ممنوع من العلاج.. "المحامين" تغطي 4 زوجات وترفض زوجًا واحدًا

لم تكن المحامية لمياء صلاح تتخيل أن طلبها بإضافة زوجها كمستفيد ضمن تغطيتها العلاجية سيُرفض من مشروع العلاج التابع لنقابة المحامين، ليس لسبب إجرائي، بل لكونه رجلًا. في المقابل، تدرك لمياء أن زوجات زملائها المحامين يُضفن إلى المشروع بشكل تلقائي، دون تعقيدات أو استثناءات.

المفارقة تكمن في أنها، بينما تحمل بطاقة العضوية ذاتها، وتؤدي المهام المهنية نفسها، وتدفع ذات الاشتراكات المالية التي تمول المشروع، تجد نفسها في موقع "غير المستحق" لحق أساسي يتمتع به زملاؤها الرجال، مما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول المساواة داخل أحد أكبر الكيانات النقابية المفترض أن تكون معنية بالحقوق في مصر.

هذه التجربة هي واجهة معركة تخوضها المحاميات داخل نقابتهن، كما تكشف المحامية بالنقض مها أبو بكر، التي تعتبر لائحة "مشروع العلاج" نموذجًا صارخًا للتمييز المؤسسي الذي يحرم المرأة من حقوق يتمتع بها نظيرها الرجل، رغم دفعهما لنفس الالتزامات المالية.

"الرجال قوامون".. هكذا يبرر الحق المنقوص

في حديثها لـ فَكّر تاني، تقول مها إن اللائحة تمنح المحامي الرجل الحق في ضم زوجته -حتى وإن كن أربعًا- إلى المظلة العلاجية، بينما تحرم المحامية من حقها في ضم زوجها، وتسوق في تبرير ذلك تفسيرًا للآية القرآنية "الرجال قوّامون على النساء"، معتبرةً أن الزوج هو المسؤول عن الإنفاق على زوجته.

تواجه مها هذا المنطق بحجة قانونية ومالية مباشرة، متسائلةً: "المحامية تدفع نفس الاشتراكات والدمغات التي يمول منها مشروع العلاج، فلماذا تُستخدم أموالها للإنفاق على زوجات الزملاء، بينما يُحرم زوجها من نفس الحق؟". وتضيف: "إذا كان زوجي هو المسؤول عني، فلماذا تتحمل النقابة مسؤولية زوجاتكم؟"، وتضيف أن هذا الوضع يمثل استخفافًا بقواعد العدالة والمساواة.

حين تصبح الأمومة "غير أساسية"

لا يتوقف التمييز عند هذا الحد، بل يمتد، بحسب مها، ليشمل حقوق الصحة الإنجابية. وهي تكشف أن النقابة تتعامل مع إجراءات حيوية للمرأة مثل "الحقن المجهري" باعتبارها "غير أساسية" أو كمالية.

وتقدم مثالًا على هذا التباين، فتقول: "قد تدعم النقابة محاميًا في عملية مثل زرع الكبد بمبلغ قد يصل إلى مائة ألف جنيه، لكنها تدعم المحامية التي تسعى لتحقيق حلم الأمومة عبر الحقن المجهري بمبلغ زهيد لا يتجاوز ألفي جنيه، رغم أن تكلفتها الفعلية قد تصل إلى خمسين أو مائة ألف جنيه".

يعكس هذا نظرة قاصرة لا تعترف بحق المرأة في الأمومة كحق أساسي يستوجب الدعم الكامل، كما توضح مها.

النقابة: هذا التفاوت أقرب للعدالة

يقدم محمد نصر عضو لجنة الشباب بنقابة المحامين بقنا، وجهة نظر مختلفة تدافع عن اللوائح الحالية. يؤكد أن مشروع العلاج لا يخضع لقانون التأمين الصحي الحكومي، بل تنظمه النقابة ككيان مستقل تمامًا.

ويقول: "النقابة تدير هذا الملف وكأنها دولة داخل الدولة. نحن لا نتبع الحكومة في التأمين أو المعاشات، بل نرسم سياساتنا الداخلية بمعرفتنا".

ويشير نصر، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، إلى أن النقابة تتحمل بذلك عبئًا كبيرًا نيابةً عن الدولة، إذ تغطي احتياجات ما يقرب من نصف مليون محامٍ وأسرهم، وهي شريحة قد تصل إلى خمسة ملايين مواطن "خرجوا من حساب الدولة في الدعم الصحي"، على حد وصفه.

وحول استبعاد أزواج المحاميات، يعلق نصر: "نرى أن هذا التفاوت أقرب إلى العدالة، لأن الغالبية العظمى من أزواج المحاميات يكونون موظفين أو أصحاب دخل مستقل، ومن غير المنطقي أن تُحمّل المحامية وحدها مسؤولية إعالتهم". ويضيف أن حالات الاعتماد العكسي نادرة جدًا، "لا تتجاوز واحدة في كل عشرة ملايين".

وهو يرى أن استبعاد الزوج "لا يندرج ضمن تصنيف التمييز، بل يدخل ضمن تقديرات عملية تخص توزيع موارد النقابة وضمان استدامة مشروع العلاج".

ولتحقيق التوازن، يلفت نصر إلى أن ضم الزوجة للمحامي هو الآخر مشروط، فلا يجوز إدراجها إذا كانت تعمل وتتلقى تأمينًا صحيًا من جهة عملها، أو كانت صاحبة منشأة أو مهنة مستقلة.

ويمثل التحقق من الحالة التأمينية لأزواج المحاميات تحديًا حقيقيًا من وجهة نظر النقابة، حيث يوضح نصر: "غالبًا ما يكون الرجل صاحب مشروع غير رسمي، كمن يملك محلًا أو سيارة أجرة، وبالتالي يصعب إثبات كونه غير مؤمّن عليه".

ويحذر من أن شمول أزواج المحاميات قد يفتح بابًا للتحايل، مما "يُعرض مشروع العلاج إلى استنزاف في الموارد المالية، وسندخل في حلقة من الإنهاك الإداري والمالي قد تضر بجودة الخدمة الأساسية".

مخالفة دستورية وسياسة قديمة

يرى المحامي عز حسين أن القاعدة التي تطبقها نقابة المحامين تعود إلى سياسة قديمة قائمة على افتراض غير واقعي بأن الزوج هو العائل الوحيد للأسرة، وهي قاعدة تتجاهل تمامًا التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي أصبحت فيها الكثير من المحاميات هن المعيلات لأسرهن.

ويؤكد حسين، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن المشكلة تكمن في عدم وجود أي نص قانوني صريح في قانون المحاماة أو لوائح النقابة يمنع إدراج الأزواج ضمن مشروع العلاج، مشيرًا إلى أن القرار هو "إجراء إداري بحت، يتعارض مع الدستور المصري".

ويستشهد حسين بالمادة (53) من الدستور، والتي تنص على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس..."، معتبرًا أن ما يجري داخل النقابة يمثل تمييزًا واضحًا قائمًا على النوع الاجتماعي، ويخالف مبدأ المساواة الدستوري بشكل صريح.

غياب الأرقام: حين يصبح التجاهل سياسة

تكتسب هذه القضية الحقوقية وزنًا أكبر عند النظر إلى الحجم الهائل للنقابة.
فوفقًا لتصريح نقيب المحامين، عبدالحليم علام، يبلغ عدد أعضاء النقابة نحو 500 ألف عضو، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر النقابات المهنية في مصر من حيث عدد المقيدين.

هذه الضخامة تعني أن أي سياسة خدمية، مثل مشروع العلاج، تؤثر بشكل مباشر على حياة مئات الآلاف من الأسر.

ومع ذلك، تبرز مفارقة أخرى تضاف إلى القضية، وهي عدم توفر إحصائية رسمية معلنة إلى الآن توضح عدد المحاميات داخل هذا الإجمالي. هذا الغياب الإحصائي ليس مجرد تفصيلة إدارية، بل إنه يعمق المشكلة، إذ يُصعّب من تقييم مدى الأثر الحقيقي لسياسات النقابة على عضواتها بشكل دقيق، ويحول دون قياس حجم الشريحة المتضررة من اللوائح الحالية.

كما يطرح غياب هذه البيانات تساؤلات جوهرية حول مدى التزام النقابة بمبادئ الشفافية والمساواة النوعية فيما يتعلق بحقوق أعضائها، ليصبح نضال المحاميات لا يدور فقط حول تعديل لائحة مجحفة، بل يبدأ من مطلب أكثر أساسية: الاعتراف بأعدادهن، وبالتالي، بحقوقهن الكاملة غير المنقوصة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة