرة؛ إذ سجل 269.8 ألف حالة طلاق  مقابل 254.8 ألف حالة طلاق عام 2021، بمعدل نسبة ارتفاع قدرها 5.9%، ويشير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن بلغ متوسط عدد حالات الطلاق 31 حالة في خلال ساعة واحدة.

حين تصبح الرومانسية “ترفًا”

العودة من لغة الأرقام إلى واقع آية تكشف عن تفاصيل معركة يومية تصفها الزوجة الشابة بأنها “مهمة تحتاج إلى أبطال”؛ فالصمود في وجه الأمواج الاقتصادية العاتية لم يعد أمرًا هينًا.

تسترجع آية بداية حياتها الزوجية التي انطلقت وهي مثقلة ببعض الديون على زوجها، فتقول: “لم يكن سداد تلك الديون سهلًا، خاصةً أنها تزامنت مع التزامنا الشهري بدفع الإيجار ومصروفات المعيشة المتصاعدة، وزاد العبء ثقلاً مع حملي في طفلي الأول”.

وتشير إلى أن قدوم الطفل، رغم كونه حدثًا سعيدًا، إلا أنه فرض واقعًا ماليًا جديدًا؛ إذ تحولت ميزانية الأسرة بالكامل إلى خطة طوارئ. “أصبح كل همنا هو تجميع (أقساط الجمعية) لتوفير مستلزمات الصغير، ولم يعد هناك أي هامش للمناورة أو الرفاهية”.

في ظل هذا الضغط المادي، سقطت “الرومانسية” من حسابات الزوجين اضطراريًا. توضح آية هذا التحول بمرارة: “وسط طاحونة الحياة، لم يعد هناك وقت أو طاقة للمشاعر؛ توقفتُ عن انتظار هدية عيد الحب كما كنت أفعل في سنوات الخطوبة، وهو أيضًا توقف عن الاهتمام بذلك. لقد اتفقنا ضمنيًا أن هناك أشياء أخرى أهم.. كالبقاء على قيد الحياة”.

كيف يقتل “الغلاء” المودة؟

هذا المشهد الذي رسمته آية، تضعه الدكتورة غادة منصور، خبيرة العلاقات الأسرية والمعالجة النفسية، تحت مجهر التحليل النفسي، مؤكدةً أن “القلق الاقتصادي” بات العدو الأول للاستقرار الأسري.

الدكتورة غادة منصور
الدكتورة غادة منصور

وتشرح خبيرة العلاقات الأسرية والمعالجة النفسية الديناميكية النفسية التي تحدث داخل البيوت، فتقول: “غلاء الأسعار يزرع في نفس الزوج شعورًا دائمًا بالعجز والتقصير في توفير متطلبات البيت، مما يجعله في حالة تحفز وحساسية مفرطة.

حين يعتذر عن تلبية طلب ما لعدم توفر المال، قد تضغط الزوجة بدافع الحاجة، وهنا يبدأ “سيناريو اللوم”؛ هي تشعر أنه لا يقدر مسؤولية المنزل واحتياجاته، وهو يشعر أنها منفصلة عن الواقع ولا تقدر ظروفه القهرية، ليدخل الطرفان في دائرة مفرغة من الاتهامات المتبادلة”.

وتحذر الخبيرة النفسية من أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية وهو “فقدان الشعور بالاحتواء”. وتضيف مفصلة: “مع ضيق اليد، تختفي الطقوس البسيطة التي كانت تجدد دماء العلاقة؛ مثل الخروجات أو الهدايا الرمزية.

وبما أن العقل البشري مبرمج على ربط الاهتمام بالأفعال الملموسة، فإن غياب هذه المظاهر يُترجم عقليًا وعاطفيًا إلى إهمال وعدم حب، مما يولد بمرور الوقت جفاءً عاطفيًا وصدامًا مستمرًا يهدد بانهيار العلاقة تمامًا”.

العلاقة في “قائمة طلبات”

استقبل محمد سؤالنا عن الحب في زمن الغلاء، مجيبًا بتهكم لا يخلو من ألم: “عن أي حب تتحدثين؟ زوجتي لم تعد تهاتفني إلا لتملي عليّ قائمة الطلبات، لدرجة أنها قد تنسى مناداتي باسمي وتكتفي بكلمة (هات)”.

يتحسر الزوج الشاب على أيام الخطوبة التي كانت عامرة بالاهتمام والوعود، مقارنًا إياها بواقع اليوم بعد ثلاث سنوات من الزواج وإنجاب طفلة. يصف الوضع الذي لم ينقذه حتى كونهما زوجين عاملين، فيقول: “البيوت المصرية كلها باتت (على كف عفريت).. والحديث عن الحب أصبح رفاهية لا نملكها”.

الحال نفسه يتكرر مع أحمد، المتزوج منذ أربع سنوات، معززًا هذه الرؤية القاتمة، وقد كان يعتقد أن الزواج “جنة ورومانسية وأكل حلو” – على حد تعبيره -، لكنه اصطدم بما أسماه “غياب الاستثناءات”، والغلاء طال الجميع ولم يترك مجالًا للأحلام.

يلخص محمد وأحمد الروتين اليومي القاتل للأزواج: “تفكيرنا محصور في (الجمعية) وكيفية تدبير الأقساط والإيجار والفواتير. الغلاء لم يسرق أموالنا فقط، بل سرق فرصتنا في الخروج أو التنزه، وحول حياتنا إلى سباق شاق لا ينتهي”.

وتحذر الدكتورة غادة من أن الظروف المادية الضاغطة تؤدي تدريجيًا إلى تآكل المشاعر: “الضغط يولد العصبية ويقلل القدرة على التحمل، فتندلع مشكلات كبيرة لأسباب تافهة. ومع غياب الرفاهيات وتراكم الشعور بالذنب، تتولد عدوانية في الردود وتباعد عاطفي غير مقصود، قد ينتهي بانهيار البيت تمامًا تحت وطأة القلق المستمر”.

“شهر عسل” مؤجل

منذ عامين كاملين، لا تزال فيروز تنتظر اللحظة المناسبة لتحقيق حلم “شهر العسل” الذي تم ترحيله قسرًا بسبب ظروف زوجها المادية. يبدو أن هذا الحلم بات بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، أو كما تقول: “لن يتحقق”.

تتحدث فيروز بمرارة عن واقع يغتال المشاعر: “الظروف الاقتصادية لم تعد مناسبة للحب.. قتلته مع ازدياد الضغوط. منذ زواجي وأنا أخطط لرحلة مع زوجي، لكن ارتفاع أسعار الفنادق والإقامة جعل الأمر مستحيلًا”.

لا يقف الأمر عند الرفاهيات، فالحياة اليومية باتت أثقل، خاصةً بعد ارتفاع إيجار الشقة العام الماضي. ورغم أنها لا تلوم زوجها ولا تثقل عليه بالحديث، إلا أنها تعترف بندم مكتوم: “أتمنى لو كنا أجلنا خطوة الزواج لعدة أعوام أخرى حتى تتحسن ظروفنا. نحن لا نعيش الحياة التي تصورناها”.

أسر على منحنى التآكل التدريجي

هذا الشعور بالندم وتمني تأجيل الزواج، تضعه الدكتورة منى قابل، أخصائية التأهيل النفسي والسلوكي، في سياق ما تسميه “منحنى التآكل التدريجي” للعلاقات؛ فالقلق المالي يرفع مستويات التوتر، ويقلل الحميمية، ويزيد من حدة الخلافات.

الدكتورة منى قابل
الدكتورة منى قابل

تشير أخصائية التأهيل النفسي والسلوكي إلى نظريات أثبتت أن الضيق المادي غالبًا ما يُترجم إلى “سلوك عدواني” داخل الأسرة، مؤكدةً الارتباط الوثيق بين القلق المالي وزيادة معدلات الاكتئاب لدى الأزواج، مما يهدد جودة العلاقة ويرفع احتمالات الانفصال.

ولمواجهة هذا التآكل، تطرح حلولًا عملية، تبدأ بـ”الشفافية المادية” والقدرة على المواجهة، مقترحة “عقد لقاء أسبوعي لمناقشة النفقات، بشرط ألا يتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات”.

كما تنصح بإنشاء “صندوق للطوارئ” يتم التعامل معه بجدية، مع ضرورة الحفاظ على طقوس يومية بسيطة تجمع الشريكين، مثل مشروب مشترك أو حوار هادئ؛ لتدعيم الجانب العاطفي وزيادة القدرة على الصمود. وتشدد على أهمية اللجوء لاستشاري أسري عند تكرار المشاحنات، لأن “التدخل المبكر قد ينقذ علاقة توشك على الانهيار”.

سلطة المال سببًا للانهيار

منذ أسبوع، ومروة “اسم مستعار” تقيم في منزل والدها، بعد أن احتدم الخلاف بينها وبين زوجها، ليس بسبب سوء المعاملة، بل بسبب “المصروف”. تقول: “اتهمني زوجي بأنني أهدر أمواله وأضيعها، وأنني لست أمينة على ماله”.

قصة الحب الكبيرة التي جمعتهما، وقرابة الدم، لم تشفع لها حين بدأ يلمح منذ فترة إلى أنها تنفق في “غير المهم”. لكن نقطة الانفجار كانت علاج ابنتهما الرضيعة؛ فحين أخبرته باضطرارها لزيارة الطبيب مرتين شهريًا، اشتد الخلاف وانتهى بمغادرتها المنزل.

بعد ثلاث سنوات من الزواج، خرجت مروة بقناعة قاسية ومغايرة لكل ما آمنت به سابقًا: “الحياة الزوجية لا تحتاج إلى حب بقدر ما تحتاج إلى قدرة كبيرة على الإنفاق في ظل هذه الظروف الصعبة”.

كيف ننجو من “فخ الاستهلاك”؟

هذا الرابط بين “التضخم” و”الطلاق” يؤكده الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، معتبرًا زيادة الأعباء المالية محركًا رئيسيًا لهدم البيوت.

الدكتور أحمد شوقي
الدكتور أحمد شوقي

ولتجاوز هذا الفخ، يطرح ما يسميه “فن إدارة النفقات”.

يحدد شوقي معادلة النجاة بتقسيم الدخل: “من 60% إلى 70% للمصروفات الأساسية، والـ30% المتبقية تقسم بين الادخار والاستثمار”، محذرًا من أن أي خلط بين هذه البنود يؤدي إلى خلل اقتصادي يهدد الأسرة.

ويصحح الخبير الاقتصادي مفهوم “الاستثمار” لدى الأسر البسيطة، موضحًا أنه قد يكون “استثمار الشخص في نفسه” بتعلم مهارة جديدة تفتح بابًا لزيادة الدخل.

أما الادخار، فيوجهه نحو الذهب أو البنوك أو “الجمعيات” لتأمين المستقبل، مشددًا على ضرورة “تقليص الإنفاق الاستهلاكي لصالح الإنتاج”.

وينصح الخبير الاقتصادي الأزواج بتغيير نظرتهم للعلاقة: “يجب النظر للزواج كشراكة، لا كمسؤولية مادية تقع على عاتق طرف واحد؛ فهذا التفكير يسرع بالانهيار. الحل يكمن في تحديد الأولويات، تأجيل الرفاهيات، وعدم الاعتماد على مصدر دخل واحد”.

سنة أولى.. صدمة الواقع

تنتقل الخبيرة الاجتماعية الدكتورة زينب نجيب إلى زاوية أخرى، مؤكدةً أن “الود والمحبة يمكن وصلهما بأشياء بسيطة وغير مكلفة، كالورود أو عشاء بسيط”.

الدكتورة زينب نجيب
الدكتورة زينب نجيب

لكنها تستدرك بأن المشكلات الاقتصادية تضرب “حديثي الزواج” في مقتل، وتزعزع شعورهم بالأمان والاستقرار، خاصة مع وجود ديون الزفاف التي تخلق جوًا من التوتر.

تشرح زينب نجيب طبيعة هذه المرحلة: “يشعر الطرفان في البداية أن جهودهما لبناء البيت ذهبت سدى. السنة الأولى هي عنق الزجاجة ومشكلاتها كبيرة؛ لذا لا بد من وجود خطة ميزانية تتسم بالشفافية. يجب أن تعرف الزوجة إمكانات زوجها كاملة، ويجب أن يكون الزوج صريحًا، مع البحث عن حلول مثل العمل الإضافي أو تقليل النفقات”.

وتشير إلى أن غياب هذه الحلول هو “السبب الأول” لارتفاع معدلات الطلاق التي زادت بصورة كارثية، وفقًا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التي تسجل حالة طلاق كل دقيقة ونصف.

“الزوج ليس خزنة”

وفي نصيحة مباشرة للزوجات، تحذر استشارية تطوير الذات من اختزال دور الشريك: “لا يجب النظر إلى الزوج على أنه مجرد محفظة أو خزنة يُطلب منه كل شيء، وهي نظرة قد تنتقل للأولاد أيضًا، فتصبح مشكلة كبيرة”.

وتؤكد أن المشاعر لم يعد لها مكان وسط هذه النظرة المادية، مشددةً على ضرورة “إيجاد مساحة للتعبير عن العاطفة وكلمات الود التي توثق العلاقة؛ فالحل الأمثل هو الحوار والتقدير والتفاهم”.

روشتة إنقاذ: الأزمة هي العدو

تختتم الدكتورة غادة منصور، الخبيرة الأسرية، التقرير بـ”روشتة” لحماية البيت، تبدأ بقاعدة ذهبية: “الاعتراف بالمشاعر هو الخطوة الأولى.. يجب أن نتفق أن الأزمة الاقتصادية هي عدوتنا، ولكن نحن لسنا أعداء”.

تنصح منصور بضرورة تخصيص “وقت يومي” للحديث المشترك بعيدًا تمامًا عن الماديات، محذرة الزوجة من الحديث عن “المطالب” طوال الوقت حتى لا يشعر الزوج بالضغط، مع ضرورة تقسيم المهام دون تبادل الاتهامات.

وتؤكد أن “الأزمات تكشف معدن العلاقة؛ فإذا كانت مبنية على الاحترام ستتجاوز العاصفة وتعود للاستقرار، بل قد تكون الأزمة سببًا للتقارب إذا وُجد الوعي والاحتواء، لتمر بسلام”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة