أعلن السياسي البارز والصحفي أحمد الطنطاوي، وكيل مؤسسي حزب تيار الأمل النائب السابق، ترشحه في انتخابات الرئاسة 2030 بشروط، مؤكدًا أن ترشحه واجب يقره التفاف الشعب حوله ومحبته، لكنه لن يعلنه قبل الجلوس مع قيادات القوى الديمقراطية والمدنية.
جاء ذلك في حوار شامل من حوارات فَكّر تاني، جمع ما بين المشهد الانتخابي، والوضع السياسي، والتطورات الإقليمية، مؤكدًا أنه مصر على إبقاء باب الأمل مفتوحًا لتحقيق مسار آمن لعملية الانتقال السلمي الديمقراطي، فيما حذر من استمرار الوضع على ما هو عليه.
وانطلق الطنطاوي من قراءته لفوز السياسي الأمريكي الشاب الصاعد زهران ممداني، وما يترتب عليه، إلى مشروعه السياسي ومواقفه من الانتخابات البرلمانية الراهنة ونسب مشاركة حزبه تيار الأمل فيها، وفكر الحيز المتاح، وأحزاب الموالاة والمعارضة، والانتخابات الرئاسية المقبلة، وما يثار حول تعديل الدستور، كما توقف عند مآلات الأوضاع الجيوسياسية والاستراتيجية في المنطقة، وبخاصة المتصلة بقطاع غزة والسودان وسوريا.
فإلى نص الحوار:

زهران ممداني
في البداية، ما تعليقك على فوز زهران ممداني، المسلم الديمقراطي الاشتراكي، بمنصب عمدة نيويورك؟
هو أيضًا المهاجر الذي من أصول هندية، ومولود في أوغندا، الذي وصل شابًا بسيطًا، واشتغل في مهن تنتمي للطبقة العاملة والكادحة، وحمل برنامجًا طموحًا، والأهم من كل هذا أنه كان بمقدوره أن يواجه رئيس الدولة ويتحدّاه، ويفوز في الانتخابات دون أن يتعرض للعزل ولا للمنع ولا للحبس، له ولأنصاره.

لقد وقف ترامب مغلول الأيدي أمام محاولة منع معارض مباشر له من أن يفوز بثقة الناخبين، وهذا بالتأكيد مشهد يثير مزيجًا من الأمل ومن الإحساس بمرارة الواقع الذي نعيشه.
الأمل لأنه يمثل كسرًا للاتجاه الذي يمثله ترامب في الواقع الدولي، وهذه نزعة للأسف متكررة في أماكن كثيرة، والإنسانية لها مصلحة، والعرب بالأخص لهم مصلحة في كسر هذه العنجهية والغطرسة، ولذلك هذا النموذج فيه الكثير من الرسائل الإيجابية، لكن عندما تعود لترى المسافة ما بين الواقع المصري وما بين ما يستحقه المصريون، لا تملك إلا أن تشعر بالأسى.
الديمقراطية والاشتراكية
قبل أن نذهب إلى مصر، كيف ترى اعتبار ترامب وحلفائه في المنطقة، أفكار ممداني الديمقراطية والاشتراكية خطر على الدول، وانتهت صلاحيتها؟
الاختراع الذي نأمل أن يجد طريقه إلى مصر قريبًا، والذي اسمه الديمقراطية، يعطي الحق لرئيس الدولة ولكل مواطن على السواء أن يرى ما يشاء، لكنه يحتفظ بالكلمة العليا وبالحق الأصيل فيمن يولّي ومن يعزل، عبر صندوق الاقتراع، للناس، دون تلاعب، أو تدخل، أوإكراه، أو تدليس.

والأفكار بمعناها التقليدي القديم، لم تعد موجودة إلا في الكتب تقريبًا، وهو ما يتبادر إلى الذهن عندما تقول كلمتي “الاشتراكية” و”الرأسمالية”، فالعالم كله بات يوجد فيه خليط بنسب متفاوتة ما بين هذه الأنظمة.
وأمامنا كثير من الدول الأوروبية التي شهدت فوز لرؤساء وأغلبيات برلمانية محسوبة على التيار اليساري أو يسار الوسط بكل تنوعاته.
يجب أن نحترم آراء كل شخص، ولنجعل الكلمة العليا للشعب، وهنا أؤكد أن التناوب على مواقع المسؤولية له الكثير جدًا من المميزات، من بينها تهذيب الأفكار المتطرفة والوصول بها إلى حالة من حالات التيار الرئيسي الذي يسود في المجتمع.
فوز ممداني نموذج فيه الكثير من الرسائل الإيجابية، وأسفر عن مشهد يثير مليء بالأمل ومن الإحساس بمرارة الواقع الذي نعيشه، لكن الأهم أنه يمثل كسرًا للاتجاه الذي يمثله ترامب في الواقع الدولي
المدرسة الناصرية
أنت خارج من عباءة المدرسة الناصرية، ومتهم من بعض خصومك بأنك تحاول إعادة هذا النموذج الاشتراكي الفاشل كما يزعمون، مرة أخرى في مصر؟
هذا رأي، وأنا أحترم أصحابه وأحترم حقهم في أن يروا ما يشاءون، وهناك آخرون لهم رأي مخالف.
ولمصلحة المجتمع، ولمصلحة التطور، ولمصلحة التجويد، أن تكون هناك الآراء المتنوعة هذه. وفي النهاية يكون الاحتكام لإرادة الناس.

أرى أن كل تجربة هي بنت زمانها وبنت مكانها، ومن الفشل والإفلاس وتيبس الأفكار أن يحاول الناس استنساخ التجارب وإعادتها كما كانت خارج نطاقها الزمني والمكان، وهذا بالتأكيد غير مطروح بالنسبة للناس التي تملك عقولًا متجددة ومتصلة بعصرها وبأدواته وبمعطياته، كما أنه غير مفيد.
كل التجارب التي حاولت أن تؤسس لمشروع كبير للمستقبل يمكن أن يؤخذ منها ويرد، والتاريخ المصري فيه الكثير من التجارب التي تستحق الوقوف أمامها وتأملها ونحن نحاول أن نصيغ رؤى صالحة للحاضر وللمستقبل، وهذه ليست هي التجربة الوحيدة، وليس من الحكمة استبعاد أي منها بالكلية، أو تطبيقها بنفس الأسس والآليات.
تقييم نظام عبد الناصر
بوضوح، كيف ترى نظام عبد الناصر في ظل أن البعض يراه ديكتاتوريًا؟
لن أتهرب بالتأكيد من الإجابات الواضحة، لكن أحيانًا تكون الإجابات المبتورة لا توصل المعنى كاملًا. أنا أريدك أن تحكم عليه بمعطيات زمانه.
نعم كان نظاماً ديكتاتوريًا في سياق معايير زمانه، وعلى الناس أن تقيسه على ما كان حوله، ثم ما كان قبله، بما يعني أنه إذا جاء نظام وأحدث نقلة إلى الأمام، يُقاس بزمانه.

في هذا الوقت كان أكثر من نصف دول العالم تُحكم بنظام الحزب الواحد، وكانت نظماً تعبر عن مرحلة ما بعد الاستقلال أو ما بعد التحرر الوطني من فترات الاستعمار، وكانت الأفكار السائدة في معظم دول العالم تتكلم عن بناء الدولة، قبل أن تتحدث عن تداول السلطة.
ولذلك، هناك مفهوم في الأدبيات السياسية يقول إن الأحكام المتعلقة بالآباء المؤسسين الذين جاؤوا مباشرة بعد التحرر من الاستعمار، لا يصح ولا يجب أن يُقاس عليها من جاء بعدهم.
مصر يتطلع شعبها لمستقبل يستحقه ويقدر عليه، لكن سلطتها الحاكمة، استدعت أسوأ نسخة من الماضي، وأطبقت بها على روح مصر، بل وتعاند طبيعة الأشياء، وهي التغير والتطور
الديمقراطية والحكم
هنا أنت متهم من البعض بأنك ستأتي وستتخذ من الديمقراطية سلمًا للوصول إلى مقعد الحكم، ثم تكرر “الديكتاتورية الناصرية”. ما ردك؟
بالتأكيد، هذا الاتهام غير وارد على الإطلاق، لا في تفكيري ولا في التجارب التي يصل فيها الناس إلى السلطة بالديمقراطية.
لا أحد يستطيع أن يمارس الحكم بمعزل عن الطريقة التي امتلك بها أداة الحكم.

إذا كان قد احتُرم حق الشعب المصري، أو أدنى حقوقه في أن يرشح من يشاء ثم ينتخب من يشاء، وتُحترم إرادة الناس -وتقديراتنا كانت واضحة بأننا كنا سنفوز في انتخابات الرئاسة الماضية لو احتُرم هذا الحق- فهل الذي يأتي بهذه الطريقة تكون في يديه أدوات الإكراه الخشنة، أم أنه في الأصل جاء استنادًا إلى إرادة شعبية أحرص ما يكون على أن يحافظ عليها ويحترمها؟
وهذا إقرار لمبدأ التداول الذي هو أحد أهم الأسس الرئيسية لنهضة وتقدم واستقرار الدول، الذي يتأسس على الشرعية المبنية على الرضاء الشعبي، وليس المشروعية الشكلية المبنية على مظاهر تفتقر للكثير من المضامين الحقيقية.
بيان مارس جديد
الرئيس جمال عبد الناصر، تغير كما يرى البعض، وأصدر في 30 مارس 1968، وثيقته المعروفة ببيان مارس، بما احتواه من مبادئ دستورية وديمقراطية، والذي قال عنه الدكتور أسامة الغزالي حرب، إنه بداية لحكم ناصري ذي سمة ديمقراطية وصحوة وطنية. هل نحن في حاجة إلى مبادئ البيان الآن؟
الإجابة، وهذا شيء مؤلم، أنه لا، نحن أبعد من هذا بكثير.
هنا يوجد مفارقة كبيرة، فالناس التي امتلكت أداة السلطة بوسيلة خشنة، ومن خلال القوات المسلحة في 23 يوليو 1952، بمعطيات ذلك الزمن، كانت تتطور، بينما السلطة التي جاءت بعد مشهد باهر، الشعب فيه هو البطل، وليس نخبة من أبناء قواته المسلحة هم من قاموا بدور البطولة، أي أننا انتقلنا من المفترض من مرحلة الضباط الأحرار إلى مرحلة المواطنين الأحرار، وهذا هو التجدد المنطقي والطبيعي والإنساني لشعب يتصل بالحضارة والثقافة وأدوات العصر والانفتاح على تجارب الآخرين والتطور الحاصل في محيطه.

تصور نحن نناضل الآن لإقرار مبدأ “دولة القانون”، لكي نتحدث بعد ذلك عن حكم المؤسسات وليس الأفراد، وعن التداول على الحكم، وعن الفصل والتوازن بين السلطات، وعن احترام الدستور وتطبيقه، وعن أبسط حقوق المواطنين الواردة فيه وفي القوانين التي تُنتهك جهارًا نهارًا دون رادع ودون حساب أو عقاب.
25 يناير كان من المفترض أنها نقطة مؤسسة، ما بعدها ليس أبدًا كما قبلها، فأن تأتي بعد 12 سنة لنحلم بأن نعود لوضع 30 مارس 1968، فهذا شيء حزين.
“الحيز المتاح” كلمة حق يراد بها باطل لكن أن يأتي البعض ليتقبل، ويتكيف، ويقبض الثمن في مقابل إبقاء الحيز مغلقًا، ثم يسميه “الحيز المتاح”، فهذه عملية نصب سياسي واضحة جدًا.
الموقف السياسي بمصر
ننتقل من الماضي إلى الحاضر. أين تقف مصر سياسيًا من وجهة نظرك؟
مصر يتطلع شعبها لمستقبل يستحقه ويقدر عليه، لكن سلطتها الحاكمة، بكل مكوناتها وأضلاعها، استدعت أسوأ نسخة من الماضي، وأطبقت بها على روح مصر، بل وتعاند طبيعة الأشياء، وهي التغير والتطور، بأن تفرض هذا الماضي على الحاضر في ظل وهم بأنها قادرة على أن تستمر به في المستقبل.
واقع الأشياء يقول إنه من الممكن لفترة، في ظروف معينة، أن يستمر ذلك لكنه من غير المتصور عقلًا ومنطقًا أن يكون هذا وضعًا يستمر إلى الأبد.

ولذلك نحن أمام هذا الوضع القلق، والحرج، والمتوتر، وكل هذه الأوصاف تعكس أزمة شرعية، وأنا هنا أتحدث عن الشرعية الرضائية، وهي أن يرتضي الناس ما هم فيه.
والمثل الذي بدأت به الحوار في أمريكا مهم جدًا، واعتبر حالة الرئيس الأمريكي الحالي نموذجية للتقييم، في ظل طبيعة شخصيته وطريقة ممارسته للسلطة شديدة الاستقطاب.
عندما نجح في العهدة الرئاسية الأولى وعندما سقط في نهايتها، كان هناك عشرات الملايين من المواطنين الأمريكيين منحازين جدًا له، أو منحازين جدًا ضده، فهل وجدت الناس هناك تحاول أو تطالب بإسقاط النظام؟
وعندما خرج بهذه الدعوة الغوغائية لأنصاره بعد الانتخابات الرئاسية في نهاية مدة ولايته الأولى التي سقط فيها، الشعب نفسه هو الذي استنكر ذلك ورفضه ولم ينجر إليه، لسبب وحيد، ليس لأنهم لا يملكون هذا الاستقطاب الحاد المكون لهذه الشخصية، وإنما لأنهم يملكون أداة مصانة، ومضمونة، لتغيير السلطة كل أربع سنوات إذا أرادت الأغلبية.
هذه الحكاية، على قدر بساطتها.
وبما أنها غير موجودة هنا، في مصر يصبح الشعب وإرادته مصدر تهديد، ويتم التعامل معه من هذا المنظور، أنه مصدر تهديد.
المادة 226 من الدستور، التي تنظم طريقة تعديله، لا تسمح بتعديل المواد المتعلقة بالحقوق الأساسية والحريات والانتخابات الرئاسية إلا لمزيد من الضمانات
رفاق 25 يناير
بعض رفاق 25 يناير اختاروا “الحيز المتاح”، بينما أنت متمسك بالسقف الأعلى أو الحيز الدستوري كما نسميه. لماذا ترفض هذا المسار التراكمي كما يرونه أم أنك تريد تغييرًا بطريق آخر؟
سؤال شديد الأهمية والتركيب وفيه مفاصل عديدة.
أولًا، “الحيز المتاح” كلمة حق يراد بها باطل. وأنا أفهم أن الناس تتبع أسقفًا متعددة في أي قضية، والقضية الرئيسية المطروحة على مصر وشعبها هي قضية الانتقال للمستقبل، وأنا أقبل هذا جدًا. لكن أن يأتي البعض ليتقبل، ويتكيف، ويقبض الثمن في مقابل إبقاء الحيز مغلقًا، ثم يسميه “الحيز المتاح”، فهذه عملية نصب سياسي واضحة جدًا.

لست وصيًا على أحد في أن تكون له اختياراته، لكنني ضد أن يحاول أصحابه أن يفرضوا عليّ بأننا جبهة واحدة وأهداف واحدة.
بالعكس، من يحاول أن يكرّس الأوضاع الخاطئة، ليس فقط بالتعايش معها، وإنما بأنه يقبض ثمن ذلك، بالتأكيد معسكره والمربع الذي يقف فيه يختلف تمامًا عمن يحاول أن يغير هذا الواقع ويدفع ثمنه. فالذي يقبض ليس كالذي يدفع، والذي يرفع السقف ليس كمن ينحني له، وكلما انخفض السقف، ينخفض هو أيضًا ويقول: “هذا هو المتاح”.
وبما أن هؤلاء الناس يتحدثون عن الهامش المتاح والحيز المتاح، نسأل: هل يمكنكم أن تضمنوا لنا حيزًا نعبر فيه عن أنفسنا؟ أم أننا نتحدث فقط؟
وعندما يطالب أناس باحترام الدستور، الذي هو العقد الاجتماعي الحاكم في الدولة والذي ينظم علاقات المجتمع وعلاقة الشعب بالسلطة، فإنهم يطالبون بالدستور، وليس بأفكار ثورية.
إنهم يطالبون كل مسؤول في هذا البلد بأن يبرّ قسمه. هل هناك مسؤول في الإدارة العليا يبدأ عمله إلا بعد القسم على احترام الدستور والقانون؟ وهل يُعَدُّ سقفنا عاليًا هكذا؟
نظام عبد الناصر كان ديكتاتوريًا ولكن على الناس أن تقيسه على ما كان في زمانه، وكل التجارب التي حاولت أن تؤسس لمشروع كبير للمستقبل يؤخذ منها ويرد.
اتهامات تجميل الصورة
لماذا تشاركون في العملية السياسية من الأساس إذا كنتم ترون المشهد بهذه الصورة؟ ألا يعد ذلك جزءًا من تجميل الصورة، وهندسة الانتخابات بمعاييركم؟
أولًا، أرى أن الأصل في السياسي أن يشتبك، والاستثناء أن ينسحب. وهذا لا يعني أنني أدين رأي أو فكر من يتحدث عن المقاطعة، ولكنني أتمنى عليه أن يحدد في أي إطار يتحدث.
أي أنك أمامك اشتباك مع الشعب، مع الناخبين، مع المناخ العام، وتختار اختيارًا آخر. هذا حقك، لكنني أرى أن الناس الذين يطرحون أنفسهم لمهمة أكبر عليهم أن يجيبوا على سؤال: “ثم ماذا بعد؟”.

الفارق الجوهري هنا هو أنه بينما تُفصَّل الدوائر والمساحات وتُضمَن المقاعد لأناس آخرين، فإن الناس الذين يريدون أن يصنعوا نوابًا ذوي إرادة حرة – أيًا كان اتجاههم السياسي – يريدون فقط تكون إرادتهم غير مكبلة بالاتفاقات التي تمت، فهل مسموح لهم؟
لو كنا مطلوبين لتجميل الصورة، فلماذا نُستبعد؟ ولماذا نُحبس؟
من تجربة ترشحي للبرلمان 2015، يتم محاربتي، لكن الناس فرضتني، فتقبلوني مكرهين. ومارست واجبي بإرادة وبضمير حر لخمس سنوات محاولين أن نقدم بديلًا، ثم في عام 2020، فزت بشكل أوضح، بعد تجاوزات كثيرة خاصة بعد إعادة تقسيم الدائرة، والناس قالت “نريده أيضًا” وفرضته، ولكن حينها، مُنعت من دخول البرلمان.
ثم في الانتخابات الرئاسية في 2023، مُنعت من الترشح أصلًا، وسُجنت مع مئات من أبناء هذه التجربة الدستورية، وكذلك الأمر مع تأسيس حزب تيار الأمل فإنه يُحبس من يذهب لعمل توكيل للحزب. وآخر مراحل التضييق هي التي نحن فيها هي الآن الانتخابات البرلمانية الحالية؟
لجنة الدفاع عن سجناء الرأي للجميع، وللإفراج عن الجميع وكل ما نريده بالمناسبة هو دولة العدالة والقانون، وأن نرجع فقط للدستور ومواده ونرى ما تقوله ونعامل الناس على أساسه.
مرشحو حزب الأمل
ما تفاصيل مشاركة حزب تيار الأمل في هذه الانتخابات؟
قررنا المشاركة الانتخابية في إطار استمرار المبادرة والمحاولة لاكتساب مساحات حقيقية، ورفع الحيز، وتدريب الناس -كوادر ومواطنين- على التغيير من خلال الأطر الدستورية والقانونية.
طرحنا استمارة للراغبين في الترشح من مؤسسي الحزب ومن أعضاء الحملة الانتخابية، فتقدم لها 557 طالب ترشح باسم تيار الأمل، ووضعنا معايير الهدف منها أن يكون المرشح قادرًا على خوض معركة انتخابية بهدف الفوز، سواء تحقق له الهدف أم لا.
وكما قلنا لهم، سيفوز بإحدى الحسنيين: محبة الناس والاتصال بهم للبناء للمستقبل، أو بكليهما بأن يفوز مع ذلك بمقعد لتمثيلهم والدفاع عن حقوقهم في السلطة التشريعية.
اختارت اللجنة من الـ557 طلبًا، 65 شخصًا. هؤلاء الـ65، وبمجرد أن بدأت الاتصالات بهم للاجتماعات التي نشرناها وهي ليست سرًا، وجدنا عند فتح باب الترشح أنهم قد أصبحوا 26 فقط. وطبعًا معروف مصير الآخرين، وأنا متفهم ومحترم أن كل شخص لديه قدرة على المقاومة.
الـ26 هؤلاء، اليوم، هناك ثمانية قادرون على القول إنهم مرشحون عن تيار الأمل في دوائرهم وهناك آخرون يقولون “نحن معكم، لكن لا نستطيع أن نعلن وأنتم لا تعلنوا عنا”.
تخيل هناك مرشح اكتسب صفة المرشح ولا يستطيع أن يصرح بانتمائه، أو أن تكون لدي جولة من المؤتمرات الانتخابية فتُلغى.
أنا لا أريد أن أقول أي كلام يُفهم منه أن المرشحين خضعوا لكذا، لأنهم في النهاية يقومون بدور نضالي مُقدَّر ومحمود في ظرف يكسوه الإحباط والخوف، وهم قادرون على أن “يعافروا” ليفتحوا ثغرة للمستقبل.
فهل أساوي هؤلاء بالناس التي جلست في غرف مظلمة -وليست مغلقة- لا يستطيع أحدهم أن يرفع عينه فيمن يعطيه “نصيبه”، ويوزعون المناصب وهم يعرفون كيف وعلى من وبأي ثمن، وأقول إن هؤلاء مثل بعضهم؟
المطلوب مني أن أعمل مثل الباقين، ولو كنا مطلوبين لتجميل الصورة، فلماذا نُستبعد؟ ولماذا نُحبس؟ والأصل في السياسي أن يشتبك، والاستثناء أن ينسحب. وهذا لا يعني أنني أدين رأي أو فكر من يتحدث عن المقاطعة، ولكنني أتمنى عليه أن يحدد في أي إطار يتحدث.
انزعاج السلطات
من وجهة نظرك، لماذا تنزعج السلطات في مصر من أحمد الطنطاوي، ومن حزبه، ومن كل من يترشح باسمه كما تقول؟
لأنه البديل الحقيقي الجاد لهذه السلطة لو احتكمنا للإرادة الشعبية الحرة.
ولأننا نريد أن نمارس العمل السياسي بشكل منضبط، ملتزم بالدستور والقانون، وفي الوقت نفسه تعبير عن إرادة حرة.

نحن لسنا مطلوبين لديهم، لأن المطلوب الآن أناس “يسمعون الكلام”، سواء فُرض عليها هذا السقف أو هي اختارته بنفسها وهي تفهم الحدود والمساحات وما هو مقبول وما هو مرفوض.
الترشح لانتخابات الرئاسة
هل تترشح للانتخابات الرئاسة المقبلة، خاصة أن المانع القانوني ينتهي في 2029، في ظل وجود حديث عن تجهيز مرشح من معارضة “الحيز المتاح” يخوض الانتخابات البرلمانية الراهنة ليكون مرشح رئاسي في 2030؟
في 2030، سأفعل ما فعلته في 2023، وهو أمر موثق ومنشور رغم ادعاء أي شخص بأي شيء آخر.
كنت المرشح الرئاسي الوحيد، الذي ذهب وارتضى تصويتًا تختار فيه الحركة المدنية مرشحًا باسمها، وقلت سألتزم به، ولن أفرضه على غيري، لكن على الأقل من يفوز بثقة الأغلبية يكون هو مرشح الحركة المدنية.

ما قيل بعد ذلك من أنني كنت أرفض التوافق هو كلام يسهل تكذيبه.
ما فعلته وقتها، أقوله من الآن مرة أخرى: أنا في صف الاتفاق على طرح رؤية للمستقبل ومرشح يمثل هذه الرؤية لجلب المستقبل بطريقة عاقلة وآمنة.
أي أنك ستطرح ترشحك على طاولة الحركة المدنية والقوى الديمقراطية الأخرى؟
سأطرحه على كل القوى التي ستتفق على رؤية للمستقبل تقول إن مصر لا يليق بها الاستمرار في هذا الوضع، وهذا خطر عليها، ونحن نريد أن نصل إلى عملية انتقال آمن لمستقبل دفع الناس ثمنه ولم يقبضوا مقابله. الناس التي ستتفق حول هذه الرؤية، وهذا سقف ليس في الحيز المتاح.
هل هذا يعني أن ترشحك في 2030 احتمال قائم إذا وافقت القوى الديمقراطية في مصر على الدفع بك؟ أم أنه قرارك الخاص؟

ترشحي في حد ذاته ليس هدفًا، وإنما هو وسيلة، والهدف هو الاتفاق على رؤية وعلى من يستطيع أن يحمل هذه الرؤية ويبني حوله توافقًا لنصنع التداول السلمي الديمقراطي من خلال صناديق الاقتراع.
وكل مواطن مصري تنطبق عليه شروط الترشح من حقه أن يكون لديه هذا الطموح، ولكن إذا كان هذا المواطن حائزًا لبعض أو كثير من المحبة، يصبح عليه واجب -لا مجرد حق- أن يضع هذا الرصيد من المحبة في إطار هدف واضح، وهو عملية تداول سلمي للسلطة من خلال الأطر الدستورية والقانونية وعبر صناديق الاقتراع.
لدينا ثمانية مرشحون فقط قادرون على القول إنهم مرشحون عن تيار الأمل في دوائرهم وهناك آخرون يقولون “نحن معكم، لكن لا نستطيع أن نعلن وأنتم لا تعلنوا عنا”
التنحي عن المشهد العام غير وراد
معنى هذا أنك غير مستعد لاعتزال العمل السياسي والتنحي عن المشهد العام حتى 2030، لأن هناك من يقول “دعه يترك المشهد لصالح الحيز المتاح”؟
لقد كنت محبوسًا لسنة، وكان “بتوع النصب المتاح” مرتاحين مني تمامًا، أليس كذلك؟ ماذا فعلوا؟
أنا بحكم محكمة ممنوع من الترشح للانتخابات لخمس سنوات، وأنت تقول إن في الكواليس هناك أناسًا تُجهَّز وتُعَدّ، فلماذا يُصوَّر أن وجودي هو المشكلة؟
وبوضوح كبير، أنا مستمر في هذا الطريق إلى نهايته أو إلى نهايتي.

هل هذا الطريق فيه شيء يستحق العقاب؟ هل الكلام الذي نقوله بانضباط والتزام بالدستور والقانون يعطي لكائن من كان الحق ليس فقط في معاقبتنا في أشخاصنا، بل وفي أحب الناس إلينا؟
أزمة الاستمارات
يلومك البعض بسبب جمع مرشحين للبرلمان عبر الاستمارات ويعتبرون ذلك خطأ شبيه لما حدث منك في انتخابات الرئاسة.. ما تعليقك؟
جمعت توكيلات شعبية، لكي نثبت أن إرادة المصريين محرومة من الوصول إلى مكاتب الشهر العقاري.
والتوكيلات الشعبية عمل أتشرف به، دفع ثمنه ظلمًا أحب وأوفى الناس لهذه الفكرة التي أمثلها. وما يحدث الآن هو أننا نقول يا جماعة، من يريد أن يترشح في الانتخابات البرلمانية باسم هذه الأفكار فليخبرنا من هو.

أكرر ما قلته أمام المحكمة مجددًا: إذا عاد بي الزمن مرة أخرى، وعاد سلوك السلطة لمنع الناس من تحرير التوكيلات في مكاتب الشهر العقاري، سأعود لنفس الفعل مجددًا وسأطلب تحرير توكيلات شعبية لها سوابق في التاريخ السياسي المصري.
وقلت أمام المحكمة، وأقول الآن أمام محكمة الرأي العام، إننا قبل أن نفعل هذا، لم أكتفِ باستشارة اللجنة القانونية في الحملة، وإنما حصلت على فتوى من أهم اثنين من أهم قضاة مصر، وهذا قلته أمام المحكمة، بالإضافة إلى زملاء وأصدقاء من أساتذة القانون العام الذين يدرسون للطلبة.
من يتغطى بغير شعبه فهو عريان، و الشعوب الحرة في هذه المنطقة مصالحها ليست مع مصالح الوكيل الإقليمي الكيان المحتل ولا مع الرعاة الرسميين وشبه الرسميين له.
بين السلطة والمعارضة
ولكن الأحزاب القريبة منك تقول إن مرشحي البرلمان يجب أن يكونوا عبر الإطار المؤسسي المتعارف عليه حزبيًا. هل هذه الأحزاب التي تتحدث عنها، تحرم حق المستقلين في الترشح؟
هل تحرم حق الناس الممنوعين من أن يكون لديهم أحزاب من الترشح؟ هل قلنا لأحد إننا سنرشح شخصًا باسمك أو سنفرضه عليك؟
لو أردت الحقيقة، فالحقيقة أن النخبة الحزبية في مصر بائسة، والواقع يقول إننا والحالمين بالتغيير الحقيقي محصورون بين بطش السلطة وبؤس ما تسمى بالمعارضة.

هل الذين تكيفوا وتقبلوا وقبلوا وتكسبوا هم أيضًا من يصدرون الصكوك ويقولون إن هؤلاء الناس جيدون وهؤلاء سيئون؟
ما أريد أن أقوله لهم بوضوح: قليل من الخجل. لم نسمع أو نرَ منهم أحدًا يستنكر أن يُحبس الناس لأنهم يريدون أن يترشحوا. وليس فقط حبس المرشح، بل حبسه هو ومن يدعمه.
التناوب على مواقع المسؤولية له الكثير جدًا من المميزات، من بينها تهذيب الأفكار المتطرفة والوصول بها إلى حالة من حالات التيار الرئيسي الذي يسود في المجتمع.
انسحاب التحالف الشعبي الاشتراكي
لماذا لم تنسحب من الانتخابات عقب استبعاد المرشحين هيثم الحريري ومحمد عبد الحليم، مثلما فعل حزبهما “التحالف الشعبي الاشتراكي”؟
في البداية، حزب التحالف الشعبي حزب محترم يمارس نشاطه السياسي بشكل مستقل. القاعدة لدينا هي أنه في أي دائرة، إذا أراد أي حزب الدخول معنا في التحالف ولديه مرشح هو يرى -وليس نحن- أن فرصه أقوى، فإننا سنسحب مرشحنا وسنقف في صف مرشحه.
وفي دائرة محمد عبد الحليم التي تتحدث عنها في بندر المنصورة، مرشحنا من تيار الأمل كان مرشحًا في الانتخابات الماضية، وكان أمين الحملة الرئاسية الممنوعة من الترشح في انتخابات 2023 في محافظة الدقهلية، لم نكتفِ بسحبه، بل أصبح هو مدير حملة زميله. هذا هو النموذج الذي نعرفه في إنكار الذات والاحترام وتقديم الهدف على التكتيك والوسيلة.

أما عن قرار الانسحاب الكامل، فهل كان من المنطقي أن أطلب من الناس الذين كانوا معي، سواء القادرين على إعلان أنهم معنا أو غير القادرين لاعتبارات نفهمها ونحترم أصحابها ولا نزايد عليهم أبدًا، هل أقول لهم بعد أن شكلتم حملات وبدأتم تتحركون، أن ينسحبوا؟
هذا حينها لا يكون انسحابًا، بل يصبح شكلًا آخر من أشكال الديكتاتورية التي نرفضها ونقاومها. هنا يكون القرار لهم، لأنهم ليسوا قطع شطرنج، لا يمكن أن نقول لهم “ترشحوا” فيترشحون ثم “انسحبوا” فينسحبون، خاصةً، كما أقول لك، أن الإنسان عندما يكتسب احترام وتأييد ولو مواطن واحد، لا يصبح مطلق الحرية في قراره.
هل يعقل أن هؤلاء الزملاء، بعد أن انضم الناس إليهم وشكلوا حملاتهم ويحاولون تكرار النموذج الذي صنعناه على مستوى الوطن في انتخابات الرئاسة على مستوى الدوائر الانتخابية في انتخابات البرلمان، نأتي ونقول لهم لا؟
بالأمس القريب كنا في ندوة مشتركة مع حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، ونحن نحترم قرارهم وهم يحترمون قرارنا. لماذا؟ لأنه قرار بإرادة مستقلة.
انتقادات من ممثلي المعارضة
في جلسة حوارية في فَكّر تاني، في 22 سبتمبر الماضي، انتقدك ممثلون لأحزاب المعارضة، وقالوا الآتي: “هو قدم نفسه في انتخابات الرئاسة كبديل عن كل الأطراف”، و”عودة طنطاوي على طاولة الحوار تثير القلق”، و”يلقي خطابًا تنظيريًا على الحركة المدنية ولديه لهجة أبوية”. ما ردك؟
أنطلق من حق كل الناس في أن يقولوا ما يشاؤون. هذا حقهم، اتفقت أو اختلفت معهم، لأنه ليس أنا من يحدد لهم اختياراتهم أو أفكارهم، وما أطلبه لنفسي لن أستنكره على غيري.
أول وصف، وهو أنه “بديل عن كل الأطراف”، هل هذا عيب؟ يعني عندما يطرح شخص نفسه بشكل توافقي في مرحلة انتقالية لتأسيس نظام سياسي حر وتعددي، ويحاول أن يجمع ويبني على القواسم المشتركة، من يراه عيبًا فله ذلك، لكنني أرى أن هذه ميزة.

ثانيًا: أي حوار؟ دعني أذكرك بأن الحركة المدنية كانت قد ماتت في عام 2019، وأنا من أعاد إحياءها في عام 2022 عندما كنت رئيسًا لحزب الكرامة. أنا الذي دعوتهم وقلت لهم إن علينا مسؤولية وواجب، بما أن السلطة مدت يدها لما تسميه الحوار الوطني، فعلينا أن نحول الهزل إلى جد. والجد يكون بأن للحوار أصولًا.
وأنا من صاغ بيان 8 مايو الذي وقعت عليه كل الأحزاب التي تتحدث عنها، سواء التي لا تزال مواقفها مستقلة أو تلك التي ناورت وحطت رجلاً هنا لتزيد سعرها هناك. من الذي نقض ما وقع عليه؟ لست أنا.
الحوار الوطني
ما كواليس الاتفاق الذي جرى حول الحوار الوطني بحسب شهادتك؟
نحن اتفقنا أن نفرض قواعد للحوار الوطني لنخرج منه بنتيجة للشعب المصري، وأنا أصررت على أن نحترم تعاقدنا الذي وقعنا عليه. الناس الذين فعلوا غير ذلك، وجلسوا عامين فيما يسمى بالحوار الوطني، هل يمكنهم أن يذكروا للشعب المصري مكتسبًا وحيدًا حققوه من هذه الحكاية؟ لكي لا تكون المشكلة أنني أثير التوتر.
أنا قلت وقتها بكل وضوح: سآتي على نفسي، وسأمد يدي للسلطة التي لا تستحق مني ذلك، من أجل مستقبل بلدنا. نحن لم نساهم في إفساد الماضي، لكن علينا واجب أن نطرح الحل للمستقبل. وقلت سأجلس على مائدة حوار متكافئة، بإدارة حرة ومستقلة، لنصل إلى نتيجة محترمة.
الناس الذين برروا لأنفسهم المشاركة وقالوا “سنجلس لنخرج بعض الناس من السجون”، كان يُحبس أضعافهم أثناء ما سمي بالحوار، وهو لا يحمل من اسمه إلا اسمه. كانت جلسات استماع، يذهب الناس يقدمون التماسات وخطبًا وآراء، ثم يرحلون دون أن يعرفوا أين ذهبت هذه المقترحات أو ماذا سيُفعل بها.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم: هل الذي كان متمسكًا بأن تقف المعارضة على قدميها وتتحمل مسؤوليتها وتقوم بواجبها وتدفع ثمنه، هو الذي يوجه إليه الاتهام، أم الذين فعلوا العكس؟

ولكي لا أتهم بالتشويش عليهم، لم أترك لهم الحركة المدنية أو الحياة الحزبية فقط، بل تركت لهم البلد كلها. ذهبت تسعة أشهر للدراسة والقراءة وإعداد نفسي لمهمتي القادمة، ثم جئت من المطار عبر ضابط الجوازات، ما يعني أني لم آتِ طائرًا أو متنكرًا.
لو كنت مطلوبًا لهذه الدرجة، هل كنت سأُحبس في قضية توكيلات شعبية؟
ولكن المطلوب مني أن أعمل مثل الباقين، باختصار المطلوب هو أن أكون مثلك أو تقول عني إنني سيئ.
أمنية “حسام مؤنس”
في 29 أبريل 2024، في حوار في منصة فَكّر تاني، قال حسام مؤنس، ما نصه: “كنت أتمنى أن يقدم طنطاوي مشروعًا واضحًا، لا يتوقف عند الرفض، ويقدم تصورًا شاملًا وبدائل واضحة”. ما ردك؟
خيرة عقول مصر شاركت في كتابة البرنامج الانتخابي. وقد قلت يوم تقديم أوراق ترشحي سيجلس الذين كتبوا البرنامج وسيجلس المرشح بينهم موضع التلميذ من الأستاذ.
الرئيس هو مدير ناجح، يأتي بأشطر أشخاص في الصحة، والإسكان، والتعليم، والتحول الرقمي، وفي كل المجالات، ويجلسون يطرحون عليه الحلول العلمية والعملية، وهو يدير في إطار الرؤية الكلية.
من يرجع لوقتها سيجد أنني لم أقل إنني أنا البرنامج، ولم يقل أنصاري ذلك.

أنا شخصية سياسية أفكارها معروفة. وجوهر برنامجي هو إقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة، والتحول لنظام حكم مدني ديمقراطي يرتكز على الإرادة الشعبية، وبناء دولة القانون والمؤسسات واحترام الدستور وإنفاذه، فإذا لم يكن هذا برنامجًا، فما هو البرنامج؟
لقد طرحت تفاصيل دقيقة، حتى أنني تحدثت عن أخطر نقطة وهي إصلاح مؤسسة الرئاسة إداريًا وماليًا، وطرحت أرقامًا وأمثلة.
لا يمكنك أن تقول إنه لا يوجد برنامج إذا لم تكلف نفسك عناء القراءة والمتابعة.
لا يجب أن ننظر للأجيال الصاعدة على أنها مصدر تهديد وتريد “استيعابها”، وكل فترة نخترع لها طريقة لاستهلاك الناس
مزاعم التحالف مع معارضة الخارج
في 5 نوفمبر 2019، أصدر تحالف لأحزاب الموالاة بيانًا يتهمك فيه بالاتهام الشائع منذ سنوات، وهو أنك متحالف مع جماعة الإخوان المسلمين والمعارضة في الخارج. ما ردك؟
الحقيقة أنني لا أحب أن أعطي أهمية لهؤلاء. لقد انتقلنا من نظام الحزب الواحد إلى نظام الحزب الواحد القائد، ثم انتقلنا إلى مرحلة الواجهات السياسية التي لا تملك من أمرها شيئًا، لا تستطيع ترشيح أحد أو تعيين أمين حزب في محافظة.

أما عن التهمة، فأنا شخص كان مطلوبًا التخلص منه. لو كنت كما تقولون، فلماذا لم تتم محاكمتي بهذه التهم الكبرى؟ لماذا حُبست في قضية توكيلات شعبية؟ هل أنا أمسك عليهم ذلة؟ هل أهددهم؟ هل تم رسم دور لي في المشهد السياسي؟ أي دور هذا الذي يكون مصيره المنع من ممارسة عملي، وتجاهل الدستور، ثم الحبس؟ ولماذا أقبله؟ أرجو فقط ألا نكون بقولنا هذا نشجع الناس على ألا يفعلوا الصواب.
يا سيدي، الأمر بسيط، من لديه أي معلومة، لو ذهب بها فسيأخذ مكافأة كبيرة جدًّا لكي يسلمها.
أنا معروف كيف أعيش، ومن أين، وبكم، وأصلي وفصلي وبيتي وأرضي، كل شيء. وما يمنعني من أن أتكلم في أشكال التنكيل هو احترام تضحيات أكبر بكثير، من أناس أهم بكثير.
مبادرة العودة الآمنة
في هذا الإطار كيف ترى مبادرة السياسي محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان: “العودة الآمنة للمصريين من الخارج”؟
الدستور يحدد اختصاصات المجلس القومي لحقوق الإنسان، ويفترض فيه أنه مجلس مستقل، وقادر على أن يرصد حالة حقوق الإنسان في مصر، وعلى الأقل يصدر تقارير للرأي العام بها.
وعندما دُعيتُ لكي أحضر إحدى فعالياته وأقول رأيي، قلته. والمفاجأة أن رئيسة المجلس وقتها، هي التي تفاجأت مما أقوله.

لم أتحدث في السياسة، وتحدثت عن واقعة تخص وفاة مواطنة مصرية بسيطة، من ذوي الإعاقة، وقد تأثر كل من حضر الجلسة، ثم ماذا بعد؟ لا محاسبة.
نرجع إذن لباب الحقوق والحريات الذي في الدستور، الذي يخبرك بكافة الإجراءات المقررة.
العدالة الانتقالية
مادة العدالة الانتقالية في الدستور هل تكون حلًا للأزمة الحقوقية برأيك؟
كل مواد الدستور واجبة التنفيذ، ولكن هذا أحد الحلول الأساسية.
نحن لا نقول إن على الناس أن تختار بين تنفيذ أمر الدستور أو عدم تنفيذه. مثلًا ألم يأمر الدستور بقانون حرية تداول المعلومات؟ ولكنه لم يصدر. أليس كذلك؟
أين مفوضية مكافحة التمييز؟ وألم يأمر الدستور بقانون الإدارة المحلية؟
أحاديث تعديل الدستور
في إطار الحديث عن الدستور، ما تعليقك عن أحاديث البعض عن احتمالية تعديله في السنوات المقبلة بما يستهدف صلاحيات مجلس الشيوخ وطريقة انتخابات المحليات ومدة الرئاسة، كما يزعمون؟
حسنًا، كان هناك تعديل قبل ذلك، للشيوخ والمحليات لماذا لم تفعلوه؟ وبالتالي قد لا يكون تعديلًا، هكذا، بل قد يكون تفصيلًا جديدًا.
وهنا سأعود لأُذكّر بما قلته أيام التشويهات التي لحقت بالدستور سنة 2019.
هناك ثلاث قواعد حاكمة في هذه المسألة.

القاعدة الأولى: المادة 226 من الدستور، التي تنظم طريقة تعديله، لا تسمح بتعديل المواد المتعلقة بالحقوق الأساسية والحريات والانتخابات الرئاسية إلا لمزيد من الضمانات. ما يعني أن هناك مانع دستوري.
قلت لهم في البرلمان من قبل: “يعني لو كنتم تريدون ومصرين جدًّا جدًّا، فأنتم تحتاجون لتعديلين. استفتاء الشعب أولًا على إلغاء المادة 226 أو تعديلها، فإذا وافق، يمكنكم أن تفعلوا هذا”. هذا أول مانع.
المانع الثاني: أحكام المحكمة الدستورية العليا، وهي ملزمة للكافة، لكافة سلطات ومؤسسات الدولة.
واستشهدت بحكم للمستشار عوض المر وقرأت منه، أن هذا البرلمان هو مؤسسة، كما وصفها حكم المحكمة الدستورية، “من خلق الدستور، فلا يجوز لها أن تخلق الدستور”.
هناك فرق بين أن تكتب دستورًا جديدًا، أو أن تتدخل في القواعد الأساسية في الدستور؛ هذا عمل لجنة تأسيسية للدستور، ولكن عندما تريد أن تجري تعديلات خارج هذه الأسس، فيمكن للبرلمان أن يفعل ذلك ويُعرض على الاستفتاء الشعبي.
النقطة الثالثة، وهذا مبدأ عام، أن القاعدة الدستورية والقانونية لها شروط، من بينها أنها تأتي عامة مجردة. ماذا يعني عامة مجردة؟ يعني أنها توضع لتُطبق على الكافة. فإذا خصصتها لشخص بعينه، فقدت صفة العموم والتجرد.
لا يصح ذلك.
ولكن ما رأيك فيما يتداول عن وجود إصرار لدى أحزاب الموالاة ومن والاهم على تمرير ذلك التعديل؟
هؤلاء الناس، قضيتهم ليست مصر، هذا باختصار، مصر بالنسبة لهم هي منفعتهم الشخصية، وهي الوضع الذي يستفيد منه.
انظر، اختزال الدولة في سلطة، ثم السلطة في أحد فروع السلطة، ثم أحد فروع السلطة في أحد أفراد هذه السلطة، هذا إهانة لمصر وتقزيم لدورها. و”متى ضاعت مصر بغياب شخص؟”.

فلا تجلس وتقول لي: “أنا أفعل هذا من أجل مصر”. قل لي: “أنا أفعل هذا لأن التركيبة الحالية أنا مستفيد منها”. وكن صريحًا هكذا، مثلما يقول رئيس أمريكا: “أنا لا أريد هذا”. الرجل صريح، يقول: “أنا يا جماعة لا أريد هذا”.
الناس يجب أن تتحلى بالمسؤولية والشجاعة.
أحد الذين تتحدث عنهم والذي يتم إعداده، وهو محسوب رئيس حزب معارض، وانتقل من دائرة ليترشح في دائرة أخرى، بمنطق “هكذا تنير وهكذا تنير”، يتكلم عن علاقة قديمة تربطه بالرجل الذي يهندس المشهد الانتخابي كله، وهو من حزب مستقبل وطن.
فما معنى أن تكون هناك علاقة قديمة بين سياسي ونائب في البرلمان ورئيس حزب معارض بمن كان لا علاقة له حتى بالأمس بالعمل السياسي وبماذا يتفاخر؟
ما هذا الكلام؟ السياسة ليست هكذا. السياسة لا تعني التلون، ولا التحلل من المبادئ، ولا الأكل على كل الموائد. السياسة هي الإدارة العامة من منطلق قناعات واضحة، تحترمها، وتعلنها، والناس يختارك بعضهم بسببها، ويعارضك بعضهم بسببها.
لجنة سجناء الرأى
نذهب إلى الملف الحقوقي.. ما الجديد الذي يستهدفه تأسيس “لجنة للدفاع عن سجناء الرأي” خاصة مع تكرار تدشين اللجان دون جدوى كبيرة؟
أنا واحد من الناس التي تسعى لهذه المحاولة، ضمن كثيرين، بل وأنا في آخر الصف.
نحاول جميعًا أن نؤسس “اللجنة الشعبية للدفاع عن سجناء الرأي”، من أحزاب، ونقابات مهنية وعمالية، وشخصيات عامة، وسياسيين، ومحامين، وصحفيين، وحقوقيين، والأهم من كل هؤلاء، وهذا هو الجديد في اللجنة، ممثلين لأهالي سجناء الرأي والمغيبين. لأنه مع طول أمد القضية، تقبلها بعض الناس، وتواطأ معها البعض، وتألم منها البعض الآخر لكنه يقول: ماذا نفعل؟

نحن نحاول إعادة التذكير بالدستور. ونسعي لجعل الواقع يشبه الدستور، لا أن يصبح الدستور زينة ويوضع على الرف.
مصر، فيها أناس مسجونون على قاعدة ممارسة العمل السياسي أو التعبير عن الرأي. وبما أن السلطة ترى أنها تحظى بالإرادة والتأييد الداخلي والخارجي، فما هو الخوف أو التهديد الذي سيمثله خروج هؤلاء الناس؟ لماذا مطلوب أن ندخل للحكاية من باب: “بالله عليكم، كفاية على هذا، هذا والده توفي وأمه عندها سرطان”.
لماذا أجلس أنا في محكمة فأسمع كلام جميلًا عن أحمد الطنطاوي لكن الآخرين يتم تجديد حبسهم؟
اللجنة للجميع، وللإفراج عن الجميع، معروف أو غير معروف.
هل الـ 146 من أعضاء حملتي الانتخابية الذين تجاوزوا السنتين في الحبس الاحتياطي، هل هؤلاء مشاهير؟ المسألة أنهم بنو آدمين، إنسان، له حلم وحق.
هل أنت متفائل بتأسيس هذه اللجنة؟
لو كنا في وضع طبيعي، لكنت استطعت أن أعطيك قياسات واستنتاجات وتوقعات طبيعية. لكننا الآن لدينا واجب وهو السعي، ولدينا أمل أن يقف الناس وقفة بضمير إنساني ووطني ويقولوا: هل هذا يصح؟ هل هذا يليق بما يتم الحديث عنه وترويجه من أننا قضينا على كذا ووضعنا كذا والناس تؤيدنا والناس تريدنا؟
كل ما نريده بالمناسبة هو دولة العدالة والقانون، وأن نرجع فقط للدستور ومواده ونرى ما تقوله ونعامل الناس على أساسه.
الشباب وجيل زد
تصاعد الحديث في الآونة الأخيرة عن حقوق الشباب تحديدًا جيل زد واستيعابهم.. ما رؤيتك عنهم؟
بدايةً، نحتاج أن نتخلص من فكرة “الاستيعاب” هذه في التعامل مع الناس، وبالأخص الشباب، على أنهم مصدر تهديد.
عندما تنظر لأجيال الصاعدة على أنها مصدر تهديد وتريد “استيعابها”، وكل فترة تخترع لها طريقة وتضع لافتة كبيرة وتستهلك الناس فيها فترة ثم تنساها وتنتقل لما بعدها. أين ذهب مؤتمر الشباب؟ ألم يكن منصة والعالم كله ينتظر التجربة والنموذج والبشرية تنتظر منا كذا؟

نحن محتاجون أن نضمن لهم حقهم في بلدهم. حقوق اقتصادية، سياسية، اجتماعية، ثقافية. السياسيون، في السلطة والمعارضة، مطلوب منهم أن يسألوا أنفسهم: ماذا يفعلون لكي يأخذ هذا الشاب حقه في التعليم، وفي فرصة عمل مناسبة بأجر عادل، وفي الحصول على سكن يتناسب مع مستوى دخله، وفي الكرامة الإنسانية بأن يعبر عن رأيه بصراحة ووضوح، أو حتى بتجاوز، ويكون في مأمن هو وأهله من أن يُضطهدوا بسببه؟
كي ننتقل إلى حالة صحية، يجب أن نفتح الباب ليدخل الشمس والهواء، وفي البداية سيكون هناك تجاوزات، لكن عندما يكون الهدف ضبط الناس على قاعدة الممارسة الدستورية والقانونية، فهذا شيء، وعندما يكون الاستيعاب والتطويع والتدجين، فهذا شيء آخر.
القضية الفلسطينية
نذهب للمشهد الإقليمي. القضية الفلسطينية، كيف تراها بعد اتفاقية شرم الشيخ والمحاولات الأمريكية لنزع سلاح المقاومة؟
القضية الفلسطينية انتصرت في الميدان، والخوف الشديد عليها الآن من الاتفاقات التي تجري في الدواوين، لتحقيق ما لم يستطع العدو انتزاعه مما تبقى من حقوق الشعب الفلسطيني.
لقد دافع هذا الشعب عن حقوقه بلحمه الحي، في مشهد، بدون أي مبالغة، يندر أن تجد له مثيلًا في التاريخ الإنساني، ولقد قدمت بقعة صغيرة، محاصرة من كل الجهات، مخذولة، دروسًا في الصمود والاستبسال، ما يدعو إلى أن تفخر بأنك عربي مثل هؤلاء الناس.

ولكن لم ينته الحال بعد، وأعتقد أننا ما زلنا نشهد تعديلات على الخطة القديمة من الولاية الأولى لترامب التي سميت اصطلاحًا بـ “صفقة القرن”. يأتون بها من هنا ويمررونها من هناك ويعطونها شرعية .
وبالتالي فالذي لم يقدر على نصرة المقاومة، ونصرة شعب لديه قضية عادلة بالمعيار الإنساني والأخلاقي والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، على الأقل لا يتاجر بهذه الحكاية.
أزمة السودان
كيف تنظر للوضع في السودان، خاصة بعد مجازر الفاشر واحتلالها من ميليشيا الدعم السريع ومن والاها، وفي ظل اتهام دولة عربية بدعمها؟
السودان يعاني من مذبحة وتطهير عرقي وتهجير قسري، ومندوبه في الأمم المتحدة وجه اتهامات مباشرة لهذه الدولة بأوصاف لم يجرِ العرف على استخدامها في المحافل الدولية.
هذه الدولة تمارس دورًا ليس فقط مناقضًا للأمن القومي المصري، وإنما مهددًا له على حدودنا في ليبيا وفي السودان وفي مدخل البحر الأحمر عند مضيق باب المندب وخليج عدن. وهم يأتون من هناك من بعيد، لا المساحة ولا التاريخ يسمحان لهم، يفعلون هذا.

أعتقد أن طبيعة العلاقات الودية، كما هو متداول، تسمح بأن يقال لهم: “أنتم لماذا تفعلون هكذا… ماذا تفعلون في مياه النيل مع إثيوبيا؟ وماذا تفعلون في تقسيم السودان؟”.
هناك دور واجب علينا أن نقوم به، وعندما نقول الدور، لا يقل أحد بسرعة: “يعني تريدوننا أن نحارب؟”. الناس التي تقول هذا الكلام لا تعرف قيمة مصر.
التاريخ يقول إنك لو لم تقم بدورك، فإن المشاكل تأتي إليك. فالأمر لا يقتصر على أنك تنكفئ داخل حدودك فقط.
القضية الفلسطينية انتصرت في الميدان، والخوف الشديد عليها الآن من الاتفاقات التي تجري في الدواوين
الشرع وسوريا
في سوريا، كيف ترى تجربة أحمد الشرع والاستيعاب الكامل اللافت له من المنظومة الدولية، وتأثير ذلك على مستقبل سوريا؟
من يتغطى بغير شعبه فهو عريان.
نفس المنظومة الدولية التي قد تأتي في وقت تقتضي مصلحتها أن تقول عنه “إرهابي”، وفي فترة أخرى تقول “لا، هذا جميل”، هي التي ممكن أن تأتي في وقت ثالث وتقول “هذا سيء ولا نريده”.

ما نقوله في أي مكان هو أنه عندما تكون السلطة تجسيدًا للإرادة الشعبية، تحدث أشياء كثيرة جدًا، من بينها أنه يتراجع أهمية السؤال عن بقاء شخص أو زواله.
لا يُنتظر تغيرات درامية إذا تغير شخص. أي تغير درامي يحدث في مستقبل دولة أو في طبيعة نظام الحكم فيها بغياب شخص، فهذا معناه أن هذا الشخص فاشل.
الشخص الناجح هو الذي يؤهل المؤسسة التي يديرها للوقت الذي سيمشي فيه، لأن هذه سنة الحياة، سواء لأنه أنهى مدته أو تعب أو انتهى أجله.
هذه الأسئلة تعكس بوضوح أننا في المنطقة لا نزال في إطار المعادلة التي صنعتها وتحافظ عليها القوى الدولية، وهي: “لا قِبَل لنا بمواجهة شعوب حرة”.
الشعوب الحرة في هذه المنطقة مصالحها ليست مع مصالح الوكيل الإقليمي ، وهو الكيان المحتل ولا مع الرعاة الرسميين وشبه الرسميين له.
الشعوب تريد إدارة كفؤة لمواردها، وتطلعًا لمستقبلها، واستقلالًا للقرار الوطني حقيقيًا.
وبما أن هذا لا يخدم مصالح القوى الكبرى، يتم تشكيل من يريدون، سواء في سوريا أو غيرها، وإذا لم ينجحوا، تتم محاولة السيطرة والتدجين للمشهد.
مع الأسف، التفاعلات في المنطقة تسير في اتجاه مصالحهم الاستراتيجية، لا حقوق شعوب المنطقة.
مستقبل الكيان الصهيوني
إلى أين يذهب الكيان الصهيوني في الفترة المقبلة، في ظل وجود خطابات حماسية ترى أنه سيذهب إلى الزوال، وخطابات أخرى تدعو لدمجه عبر اتفاقيات إبراهيمية؟
نحن -على مستوى السلطات وأنظمة الحكم- في لحظة ضعف، يخشى معها من الانصياع أو تقديم تنازلات مؤلمة وعميقة تمس ما تبقى من القضايا، وفي مقدمتها قضية فلسطين، في محاولة لإعادة تشكيل المنطقة لصالح الرؤية الأمريكية الجديدة، ليكون على رأس المنظومة في المنطقة هذا الوكيل الإقليمي المتمثل في دولة الاحتلال.
لذلك، الطموح في هذه اللحظة، في رأيي، ليس انتزاع الحقوق بقدر ما هو إفشال خطط التفريط فيها.

الهدف الآن ليس أن تحصل على ما تبقى من حقك أو كل حقك، أيًا كانت مرجعيتك وأهدافك، وإنما أن توقف التفريط فيما تبقى.
لأن أخطر ما في الاتفاق الأخير الذي قيل عنه، بعد كل سحابة الدخان والضجيج والذين صفقوا وغنوا، هو أنه يمثل سحبًا للقضية الفلسطينية من طاولة الشرعية الدولية والقرارات الدولية إلى “الحظيرة الأمريكية”.
أي، انسوا الكلام عن الـ 22% المتبقية من فلسطين يا جماعة، الـ 22% المتبقية من فلسطين التاريخية بعد 67. الأمريكيون يأتون الآن لتسويتها بالشغل الأمريكي، الذي هو سلام اقتصادي و”ريفيرا”، والناس تعيش جيدًا وتنسى الحقوق السياسية.
مسار القاهرة القادم
في ظل هذه الأوضاع، سؤالنا الختامي: إلى أين تتجه مصر؟
هذا سؤال صعب جدًا، لأنه لكي تستقرئ المستقبل، لا بد أن يكون لديك حد أدنى من التوقعات لسلوك الفاعلين. لكن سأجيب بشكل أوسع. مصر اليوم لا تشبه أحلام وطموحات الغالبية العظمى من أبنائها. والدفاع عن بقاء هذا الوضع له كلفة عالية جدًا، كلفة نشر ثقافة الإذعان. وهذا الوضع غير صالح للاستمرار حتى لو طال الوقت.
لذلك، في رأيي، يتفاعل تحت السطح الهادئ والمستقر الذي تراه، وبشكل غير معلن ومكتوم، مساران:
المسار الأول، الذي نحذر منه ونحمّل مسؤولية الدفع باتجاهه لمن يقفل كل الأبواب الآمنة، هو أن تخرج جماعات تقول إن كل هذا لا يؤدي إلى شيء، والكل مثل بعضه، واركنوا جميعًا على جنب لأنكم لستم نافعين. هذا مسار خطر جدًا وكلفته عالية جدًا، ومن يحب هذا البلد حبًا حقيقيًا لا يخاطر به أبدًا.

المسار الثاني، الذي نقوم بواجبنا قدر استطاعتنا في الدفع باتجاهه وفي إبقاء باب الأمل مفتوحًا لإمكانية تحققه، هو المسار الآمن لعملية الانتقال السلمي الديمقراطي. لا يمكن أن تظل البلد كلها تدفع ثمن وضع لا يوجد فيه الرضا الشعبي والقبول الطوعي.
ورغم موقفي ورأيي في السلطة، إلا أنني لا أتمنى لها الفشل، وإذا دُعيت لأن أقترح، على قدر تصوراتي وقناعاتي أنا ومن يشاركونني إياها، حلولًا لكي نفعل ذلك، فإننا لا نضن بها، ليس طمعًا في رضا السلطة ولا خوفًا من غضبها، إنما لوجه الله، وحسبةً في سبيل هذا البلد وأهله.
