نقص “بنج” الأسنان.. هشاشة المنظومة‎ وصراعات “الشعبة” و”النقابة”

لم تعد أزمة “بنج” الأسنان مجرد معركة بحث عن عبوة مخدر اختفى من السوق، بل تحولت إلى مواجهة علنية بين نقابة أطباء الأسنان وشعبة الدواء، وسط تبادل اتهامات يعكس خللًا أعمق في سوق الدواء. وبينما تصر النقابة على أن هناك نقصًا حادًا في المخدر المستخدم في عيادات الأسنان، تنفي الشعبة تمامًا وجود أي أزمة، معتبرةً، أن ما يجري ليس سوى محاولة ضغط لرفع الأسعار.

بدأت الأزمة قبل أسابيع حين حذرت نقابة أطباء الأسنان من نقص في المخدر بالأسواق، مشيرةً إلى أن العيادات اضطرت إلى تأجيل بعض الإجراءات العلاجية.

لكن رد شعبة الأدوية جاء سريعًا، إذ أصدرت بيانات وتصريحات نفت فيها وجود أي نقص من الأساس، ووصفت ما تردده النقابة بأنه “أزمة مفتعلة”.

تصميم سلمى الطوبجي

أزمات متكررة

تبدو أزمة “بنج الأسنان” الحالية نسخة مألوفة من أزمات سابقة، لكنها في الواقع أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى. فبينما كانت الأزمات السابقة تنبع في الأساس من مشكلات الاستيراد وارتفاع أسعار الدولار، يضاف اليوم عنصر جديد يزيد المشهد التباسًا، فيتضح الخلاف بين نقابة أطباء الأسنان وشعبة الأدوية حول الاعتراف بالأزمة وطرق التعامل معها.

ففي عام 2017 شهد سوق الدواء نقصًا حادًا في المخدر الإسباني المستورد، بسبب تعثر الاستيراد وارتفاع سعر العملة، غير أن الموقف آنذاك اتسم بتوافق النقابة والشعبة على وجود المشكلة وضرورة التعاون لتجاوزها، ما سمح باتخاذ إجراءات محدودة حدت جزئيًا من آثارها على العيادات والمستشفيات.

لكن بحلول عام 2022، عادت الأزمة في صورة أكثر تركيبا؛ إذ توقف أحد أبرز المصنعين المحليين لفترة طويلة عن إجراء أي تطوير على خطوط الإنتاج. وتزامن ذلك مع تأخير وصول شحنات البنج المستورد بسبب ارتفاع تكلفة  الإجراءات الجمركية التي زادت نتيجة ارتفاع أسعار الصرف  عالميًا، ما وضع سوق الدواء أمام عجز متزايد.

أما الأزمة الراهنة، أعادت إنتاج المشهد ذاته لكن بوجه أكثر تعقيدًا، إذ تحول التباين بين النقابة والشعبة إلى صدام، فبينما تؤكد نقابة أطباء الأسنان على وجود أزمة في وقت لم يعد فيه الإنتاج المحلي، الذي يغطي نحو 60% من الطلب، قادرًا على تلبيه احتياجات السوق، وفي المقابل، تشدد شعبة الأدوية على أن السوق بها كميات كافية، وتتهم النقابة بإفتعال الأزمة.

مفارقة تثير الجدل

الدكتور إيهاب هيكل

غير أن المفارقة، بحسب الدكتور إيهاب هيكل نقيب أطباء الأسنان، هي أن الشعبة نفسها نصحت النقابات الفرعية خلال اجتماع عُقد الأسبوع الماضي بـ “الاعتماد مؤقتًا على المخدر المحلي” إلى حين استقرار السوق، وهو ما يمكن اعتباره اعترافًا ضمنيًا بأن المستورد غير متوافر فعليًا.

ويتساءل الدكتور إيهاب في حديثه مع فكّر تاني: “كيف تؤكد الشعبة أن الأزمة غير موجودة، بينما تطلب من أطباء الأسنان استخدام البديل المحلي؟ هذا التناقض وحده كافي لإثبات أن هناك نقصًا حقيقيًا لا يمكن إنكاره”، كما يرى أن الخطاب المزدوج للشعبة، “ما هي إلا محاولات للتغطية على أزمة تتفاقم يومًا بعد يوم”.

دورة لا تنتهي

ومع كل نقص في مخدر الأسنان، تتكرر الحكاية نفسها، وعود بحلول قريبة وإجراءات مؤقتة سرعان ما تفقد فاعليتها، ليعود النقص مجددًا ويقفز السعر من جديد. وهكذا، يظل سوق الـ “بنج” أسير دورة متكررة من النقص والوعود، لا تكسرها إلا أزمة جديدة أشد تعقيدًا من سابقتها.

محمود فؤاد
محمود فؤاد

يري محمود فؤاد مدير المركز المصري للحق في الدواء، أن ما تكشفه أزمة مخدر الأسنان الحالية ليس مجرد نقص في مستحضر طبي، بل هشاشة متأصلة في نظام الإمداد الدوائي نفسه.
محمود فؤاد

محذرًا في حديثه مع فكّر تاني، أن  الحلول التي تُطرح عادةً قصيرة المدى وتنتهي بالاستجابة لطلبات الشركات بتحريك الأسعار ومن ثم يتوفر البنج في الأسواق، لكن بدون خطة استراتيجية طويلة الأمد.

ويشير فؤاد، أن مصر تعتمد استيراد هذا المخدر، فيما لا تتجاوز قدرة المصانع المحلية تلبيه كافه احتياجات السوق، وأن المنظومة بالكامل، مع أي عطل في خط إنتاج أو حدوث أزمة عالمية، تُصاب بالشلل بسبب غياب آلية واضحة لتأمين مخزون كافِ، إلى جانب ضعف الرقابة على التوزيع والتسعير، ما يفاقم من الأزمة ويعزز انتشار السوق السوداء.

سعر عبوة “بنج” الأسنان المستورد، لا يتجاوز رسميًا نحو 700 جنيه، بعد أن شهد زيادات متتالية خلال العامين الماضيين تجاوزت أكثر من مرة نسبة الـ 100% مقارنة بأسعار 2022.
لكن في ظل الندرة الحالية، يقفز السعر في السوق السوداء إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم، إذ تباع العبوة الواحدة بما يتراوح بين 1800 و 2000 جنيه لدى موردين غير معتمدين، وفق شهادات أطباء أسنان تحدثوا لـ فكّر تاني.

الوجه الخفي

تقول شعبة الأدوية إن ما يحدث في سوق الـ “بنج” يرتبط بتوقيت “لا يمكن تجاهله”، مشيرةً إلى أن الشركات المستوردة تقدمت مؤخرًا بطلبات رسمية لهيئة الدواء لرفع الأسعار، وهو ما تعتبره “مفتاح الأزمة”. وتُلمح إلى أن تزامن تلك الطلبات مع تصاعد الحديث عن نقص هذا المخدر ليس مصادفةً، وأن بعض الشركات قد تكون استخدمت الحديث عن النقص كوسيلة ضغط لرفع الأسعار.

لكن مراقبين في قطاع الدواء يرون أن تقديم الشركات طلبات دورية لمراجعة الأسعار أمر معتاد في سوق الدواء، وأن استدعاء هذا الملف في هذا التوقيت يهدف بالأساس إلى التشكيك في رواية النقابة حول وجود أزمة حقيقية.

وبالوضع في الاعتبار الاتهامات المتبادلة بين النقابة والشعبة، والسوق السوداء، وارتفاع الأسعار، يبقى المريض هو  الحلقة الأضعف، بينما يظل “بنج” الأسنان عنوانًا لأزمة أعمق في قطاع الأدوية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة