لماذا تشارك وجوه من يناير في "انتخابات محسومة"؟

رغم كل الملاحظات على الانتخابات والنظام الانتخابي، ورغم تكرار المشاهد نفسها من دورة لأخرى، أظل دائمًا أميل إلى فكرة المشاركة؛ حتى مع قواعد تنظيم غير عادلة، وشكاوى من سيطرة رأس المال وتوزيع الهدايا والمواد الغذائية، ووجود أحزاب موالية تُعيد إنتاج أداء الحزب الوطني القديم.

ومع ذلك، يبقى خوض التجربة في حد ذاته مهمًّا، وتظل محاولة التواصل مع الناس، مهما ضاقت المساحة، واجبًا لا يجب التخلّي عنه.

أنا أدرك أن الحصار واسع، وأن المساحات تضيق يومًا بعد يوم، وأن كثيرًا من تفاصيل المشهد يبدو معدًّا سلفًا.

وعلى المستوى الشخصي، اكتشفتُ أنني ما أزالُ محرومًا من ممارسة حقوقي السياسية، رغم أن القضية التي سُجنت بسببها عام 2013 لم تكن إلا "جنحة تظاهر دون تصريح"، وليست جريمة مخلة بالشرف تمنع الترشح.

ومع كل ذلك، وبرغم انسداد الأفق مقارنة بسنوات مضت، تظهر نماذج تستحق التشجيع. مرشحون يحاولون، بأقل الإمكانات، فتح فجوة صغيرة وسط جدار كثيف من التضييق. لا يوزّعون الكراتين ولا ينفقون الملايين، بل يخوضون حملاتهم بالأفكار والمبادئ والحلم. هؤلاء، مهما كانت فرصهم محدودة، يستحقون المساندة في الجولات الانتخابية وفي يوم التصويت.

جانب مع فعاليات اليوم الثالث للجان تلقى طلبات الترشح لانتخابات مجلس النواب 2025- فيسبوك الهيئة الوطنية للانتخابات
جانب مع فعاليات اليوم الثالث للجان تلقى طلبات الترشح لانتخابات مجلس النواب 2025 (فيسبوك الهيئة الوطنية للانتخابات)

سؤالان مهمان

يتساءل البعض: لماذا يشارك وجوه محسوبة على يناير في انتخابات يراها كثيرون محسومة؟

في تقديري، هذه المشاركة ليست رهانًا على الفوز بقدر ما هي محاولة شجاعة للوصول إلى الناس، واختبار ما تبقّى من المساحة العامة. فمنافسة ماكينات ضخمة تُنفق الملايين، بأدوات بسيطة وروح مقاومة، تظل خطوة أكثر إيجابية من المقاطعة والفرجة من بعيد.

ويبقى السؤال الأهم:

لماذا لا يُسمَح بوجود برلمان حقيقي يعبر عن الناس ومشكلاتهم؟

المنطق يقول إن الأوضاع استقرت، وإن التهديدات القديمة تراجعت، وإن المصلحة الوطنية تقتضي وجود مجلس قوي يشرّع ويراقب ويحاسب. أما ضمان أغلبية مطلقة داخل البرلمان، فلم يخدم أي نظام حكم مهما بدا مستقرًا.

والتجربة الأقرب أمامنا: برلمان 2010، حين استحوذ الحزب الوطني على أغلبية ساحقة، فخلق ذلك احتقانًا كان أحد أسباب انفجار 25 يناير 2011.

فوز زهران ممداني

وبينما نتابع مشهدًا انتخابيًا مصريًا يزدحم بالملاحظات، برز عالميًا حدث لافت: فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، حيث قدّم ممداني حملة غير تقليدية، وصفه البعض بأنه “متواصل موهوب”. اعتمد على محتوى جذّاب موجّه للشباب، ولغة قريبة من الناس، وأدوات رقمية فعّالة.

ورغم أصوله المسلمة، وأفكاره الاشتراكية الديمقراطية التي لا تنسجم مع التيار الأمريكي السائد، ورغم عداء اللوبي الصهيوني له بسبب دعمه لغزة وانتقاده الصريح لإسرائيل واعتبار ما تقوم به “إبادة جماعية”، إلا أنه فاز بفضل حملة ذكية ومحتوى بسيط ومؤثر.

زهران ممداني تمتع بدعم قاعدة عريضة ومتنوعة من الناخبين بينهم يهود (رويترز)
زهران ممداني تمتع بدعم قاعدة عريضة ومتنوعة من الناخبين بينهم يهود (رويترز)

تحوّل الشباب إلى محرّك الحملة ووقودها، ينقلون رسالته بحماس، ويعيدون الثقة في جدوى المشاركة السياسية.

البعض يرى أن مقارنة هذه التجربة بالوضع المصري ضربٌ من الخيال. فممداني، مهما كان متمردًا على التيار، يمارس السياسة دون خوف من السجن أو المنع أو التضييق. لكن الدرس الأهم الذي تمنحه تجربته يظل ثابتًا:

الشباب هم الورقة الرابحة دائمًا.

وعزوفهم عن الشأن العام ليس خسارة للمعارضة أو السلطة فقط، بل خسارة للوطن كله.

ما نحتاجه خطابٌ صادق بسيط، يتحدث لغة الناس، ويعيد بناء الثقة بين المجتمع والسياسة. نحتاج أدوات ووسائل جديدة، ونبرة تفتح نوافذ الأمل في مستقبل أفضل. فالأجيال الجديدة متشابهة في تطلعاتها وأساليبها، مهما اختلفت البلدان والظروف. والتجارب الملهمة - مثل تجربة زهران ممداني - ليست وصفة جاهزة، لكنها تذكير بأن التغيير يبدأ بكلمة واضحة، وبفكرة صغيرة، وبإيمان أن المساحة - حين تضيق - قادرة على التمدد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة