"ضايل عنا عرض".. الفن مقاومة حتى لو خانتنا العاطفة

هل يجب علينا تحكيم العاطفة عن الضمير مع الأعمال الفنية الفلسطينية؟ سؤال يتردد مع كل مهرجان سينمائي أو جائزة أدبية، وتبدأ النقاشات الحارة بعد كل إعلان، خصوصًا بعدما حدث في "البوكر" مع فوز باسم الخندقجي. وبعد عرض فيلم "ضايل عنا عرض" للمخرجة مي سعد والغزاوي أحمد الدنف بمهرجان القاهرة، كنت أسمع هذه النقاشات تتردد في كواليس المهرجان، ولكن على استحياء.

صانعات الفيلم -الصورة عن الهيئة العامة للإستعلامات

السبب الأول هو أن الفيلم إنساني من الطراز الأول، صُور في غزة أثناء الحرب. والثاني أن مي سعد زادته إنسانية حين اتصلت بشريكها أحمد الدنف ليشارك في النقاش مع الجمهور عبر الهاتف، كاسرةً حاجز الحصار الصهيوني بلفتة رائعة. لفتة دفعت البعض للإشارة إلى تأثرها بوالدها محمود سعد، المحاور صاحب الحساسية المرهفة. لهذه الأسباب، دعم كثيرون في الوسط الفني الفيلم دون إبداء أي ملاحظات.

أما أنا، فأمام عناصر الفيلم التي أعجبتني بالعمل هناك ملاحظات عديدة يجب علي طرحها وخاصة أن الفيلم كان يمكن أن يخرج بصورة أفضل مما شاهدناه، حيث لم أستطع الحكم بمشاعري فقط، وسوف أبدأ بالسينما أو القضية الفلسطينية. إنصافًا لهذه التجربة الإنسانية وشجاعة الدنف تحديدًا ومي سعد في تعاونها معه.

"ضايل عنا عرض"..

لا أعلم من اختار اسم الفيلم، ولكن رأيت فيه المقاومة بشكل، فما يزال لدينا شيئًا نقدمه رغم الحرب، ما زلنا هنا رغم كل القهر وقسوة الاعتداء، ويعبر الاسم عن قوة الفن وسط كل الظروف وأهميته التي توثق ما يحدث في غزة وكذلك قد يُعين هذا الفيلم الأطفال على التنفس أحيانًا عن طريقه.

أما فكرة الفيلم في حد ذاتها بتصوير أبطال سيرك غزة الحر، وحياتهم أثناء الحرب، رائعة. وكذلك محاولاتهم التخفيف عن الأطفال بفنهم، ولكن أردت معرفة معلومات أكثر عن أبطال السيرك وعلاقاتهم بأهلهم، وعلاقاتهم العاطفية خاصة أن الفيلم تجاوز الساعة ونصف وكان يحتمل أن يتعرض للعلاقات الإنسانية بشكل عميق عما رأيت.

كما تمنيت أن يتحدث الأطفال ويعبرون عن حبهم للسيرك أثناء تصفيقهم ومشاهدتهم العروض، وسماع أحلامهم وتوصيلها للعالم كما سمعنا أحلام أبطال السيرك يتمنون النوم في سلام وأن تتوقف الحرب.

الخروج من دائرة الحرب داخل الحرب!

التصوير بالشاطىء ومحادثات الشباب عن أخبار الجيران أثناء الحرب، وتصوير المبان المدمرة بعيدًا عن الجثث، والأطفال، والسيرك البسيط رغم الظروف؛ كلها أشياء جعلتنا نعيش الحرب بشكل مختلف مع أهل غزة، وجعل الفيلم مناسبًا للأطفال، حيث ابتعد عن تصوير جثث الشهداء والمشاهد الدموية رغم أن أحمد الدنف مخرج الفيلم بالأساس مصورًا صحفيًا وكان يمكن أن يضع مشاهد مثل هذه بالعمل.

التصوير على الشاطىء في حد ذاته، أعطى انطباعًا بروح غزة التي تستحق هي وأهلها الحياة. كذلك معايشة حياة الأبطال تحت ظروف الحرب مثل استخدام كشاف التليفونات المحمولة، استخدام سلاح القطر لتقطيع البطاطس، وإيجاد بدائل دائمًا لتستمر الحياة؛ أشياء جعلتني أستوعب كيف هي الحياة تحت ظل الحرب القاسية غير العادلة، وكيف يتصرف الغزاويين دائمًا بذكاء مع هذه الأوضاع.

أيضًا مشهد السوق من سيارة نصف نقل ركبها الأبطال، التصوير أثناء سير السيارة وابتعادها عن السوق كشف لنا طبيعة حياة مختلفة تحت ظل الحرب وقلة الموارد. وكذلك تصوير البهلوانات بزاوية من أسفل بالسيرك اختيارًا جيدًا حيث وصل إلينا  حالة الأطفال وسعادتهم ومشاهدة البهلوانات شديدة الطول من زاوية الأطفال القصار القامة بالنسبة لفناني السيرك، ومن يمثل دور الدجاجة يقترب من الأرض، كما التوازي بين مشاهد استعداد أبطال العرض وانتظار الأطفال لهم بحماس كانت أيضا جيدة. الخروج من دائرة الحرب لتوثيق ما يحدث كان ذكاء من المخرجين أحمد  الدنف ومي سعد.

أين الأطفال؟

كنت أتمنى تسليط الضوء على الأطفال أكثر من الاعتماد على الحوارات الطويلة بين أبطال العمل الكبار والتي تعدت في بعض المشاهد 10 دقائق وأكثر، ما سبب الملل للمشاهدين، وخاصة الحوارات التي لم يكن لها هدفًا واضحًا ومعادة.

فالحوار بالفيلم الوثائقي له دور يختلف في بعض العناصر عن الفيلم الروائي في إيضاح معلومات وحقائق جديدة للجمهور عن موضوع العمل، أو تيسير السرد الدرامي وخلق إيقاعًا للفيلم وترابطًا إنسانيًا بين الأبطال. أين الحوار الذي ربط الأطفال بفناني السيرك إنسانيًا؟ أو ترتيب المشاهد لخلق حالة درامية وبعض التشويق؟

ظللنا ندور في نفس العرض بالسيرك الذي يقدم باستخدام نفس الأغاني والموسيقى -تقريبًا- عدا لقطة استخدام الأغنية المصرية "الغزالة رايقة" للفنان كريم محمود عبد العزيز من فيلم "من أجل زيكو" والتي لم تطل رغم تفاعل الأطفال معها بشكل مختلف!.

والتركيز على طفلة ترقص بحماس للحظات تمنيت التركيز معها بشكل أكبر خاصة أنها لفتت انتباه الجمهور، ولكن سرعان ما اختفت سريعًا، وفيما يتعلق باستخدام هذه الأغنية ربما عطل صناع العمل حقوق الملكية الفكرية، وإن كنت أظن أنهم لو تواصلوا مع صناعها لوافقوا على استخدامها كاملة من أجل الأطفال ولم تحذف بالمونتاج.

اسم العرض الذي جذبني ثم…

كنت أحب  أن أرى العرض الذي ننتظره من اسم الفيلم بنهايته "ضايل عنا عرض" عرضًا كبيرًا للأطفال ومختلفًا كيفما جذبني الاسم وحده لحضور الفيلم، بل صار الفيلم حول حوارات أبطال العمل دون أحداث واستغلال لاسم الفيلم، فالسيرك وأبطاله يمكن استغلالهم بأكثر من طريقة؛ مثل التحدث عن تاريخ هذه الفرقة مع كل شخص على حدى، ونسمع قصة أهم أبطاله مع هذه الفرقة ولماذا أخذ كل فرد فيها قرارًا بالعمل فيه، وما رأي أهله فيما يفعل.

أيضًا مشهد الإنفجار الذي أتى متأخرًا بعد حوالي ساعة من بدء الفيلم وهو الشيء الوحيد الذي حرك الأحداث قليلًا ولكن مر سريعًا هو الآخر وعدنا للتركيز على الحوارات الطويلة دون الصورة من جديد، رغم إمكانية الإتفاق بين المخرج أحمد الدنف ومي سعد على اختيار أهمها وحذف المكرر منها.

الصورة وأشياء أخرى

رأيت أن حركة الكاميرا السريعة التي ترصد الأطفال سببت شعورًا بالحماسة للمشاهد معهم، وكذك تصوير الدمار الذي لحق بالمدينة، ولكن تمنيت استغلال الشاطىء والأطفال وعناصر أخرى لخلق صورة سينمائية مختلفة. وانتهى الفيلم من حيث بدأ باستغلال الأغنية الفلسطينية وموسيقى مناسبة لحالة الحزن مع تصوير ما آلت إليه غزة بعد الحرب.

جانب من عرض الفيلم بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي

"ضايل عنا عرض".. رغم كل ملاحظاتي عليه تجربة شجاعة بالأخص من المصور والمخرج أحمد الدنف، الذي غامر بحياته كثيرًا من أجل القضية الفلسطينية. وتجربة شجاعة من منتجي العمل بشركة المنتج محمد حفظي وريد ستار لصفي الدين محمود وباهو بخش، الذين وافقوا على فكرة الفيلم -على حد قول مي سعد بالمناقشة- رغم أنها كانت صريحة معهم أنها لا تعرف كيف سيخرج في شكله النهائي كفيلم وثائقي، وكاد الفيلم يصبح عظيمًا لو قرر صناعه أن يصبح فيلمًا قصيرًا والاستغناء عن مشاهد كثيرة لم يكن لها مبرر.

ضايل عنا عرض مهما اختلف حوله الجمهور أو النقاد أصبح ضمن التجارب التي وثقت ما يحدث بغزة وهذا أمر هام في حد ذاته.

2 تعليقات

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة