في أعقاب التوصل إلى هدنة هشة في قطاع غزة وتتويجها بـ “قمة شرم الشيخ للسلام”، يتجه المشهد الإقليمي المتوتر نحو منعطف حاسم آخر على الجبهة اللبنانية، التي تعيش على وقع قصف إسرائيلي متجدد لم يتوقف رغم اتفاق التهدئة المبرم في نوفمبر من العام الماضي.
وسط هذا التصعيد المحفوف بالمخاطر، برزت الدبلوماسية المصرية كلاعب محوري، مكثفةً تحركاتها لاحتواء الأزمة المتصاعدة بين لبنان وإسرائيل، ومقدمةً مقاربة جديدة تسعى من خلالها لتجنب انفجار جديد وشيك.
يأتي هذا التحرك في سياق استراتيجي أوسع، حيث تستثمر القاهرة الزخم الذي حققته في ملف غزة لتوسيع نطاق التهدئة، مستفيدة من شبكة علاقاتها المعقدة وقدرتها على التحاور مع كافة الأطراف؛ فزيارة رئيس المخابرات المصرية، اللواء حسن رشاد، إلى بيروت وتل أبيب ولقاءاته المكثفة مع القيادات اللبنانية والإسرائيلية مؤخرًا، شكلت إعلانًا واضحًا عن عودة مصر بقوة إلى ساحة التأثير الإقليمي.
لكن الطريق نحو التسوية محفوف بالتحديات الجسيمة. إذ تصطدم الوساطة المصرية بجدار الواقع اللبناني الداخلي شديد التعقيد، حيث تهيمن معادلة “السلاح والسيادة” على المشهد. فيما تواجه غطرسة إسرائيلية متصاعدة، يقودها رئيس وزراء يسعى لتصدير أزماته الداخلية، وحذرًا إيرانيًا مدروسًا يرى في أي تسوية فرصة وتهديدًا في آن واحد.
“الاستقلالية المُدارة”: ملامح المقاربة المصرية

جسّد التحرك المصري الراهن تحولًا عميقًا في سياسة القاهرة الخارجية. وكما يوضح الباحث في شؤون الأمن الإقليمي والإرهاب، أحمد سلطان، فإن مصر شهدت “تحولاً استراتيجيًا ملحوظًا؛ من سياسة الانكفاء على الذات إلى الانخراط الفاعل والنشط في قضايا الإقليم”.
ويرى سلطان أن هذا التحول نابع من رؤية شاملة للأمن القومي تعتبر أن أمن مصر يبدأ من دوائرها الإقليمية، وأن هذا الانخراط النشط يهدف لملء أي فراغ استراتيجي قبل أن “تملأه أطراف أخرى لديها أجندات تتعارض مع مصالح الأمن القومي العربي والمصري”.
“التدخل المصري في لبنان يهدف إلى استكمال هذا النجاح وإفشال المخططات الإسرائيلية، وتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان سيمثل إضعافًا للمشروع الإسرائيلي في المنطقة”، يضيف سلطان لـ فكّر تاني.
في هذا السياق تطرح القاهرة مبادرةً، لا تزال قيد التفاوض وليست نهائية، تهدف إلى وقف إطلاق النار والخروقات الإسرائيلية، مقابل التزام لبناني بتعزيز انتشار الجيش وتقليص السلاح غير المنضبط قرب الحدود، تليها مرحلة لبحث انسحاب إسرائيلي من خمس نقاط حدودية جنوبية ضمن آلية رقابة “الميكانيزم” (تشمل لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا و”يونيفيل”)، مع إمكانية توسيعها بمشاركة عربية، بهدف زيادة الضغط وحماية بيروت من الابتزاز الأمني.
تشرح ليلى نقولا، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، أن الاختلاف الجوهري بين المقاربة المصرية والأمريكية يكمن في “الحيادية النسبية” التي تتمتع بها القاهرة، بعكس الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل.
وتوضح نقولا، أن العرض المصري هو عبارة عن “سلة مترابطة لا تجزئة ملفات”، حيث يجمع بين وقف النار والانسحاب الإسرائيلي ومعالجة ملف السلاح والأسرى وترسيم الحدود البرية وإعادة الإعمار. وتوضح أن هذه السلة تتضمن “العودة إلى اتفاقية الهدنة (1949)، وربط الحل الأمني بالبعدين السياسي والإقليمي معًا”.
وتقترح المبادرة آلية تفاوضية محددة، حيث تتولى المخابرات المصرية ما يُعرف بـ”المفاوضات الجوالة” لنقل الرسائل بين الطرفين، على غرار ما جرى في ملف غزة، مع توسيع آلية المراقبة الدولية (الميكانيزم) لتشمل الجانب المصري.
وتتضمن الخطة، تفاهمات على هدنة تمتد لأكثر من ثلاثة أشهر، وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا من النقاط المحتلة، بالتوازي مع إنهاء الوجود العسكري لحزب الله جنوب نهر الليطاني. وتأتي هذه المقاربة بعد أن حظيت القاهرة بـضوء أخضر من الجانب الأمريكي.
تنبع قوة المبادرة المصرية، بحسب الخبراء، من عدة عوامل أساسية أبرزها قدرة القاهرة على التواصل مع جميع الأطراف المتنازعة دون استثناء. فهي تمتلك قنوات اتصال عملية وموثوقة مع إسرائيل وإيران وحزب الله، بالإضافة إلى علاقاتها التاريخية المتوازنة مع مختلف المكونات اللبنانية.
هذا الدور المتوازن تصفه ليلى نقولا، في حديثها مع فكّر تاني، بأنه “استقلالية مُدارة”، موضحة أنها تعني “استقلالًا بالقرار، لكن مع إدارة دقيقة لشبكة العلاقات كي لا تفقد الثقة من قبل أي طرف”، مما يمنح مصر دور “الوسيط المقبول من الجميع”.
وتشير إلى أن هذا الدور يستثمر “شبكة علاقاتها العربية والإقليمية وقنواتها مع طهران والرياض في آن”، وأن نجاح المبادرة “يتضمن مساهمات عربية في إعادة الإعمار في لبنان، ومشاركة عربية في آليات المتابعة والإشراف”.
وهو ما يلقى ترحيبًا في الأوساط اللبنانية، حيث يرى السياسي اللبناني توفيق سلطان أن الدور المصري يكمل الدور الخليجي لكنه “مختلف عن الآخرين لأنه ليس لديه أطماع في لبنان”، وأن الرأي العام اللبناني يرى في مصر “موضع صداقة”.
وتسعى مصر لضمان حصة كبيرة في إعادة إعمار جنوب لبنان، وتستعد لإطلاق مشروع طموح لتوريد الغاز الطبيعي إلى لبنان عبر سوريا بعد رفع العقوبات عن الأخيرة. وتعول القاهرة على دعم الكويت وقطر لمبادرتها، وهو ما سينعكس على الاستثمارات في لبنان.
معادلة السلاح والسيادة: العقبة اللبنانية الداخلية
على الرغم من المقومات الواعدة للمبادرة، فإنها تصطدم بالواقع اللبناني الداخلي الذي يمثل العقبة الأكثر تعقيدًا. فجوهر الأزمة يكمن في قضية سلاح حزب الله، وهي مسألة تتجاوز البعد الأمني لترتبط بتوازنات القوى الطائفية والسياسية الهشة التي تحكم البلاد.
يقدم هلال خشّان، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت، تشخيصًا متشائمًا للمشهد، مؤكدًا أنه “لا يشك بنوايا مصر الحميدة”، إلا أنه يرى أن الحكومة اللبنانية “لا تستطيع تجاوز الثنائي الشيعي في رفضه القاطع لنزع سلاح حزب الله”، واصفًا النظام السياسي اللبناني بأنه “هزيل ولا يستطيع اتخاذ قرارات صعبة خشية توريط البلاد في حرب أهلية”.
ويضيف خشّان، لـ فكّر تاني، أن سلاح الحزب قد مكن الطائفة الشيعية من “السيطرة على مفاصل الدولة”، وأن نزعه يعني أن “يصبح الشيعة طائفة عادية إسوة ببقية الطوائف”، وهو ما لن يقبلوا به.
تدرك الدبلوماسية المصرية هذه الحساسية المفرطة، ولذلك تتجنب الطرح الصدامي المباشر لنزع السلاح. وبحسب مسؤولين مصريين، فإن القاهرة تحاول تأجيل القرار الفوري بشأن هذه القضية، وترى أن الحل يكمن في صيغة مبتكرة أطلقت عليها “الخمول الاستراتيجي”.
هذه الصيغة، التي تعني تجميد السلاح من دون المساس بوجوده، وتعطيل العمليات العسكرية دون نزعه بالكامل في المرحلة الحالية، تمثل جوهر المقاربة المصرية لحل المعضلة. وقد تلقت قيادة حزب الله مؤخرًا هذه الأفكار، واستمهلت للرد عليها.
ترى نقولا أن هذه الصيغة قد تجد طريقها للقبول عبر “مقايضة براغماتية”، حيث يمكن تقديمها للداخل اللبناني كخطوة لتجنب التصعيد دون المساس بمبدأ الدفاع عن النفس أو وضع حزب الله في خانة “الهزيمة” – التي لا يمكن له أن يقبلها ولن تكون مقبولة من قبل بيئة الثنائي الشيعي التي تشعر بأنها مهددة في وجودها. وتعتقد أن هذا الحل قد يمنح كل طرف فرصة لإعلان “انتصار” ما.
فمن يرى السلاح ضمانة “سيعتبر أن الردع باقٍ، ولكن في وضعية خمول”، ومن يراه عائقًا أمام السيادة “سيرى أن الدولة تستعيد مساحات من السيادة وأن السلاح سيفقد قيمته العملية”، بحسب الباحثة اللبنانية.
يعتبر خشّان رفض نزع السلاح “خيارًا انتحاريًا”، متوقعًا أن إسرائيل ستحاول نزعه بالقوة في نهاية المطاف، وحينها بحسب رأيه فإن الدور المصري الفاعل لن يبدأ إلا في مرحلة ما بعد نزع السلاح لترتيب أوضاع الداخل اللبناني.

غطرسة إسرائيل وحذر طهران: تحديات الإقليم الكبرى
لا تقتصر التحديات على الداخل اللبناني بل تمتد لتشمل مواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وفي مقدمتها إسرائيل وإيران. فالموقف الإسرائيلي، بقيادة بنيامين نتنياهو، يبدو متصلبًا للغاية.
ووفقًا لمنظور خشّان، فإن نتنياهو “يعتقد أنه يستطيع فرض شروطه على لبنان” بفضل الدعم الكامل من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولن يقبل بأقل من “نزع سلاح الحزب بالكامل” كشرط مسبق لأي انسحاب. ويعتقد أن نتنياهو “يرغب باستمرار القتال للهروب من مشاكله المتعلقة بالفساد مع القضاء الإسرائيلي”.
ويصف أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت إسرائيل بأنها “ليست دولة عادية يمكن التفاوض معها”، مشيرًا إلى أن “نتنياهو لا يصغي لأحد إلا لترامب”. وتفيد التقارير بأن إسرائيل تفضل مفاوضات مباشرة قد تقود إلى التطبيع، وتطالب بمنطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات في جنوب لبنان.
هذا الموقف المتشدد، الذي يرى فيه البعض محاولة من نتنياهو للهروب من مشاكله الداخلية، يضع عقبة كأداء أمام جهود القاهرة، حيث تستخدم إسرائيل التصعيد العسكري وسيلة للضغط على لبنان لتقديم تنازلات.
على الجانب الآخر، يمثل الموقف الإيراني تحديًا من نوع مختلف. فطهران، الداعم الرئيسي لحزب الله، تتعامل مع المبادرة المصرية بحذر مدروس، موازنة بين الفرص والمخاطر.
ويشير محمد محسن أبو النور، رئيس “المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية”، إلى أن إيران قد ترى في المبادرة “فرصة لتعزيز نفوذها وإظهار قدرتها على ضبط حزب الله”، لكنها في الوقت نفسه قد تعتبرها “محاولة عربية – غربية للحد من نفوذها”.
يلفت أبو النور الانتباه -في تصريحاته لـ فكّر تاني– إلى أن بنية القرار في طهران “مركبة”، فهناك فرق بين القيادة العليا وحزب الله “كذراع شبه مستقل” يتمتع بدرجة من الاستقلالية في القرارات الميدانية. لكن النظرة الإيرانية للوساطة المصرية عمومًا تحمل نوعًا من الثقة باعتبار أن القاهرة تتخوف من إضعاف إيران وهيمنة إسرائيل على المنطقة.

تمتلك مصر قنوات دبلوماسية لإيصال رسائل إلى طهران بأن استمرار التصعيد قد يضر بمصالحها، خاصة في ظل التقارب المصري الإيراني الأخير. ويقترح الباحث في الشأن الإيراني أن هذه الأدوات يمكن أن تتضمن “الحوار المباشر مع طهران، والتنسيق مع أطراف إقليمية مثل الأردن والعراق وقطر، وربما ربط التعاون الاقتصادي بالتهدئة في لبنان”. ويعتقد أن موقف طهران سيتأثر بمسار التقارب السعودي-الإيراني، الذي قد يجعل لبنان جزءًا من تفاهم إقليمي أوسع.
وفي تقدير أبو النور، فإن موقف طهران “سيكون مزيجًا من تقييم الفرص والخيارات الاستراتيجية”، بحيث تسمح بالتهدئة دون التنازل عن مصالحها الكبرى، مدركة في الوقت نفسه أن “محور المقاومة الذي كانت تقوده لم يعد موجودًا”.
تضاف إلى هذه التحديات، ما رشحته تقارير نقلت عن مصادر دبلوماسية تحفظًا غير معلن من الرياض وأبوظبي، مما دفع القاهرة إلى التحرك بشكل منفرد في بعض الأحيان. كل هذه العوامل تجعل من مهمة الوسيط المصري مهمة شاقة، تتطلب قدرًا هائلًا من المناورة الدبلوماسية والقدرة على بناء توافقات بين أطراف متناقضة المصالح والأهداف.
من منظور مصري فالرسالة إلى لبنان مفادها أن “المفاوضات الآن أفضل من الغد“، في إشارة إلى أن إضاعة الوقت لن تكون في مصلحة لبنان؛ فسلاح حزب الله من الممكن أن يشكل حاليًا مادة للمقايضة مع إسرائيل لتحصيل مكاسب، أمّا إن نفّذت إسرائيل حربها فلن يكون هناك ما يمكن التفاوض عليه.
لذا، يبقى الرهان الأخير على أن الإدارة الأمريكية الساعية لتحقيق إنجاز سياسي، قد لا تكون معنية بفتح جبهة قتال شاملة في لبنان، وهو ما قد يدفعها، كما يحلل تسفي برئيل في صحيفة هآرتس، إلى “تفعيل أسلوب غزة” في لبنان، أي إملاء شروط المفاوضات على إسرائيل وتقييد نشاطها العسكري، وهو ما يمثل فرصة حقيقية لنجاح الوساطة المصرية.
لكن نجاح أي صيغة في نهاية المطاف يعتمد على مدى قابليتها للتسويق السياسي في الداخل، وهو ما لخصته أستاذة العلاقات الدولية نقولا، حين أوضحت أن الحل يكمن في إيجاد مخرج يحفظ ماء وجه الجميع “بحيث يعطي كل طرف في لبنان فرصة لإعلان انتصار ما”.
