بين تدخل رئاسي مباشر أفضى إلى إلغاء نتائج 19 دائرة انتخابية في 7 محافظات، وإعلان قضائي تاريخي بـ”التبرؤ” من الإشراف على الصناديق، تواجه انتخابات برلمان 2025 أزمة شرعية غير مسبوقة وضعت الهيئة الوطنية للانتخابات في مواجهة عاصفة من التشكيك في استقلاليتها.
أحدث بيان الرئيس عبد الفتاح السيسي، المنشور أول من أمس الإثنين، تحولًا جذريًا في مسار المرحلة الأولى، بعدما طالب الهيئة بـ”تدقيق تام” في الشكاوى و”عدم التردد في إلغاء النتائج”، وهو ما استجابت له فورًا بإلغاء الانتخابات في اللجان التي شهدت “مخالفات جسيمة أثّرت على سلامة العملية الانتخابية ومشروعية نتائجها”، وهو التبرير الذي ساقه رئيس الهيئة المستشار حازم بدوي نفسه، متراجعًا بذلك كليًا عن تطميناته السابقة، التي دأب خلالها على نفي وجود أي مخالفات أو انتهاكات تمس سلامة العملية.
هذا التناقض الصارخ بين “النفي الإداري” و”الإلغاء الرئاسي” تزامن مع بيان صادم من نادي قضاة مصر، أكد فيه غياب القضاة وأعضاء النيابة العامة عن الإشراف على الاقتراع التزامًا بالنص الدستوري، ما ترك الساحة لجهات قضائية تنفيذية هي هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية.
وهو ما اعتبرته مصادر قضائية وخبراء، تحدثوا لـ فَكّر تاني، فقدانًا لجزء كبير من رصيد الهيئة المهني، حيث بدت وكأنها تتحرك بأوامر تنفيذية لا بقناعات قانونية مستقلة، ما يفتح الباب أمام طعون قانونية واسعة قد تعصف بشرعية المجلس النيابي القادم برمته، في ظل غياب “القاضي الطبيعي” عن المشهد لأول مرة منذ عقود.

عصام رفعت: ما حدث يهز الشرعية
المستشار عصام رفعت القاضي السابق بمجلس الدولة، يقول إن شرعية الهيئة الوطنية للانتخابات عند النظر إليها يجب أن تبدأ من النقطة الأولى في مسار العملية الانتخابية. ويؤكد أن المشهد برمته يكشف تناقضًا واضحًا في أداء الهيئة بين إنكار وجود أي مخالفات في البداية، ثم الاعتراف بانتهاكات واسعة بعد بيان رئيس الجمهورية، الذي أعاد تدخله في هذه المرحلة الاعتبار لـ “الشارع الانتخابي”، و”انتصر” لإرادة الناخبين.

ويؤكد القاضي السابق بمجلس الدولة، في حديثه لـ فَكّر تاني، على ضرورة التمييز بين نوعين من الانتهاكات: المخالفات البسيطة التي تقع أثناء يوم الاقتراع، كحشد الناخبين أو التدخل في اختياراتهم، وهذه يجب التعامل معها فورًا وفقًا للقانون، وبين الانتهاكات الجسيمة التي تمس سلامة العملية برمتها، وهي التي يفترض أن تبادر الهيئة بالتحقيق فيها وإحالتها إلى الجهات المختصة.
ويشير إلى أن الإشراف القضائي على الانتخابات هو الضمانة الأولى للنزاهة، وفقًا لقانون الهيئة الوطنية للانتخابات الذي منحها الاختصاص الأول والأخير في البحث عن الانتهاكات وإدارة العملية بكامل مراحلها، ويتساءل باستنكار: “هل كانت المخالفات أمام الهيئة قبل بيان رئيس الجمهورية وقالت إنها غير موجودة؟ أم أنها كانت موجودة ورصدت بالفعل، لكنها لم تتحرك إلا بعد تدخل الرئيس؟”.
ويقول رفعت إن إعلان الهيئة لاحقًا وجود انتهاكات في 19 دائرة – تمثل أكثر من 30% من الدوائر التي جرى فيها الاقتراع – يطرح مشكلة خطيرة تتعلق بعدم الإفصاح عن هذه الانتهاكات قبل تدخل الرئيس، وهو ما يهز شرعية الهيئة وقدرتها على إدارة العملية بصورة مستقلة، حيث يؤكد أن المشهد نفسه تكرر في انتخابات مجلس الشيوخ، حيث لم تتحرك الهيئة، وهو ما يستدعي وقفة جادة.
أزمة “الخدمة العسكرية” وغياب القرار
ويضيف أن الأزمة الأكبر بدأت من مرحلة تلقي أوراق الترشح نفسها، حيث يصف ما جرى بخصوص شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية بأنه “انتهاك خطير”، بعدما تم تفسيرها بشكل مبسط من قِبل رؤساء اللجان، رغم أن حكمًا قضائيًا صادرًا من محكمة القضاء الإداري في البحيرة أكد أن من حق الهيئة إصدار قرارات تنظم المستجدات الانتخابية. ومع ذلك، لم تصدر الهيئة أي قرار يمنع ترشح من حصلوا على إعفاء قانوني من أداء الخدمة العسكرية، رغم أن بعضهم كانوا أعضاء سابقين في مجلسي الشعب والنواب.

ويشدد على أن هذا الاضطراب في الإجراءات يفتح بابًا واسعًا للتشكيك في نزاهة الانتخابات، محليًا ودوليًا، وهو أمر “لا يمكن قبوله بحال”. ويضيف معقبًا بأن “لا أحد يقبل أن تتهم اللجان التي تدير مصالح الناس بأنها غير نزيهة أو غير شرعية، لكن ما حدث يستدعي إعادة النظر من البداية”.
ويؤكد رفعت أن الحل الأمثل هو إعادة العملية الانتخابية كاملة منذ مرحلة قبول أوراق الترشح، وتشكيل لجان جديدة، دون تدخل من أي جهة، حتى تخرج الانتخابات وفق المعايير المتوقعة من الدولة ورئيسها وشعبها.
محمد حامد سالم: الهيئة فقدت شرعيتها بانتظار إشارة من الخارج، والانتخابات مهددة بالبطلان.
انتهاكات يجب أن تُحال إلى النيابة
ويؤكد المستشار عصام رفعت أن الانتهاكات التي جرى كشفها يجب أن تحال فورًا إلى النائب العام باعتبارها “جرائم انتخابية”، وهي جرائم جنائية تستوجب التحقيق والمساءلة، لضبط العملية الانتخابية وردع المتسببين فيها “مهما كانت مناصبهم أو مواقعهم”.
ويحذر من خطورة بعض المخالفات التي لم يستطع المرشحون إثباتها، ومنها امتناع بعض رؤساء اللجان الفرعية عن إعطاء المندوبين البيان العددي لنتائج الفرز، وهو أمر وصفه بأنه “كارثة حقيقية” تستوجب المحاسبة، مشددًا على ضرورة محاسبة كل من تورط في انتهاكات انتخابات مجلس الشيوخ أيضًا حتى لا تصاب العملية الانتخابية بالخلل نفسه مرة أخرى.
ويضيف المستشار عصام رفعت أن من الضروري التذكير بجزئية محورية تتعلق بالإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات في مصر، موضحًا أن قانوني مباشرة الحقوق السياسية وتنظيم عمل الهيئة الوطنية للانتخابات انتهت مدتهما وفقًا لدستور 2014 في عام 2020.
ويقول إن الدستور منح فترة انتقالية محددة تجرى بعدها أول انتخابات من دون إشراف قضائي، وكانت تلك ستكون انتخابات رئاسة الجمهورية التي تمت في نهاية عام 2023. ويشير إلى أن الحوار الوطني تدخل قبل الانتخابات الرئاسية مباشرة، مطالبًا رئيس الجمهورية وكل الجهات السياسية والقانونية بإبقاء الإشراف القضائي الكامل لضمان النزاهة والشفافية.
ويوضح أن المستشار محمود فوزي، وزير الدولة للشؤون القانونية والنيابية، تبنى هذا الملف، وانتهى الأمر إلى عرض استثناء على رئيس الجمهورية، الذي وافق بدوره على استمرار الإشراف القضائي الكامل، وهو ما يعتبره رفعت قرارًا صائبًا يعبر عن إرادة المجتمع المصري.
لكن المستشار عصام رفعت يلفت إلى أن المشكلة ظهرت في التطبيق، إذ اكتفت الهيئة الوطنية للانتخابات – وفق قوله – بإسناد الإشراف في بعض اللجان إلى هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، مؤكدًا أن هذا الأمر فتح أزمة قانونية معروفة داخل المحاكم حول ما إذا كانت هاتان الجهتان تعدان من الهيئات القضائية المختصة بالإشراف على الانتخابات، أم أن الإشراف ينحصر فقط في القضاء العادي والقضاء الإداري والنيابة العامة.
ويقول إن ما خرج به المجتمع المصري من توافق داخل الحوار الوطني عامي 2022 و2023 كان واضحًا وصريحًا، وهو أن إسناد العملية الانتخابية للقضاء وحده لضمان النزاهة الكاملة. ويؤكد أن المجتمع احترم هذا التوجه وقدره، لكن أخطاء التطبيق – وإن بدت بسيطة – كان لها انعكاس مباشر على ما ظهر من انتهاكات وتجاوزات في الانتخابات الأخيرة.
نادي قضاة مصر: لم يتولّ القضاة وأعضاء النيابة العامة الإشراف على الانتخابات البرلمانية لعام 2025.
محمد سالم: الهيئة فقدت شرعيتها بانتظار “الإشارة”
ويقول الخبير القانوني محمد حامد سالم، المحامي بالنقض والدستورية العليا، إن الأزمة الحالية التي تمر بها العملية الانتخابية لم تعد مرتبطة فقط بمخالفات إجرائية أو تجاوزات تمت في بعض اللجان أو الدوائر، بل باتت متعلقة مباشرة بمدى شرعية واستقلال الهيئة الوطنية للانتخابات نفسها، بعد ما جرى من تطورات يعتبرها تمس صميم استقلال الهيئة، على حد وصفه.

ويوضح سالم، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، أن البيان الصادر عن رئيس الجمهورية بشأن وجود مخالفات انتخابية كان يجب أن تكون الهيئة الوطنية هي صاحبة المبادرة إليه بإعلان ما رصدته وما ستتخذه من إجراءات، لا أن تنتظر “إشارة من خارجها” كي تتحرك، لأنه ينتقص من استقلال الهيئة ويضع علامات استفهام حول قدرتها على ممارسة اختصاصاتها الدستورية والقانونية بمعزل عن الإرادة التنفيذية.
ويضيف أن الهيئة، بوصفها جهة مستقلة دستورًا، لا تملك رفاهية الانتظار أو التريث في التعامل مع أي مخالفة تمس نزاهة العملية الانتخابية، وأن مجرد ظهورها في صورة المتلقي للأوامر أو التعليمات يضعها أمام إشكالية حقيقية تمس شرعية أدائها، وقد يترتب على ذلك – قانونًا – تهديد ببطلان العملية الانتخابية أو إلغائها كليًا أو جزئيًا.
ويؤكد سالم أن هذه الإشكالات لا تقف عند حدود انتخابات مجلس النواب فحسب، بل تمتد – وفق تقديره – إلى الاستحقاقات الانتخابية السابقة التي جرت تحت الإشراف ذاته، وعلى رأسها انتخابات مجلس الشيوخ، حيث قد يجد المرشحون الذين لم يحالفهم الفوز سندًا قانونيًا للتشكيك في شرعية العملية برمتها والطعن في نتائجها، وربما إغراق المجلس بمئات الطعون إذا ما أراد أصحاب المصلحة اتخاذ هذا الطريق.
ويضيف أن ما جرى خلال الأيام الماضية أثبت أن هناك فجوة كبيرة بين النص القانوني الذي يمنح الهيئة استقلالًا كاملًا، وبين الممارسة العملية التي تجعلها راصدة من بعيد، تنتظر معلومات تأتيها بدل أن تبادر هي إلى اكتشاف الوقائع بحكم مسؤوليتها.
ويشير إلى أن العدالة الانتخابية تتطلب أن تمتد يد الهيئة إلى كل ما يقع من تجاوزات أو جرائم انتخابية، بما فيها الجرائم التي قد تحدث داخل بعض اللجان أو الدوائر، وتكون معلومة للكافة ولكن لا يتم الإعلان عنها أو التحقيق فيها رغم أنها تشكل – من وجهة نظره – خطرًا على مبدأ الشفافية.
وبشأن الحل، يقول سالم إن هيكلة الهيئة الوطنية للانتخابات أصبحت ضرورة حتمية، وإن المشهد الحالي لا يمكن إصلاحه دون اتخاذ إجراءات جذرية تبدأ بحل الهيئة القائمة وتعيين لجنة مستقلة جديدة تتولى مراجعة كل أعمالها السابقة، بدءًا من الشكاوى والطعون التي قدمها المرشحون والناخبون، مرورًا بآليات فحص هذه الطعون، وصولًا إلى تقييم جديتها والفصل فيها وفق معايير الحيدة والشفافية.
ويشدد على ضرورة أن تكون اللجنة الجديدة مكلفة أيضًا بتقييم ما جرى من مخالفات في العملية الانتخابية الحالية، وأن تتخذ ما يلزم من قرارات أو إجراءات تصحيحية، مع ضمان استمرار العملية الانتخابية في مسارها الصحيح حتى لا يحدث فراغ دستوري، على أن تتولى اللجنة استكمال ما تبقى من الانتخابات بعد تصحيح المسار وإعادة بسط هيبة القانون.
صالح حسب الله: “إعادة الهيكلة” ضرورية لاستعادة الثقة
ويؤكد المحامي الحقوقي صالح حسب الله، المستشار القانوني السابق لحركة استقلال جامعة عين شمس، لـ فَكّر تاني، أن المشهد الانتخابي الراهن في مصر يمثل واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ سنوات، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب أثارت موجة واسعة من الانتقادات والجدل، واتهامات مباشرة بتزوير إرادة الناخبين.

ويضيف أن تدخل بيان رئاسي مباشر في هذه المرحلة، ألقى الضوء على العملية الانتخابية بأكملها، ووضعها تحت مجهر الرأي العام المحلي والدولي، ما يجعل من الضروري إعادة النظر في كل الخطوات والإجراءات التي اتخذتها الهيئة الوطنية للانتخابات.
ويشير حسب الله إلى أن هذه التطورات تأتي في سياق توتر سياسي متزايد، مرتبط بفتح المجال السياسي والتحديات المرتبطة بضمان نزاهة وشفافية الانتخابات، مؤكدًا أن ما حدث كشف قصور الهيئة في إدارة العملية الانتخابية بشكل مستقل، وأظهر الحاجة الملحة لإعادة هيكلة إشراف الانتخابات لضمان حماية حقوق الناخبين والمرشحين على حد سواء.
ويوضح أن عدم قدرة الهيئة على التعامل مع المخالفات والانتهاكات إلا بعد تدخل الرئاسة، يمثل إخلالًا صريحًا باستقلالها وشرعيتها، ويضع العملية الانتخابية كلها تحت ضغط فقدان الثقة.
ويضيف أن حل الهيئة الوطنية للانتخابات أصبح ضرورة حتمية لإنقاذ المشهد العام، وضمان استمرار الانتخابات وفق أسس قانونية واضحة، مشددًا على أن أي هيئة جديدة يجب أن تدار بواسطة قضاة مستقلين يتمتعون بالحيادية الكاملة، مع توفير آليات واضحة لفحص المخالفات والشكاوى، وإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة لضمان محاسبة المتسببين.
ويوضح أن هذا الإجراء ليس فقط مطلبًا قانونيًا، بل خطوة ضرورية لاستعادة ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية.
ناجي دربالة: شهدنا ارتباكًا مؤسسيًا واضحًا
ويرى المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض السابق وأحد أبرز رموز تيار استقلال القضاء في مصر، أن المشهد الانتخابي الراهن يكشف – بلا لبس – حالة غير مسبوقة من الارتباك المؤسسي وانعدام استقلالية الهيئة الوطنية للانتخابات، بعدما خرجت في البداية لتؤكد خلو العملية الانتخابية من أي مخالفات أو انتهاكات، قبل أن تنقلب على موقفها كليًا عقب بيان رئيس الجمهورية، لتعلن فجأة تلقيها 88 طعنًا انتخابيًا، ثم تتخذ خطوة غير مسبوقة بإبطال الانتخابات في 19 دائرة كاملة بدعوى وجود “جرائم انتخابية”.

ويشدد دربالة، في حديثه لـ فَكّر تاني، على أن التجارب التاريخية المصرية، من عصر الرئيس السادات إلى انتخابات 2005 في عهد مبارك ثم انتخابات ما بعد ثورة 25 يناير، كانت كلها تؤكد أن لا انتخابات نزيهة أو موضع ثقة الشعب إلا إذا تمت تحت إشراف قضاة حقيقيين على المنصة القضائية، وهو ما لم يحدث في الانتخابات الحالية، حتى أن نادي قضاة مصر خرج ببيان رسمي أكد عدم مشاركة القضاة وأعضاء النيابة العامة في الانتخابات.
ويعقب قائلًا: “التاريخ المصري أثبت أن الناس لا تثق في أي عملية انتخابية إلا إذا كان القضاء الطبيعي هو الذي يديرها.. رأينا ذلك في انتخابات 2005 التي أشرف عليها قضاة مستقلون، ورأينا ذلك بعد الثورة في الاستفتاءات البرلمانية والرئاسية، حيث تمتعت العمليات الانتخابية بقدر كبير من الثقة لأن القضاء هو من كان يضبطها”.
ويوضح نائب رئيس محكمة النقض السابق، أن ما جرى في الانتخابات الحالية هو فصل كامل للقضاء الطبيعي – من محاكم عادية ومجلس دولة – عن الإشراف على العملية الانتخابية، وإحلال عناصر من هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية وموظفين إداريين محلهم، وهي جهات لا يمكن وصفها بالاستقلال.
ويضيف معقبًا: “لا يجوز أن يقول أحد إن من ينتدب لإدارة اللجان قاضٍ.. القاضي هو من يجلس على منصته ويحكم بين الناس.. أما من ينتدب بقرار من السلطة التنفيذية، ثم يخرج من منصة القضاء ليدير عملية سياسية كبرى، فهو لم يعد في موقع القاضي المستقل”.
ويؤكد أن هذا الاختيار المتعمد لجهات “قانونية تنفيذية” دون القضاة المستقلين هو مخالفة صريحة للتجارب الناجحة التي بنت عليها مصر ثقة الناس في أي انتخابات، ويعد عاملًا رئيسيًا في فقدان ثقة الجمهور والمرشحين في شرعية الهيئة الحالية.
المستشار عصام رفعت: تدخل الرئيس انتصار للناخبين.. لكنه كشف أن الهيئة تتحرك بالتعليمات
معضلة “الجرائم الانتخابية”.. أين النيابة العامة؟
وينتقل المستشار دربالة إلى المشهد الأحدث، وهو بيان رئيس الجمهورية الذي أكد فيه وجود مخالفات وطالب الهيئة بمراجعتها وإبطال الانتخابات جزئيًا أو كليًا، ويقول صراحة: “تدخل الرئيس له دلالتان واضحتان: الأولى أن ما جرى في الانتخابات وصل لحد لا يمكن السكوت عنه حتى داخل فريق المؤيدين للسلطة.. والثانية والأخطر أن الرئيس نفسه بدا غير واثق في قدرة الهيئة على القيام بدورها، وإلا ما كان تدخل”، وفق رأيه.

ويضيف: “الهيئة الوطنية سبقت توجيه الرئيس بالقول إن كل ما قدم إليها من بلاغات وشكاوى هو مجرد شكاوى كيدية من خاسرين، ثم بعد بيان الرئيس مباشرة أعلنت وجود تجاوزات بالفعل وتحدثت عن طعون كثيرة.. هذا وحده كاف لنسف شرعيتها.. لأن الهيئة المستقلة لا تنتظر توجيهًا من الرئيس كي تباشر عملها”.
ويشير إلى أن المشهد تكرر حرفيًا في انتخابات مجلس الشيوخ، حيث قدم المرشحون والأحزاب شكاوى وانتهاكات بالجملة دون أن تتحرك الهيئة، ولم تتدخل حينها. ويقول إن تكرار الأمر الآن في انتخابات مجلس النواب وعدم تحركها إلا حين صدر توجيه سياسي يبرهن على أن الهيئة لا تقوم بوظيفتها إلا عند تلقي إشارة من الرئيس، وهو ما يعني – على حد قوله – فقدانها لأي استقلال.
ويؤكد نائب رئيس محكمة النقض السابق أن إعلان الهيئة أمس الثلاثاء إبطال الانتخابات في 19 دائرة بسبب “جرائم انتخابية” يثير سؤالًا قانونيًا خطيرًا: “لماذا لم تُحِل هذه الجرائم إلى النائب العام؟”. ويضيف: “الجرائم الانتخابية ليست مجرد مخالفات إجرائية، بل جرائم جنائية كاملة، مثل المال السياسي، ومنع المندوبين، والتسويد، وحرمان الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، وتعطيل الكشوف.. كلها جرائم تستوجب الإحالة للنيابة العامة والتحقيق الفوري مع مرتكبيها وتقديمهم للعدالة، وليس فقط إبطال الانتخابات”.
ويلفت إلى أن القانون يلزم الهيئة بإبلاغ النيابة فورًا عند ثبوت أي جريمة انتخابية، وأن مجرد إبطال 19 دائرة دون إحالة أي متورط هو إهدار للقانون ولجوهر وظيفتها، ويؤكد أن الجرائم الانتخابية تسقط بالتقادم خلال سنة واحدة، مما يعني أنه إذا لم تتحرك النيابة الآن فقد ينقضي الحق في الملاحقة كليًا، فيبقى مرتكبو الجرائم بلا عقاب.
ويشدد على أن واجب الإبلاغ لا يقع على الهيئة وحدها، بل يشمل كذلك المرشحين، والقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ويضيف: المجلس يملأ الدنيا حديثًا عن حماية الحقوق السياسية، وقد آن الوقت لأن يؤدي دوره فعليًا، ويتقدم ببلاغات عن الانتهاكات الواسعة التي جرت”.
ويختتم المستشار دربالة بأن المشهد الحالي – بين تخبط الهيئة، وتدخل الرئيس، وانكشاف الانتهاكات، وإبطال الدوائر دون محاسبة – يطرح سؤالًا حاسمًا حول شرعية الانتخابات ذاتها، وشرعية الهيئة التي تديرها، وقدرتها على البقاء كجهة مستقلة بعد هذا الكم من الارتباك.
