مروة عرفة بنت حكايات الجدة عن النخوة والضعفاء.. طلب خروج إنساني (2)

من شرفة تطل على شارع السودان المزدان بالأشجار في حي الدقي، كانت المترجمة مروة عرفة ترى ما هو أبعد من منطقتها التي تسكنها الطبقة المتوسطة العليا. كانت نظراتها تعبر خطوط السكك الحديدية لترى عالمًا آخر يتجسد في حيي بولاق الدكرور وأرض اللواء، حيث الفقر والإهمال يخيمان على كل شيء.

هذا الانقسام الذي رأته مروة من شرفتها، يبدو أنه كلفها حريتها.

مروة عرفة، البالغة من العمر 32 عامًا، تقبع في الحبس الاحتياطي منذ أكثر من خمس سنوات على ذمة القضية رقم 570 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا.

وفي يوليو الماضي فقط، بدأت أولى جلسات محاكمتها أمام الدائرة الأولى إرهاب بمجمع محاكم بدر.

"بنوتة مصرية أصيلة وجدعة"، هكذا تصفها والدتها الدكتورة وفاء حفني لـ فَكّر تاني، بينما تروي رحلتها التي شكلت وعيها: "ولدت في مصر، ثم انتقلت معنا إلى السعودية وكندا بسبب عملنا، وحين كبرت، انطلقت في مهام إنسانية إلى الإكوادور والأردن".

الدكتورة وفاء حفني، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، لم تتوقف عن إرسال النداءات والاستغاثات، عبر منصات عدة من بينها "فكر تاني"، مطالبةً رئيس الجمهورية بالإفراج عن ابنتها الوحيدة، ليس فقط بسبب تدهور حالتها الصحية، بل لترعى طفلتها المصابة بالتوحد.

وقد تصاعدت هذه المناشدات في 18 أغسطس الماضي، حين تعرضت مروة لأزمة صحية كبيرة في محبسها، مما دفع والدتها لمطالبة الجميع بضمان رعاية طبية لائقة لها.
وتزامنت هذه الاستغاثات مع تحركات حقوقية، حيث طالبت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" بالتحرك العاجل لإنقاذ حياة مروة التي يهددها الإهمال الطبي، مؤكدةً على عدم قانونية استمرار حبسها طوال هذه المدة.

مروة عرفة (وكالات)
مروة عرفة (وكالات)

مروة والعدوان الثلاثي

القصة تبدأ من معلمتها الأولى وجذورها التي امتدت عميقًا في تاريخ هذا الوطن: جدتها، كما تقول والدتها، الدكتورة وفاء حفني. "ارتبطت مروة بجدتها ارتباطًا روحيًا. كانت عالمها الأول ومصدر إلهامها".

لم تكن مجرد حكايات ما قبل النوم التي تُلقيها الجدة على مسامع حفيدتها. كانت دروسًا في التاريخ الشخصي والوطني تُنسج في ذاكرة هذه الطفلة، ومن بينها حكاية محورية شكلت وجدانها: قصة الجدة التي لم تقف متفرجة أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

تروي والدة مروة: "كانت جدتها تحكي لها كيف تطوعت، شابةً يافعة، لتنضم إلى صفوف المقاومة الشعبية في بورسعيد. كانت قصة عن شجاعة مدنية، عن جيل قرر أن يدافع عن أرضه وكرامته بسواعد بناته وأبنائه، ليخرج الوطن من المعركة عفيًا منتصرًا، رغم قوة المعتدي".

وهكذا تشكلت البوصلة الأخلاقية لمروة، ومن هنا، ترسخ في وعيها أن خدمة الناس ليست خيارًا، بل واجب، وأن الانتماء للوطن لا يكتمل إلا بالوقوف إلى جانب أهله.

تضيف والدتها: "لقد تربينا جميعًا في هذه العائلة على مبدأ واحد: أن حب الناس وخدمتهم هو أثمن ما نملك. تعلمنا أن نضحي براحتنا من أجل الآخرين، وأن نكون صوتًا لمن لا صوت له".

مناشدة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي للعفو عن مروة عرفة
مناشدة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي للعفو عن مروة عرفة

حصلت مروة على الثانوية العامة من مصر، والتحقت بكلية طب أسنان، ثم انتقلت لكلية العلاج الطبيعي، ثم التحقت بببرنامج "كلية سياسة وعلوم اقتصادية" بالجامعة الأمريكية، وفي السنة الثالثة ألقي القبض عليها. ولأنها كانت تقدمت لدراسة بكلية الحقوق (تعليم مفتوح)، فهي تكمل دراسة الجقوق في محبسها.

مروة وبنت البواب

لم تكن العدالة بالنسبة لمروة مفهومًا معقدًا يُقرأ في الكتب، وإنما مجرد غريزة فطرية ظهرت مبكرًا جدًا، وتحديدًا في الثامنة من عمرها.

تروي والدتها كيف أن صداقة بريئة جمعتها بطفلة في عمر السادسة، ابنة بواب العمارة. وعندما قرر والد صديقتها أن مستقبل ابنته ينتهي عند هذا الحد وأن التعليم ليس لها، انتفضت الطفلة ذات الثماني سنوات.

لم تفهم مروة منطق حرمان صديقتها من حق بدا لها بديهيًا كاللعب والهواء. وببراءة الأطفال وعزيمة الكبار، وقفت مروة في وجه القرار، وحاورت الأب وأقنعته بأن مكان صديقتها هو في المدرسة إلى جانبها، ونجحت في إعادته عن قراره.

كانت تلك هي الشرارة الأولى. اللحظة التي أدركت فيها أن صوتًا واحدًا، مهما كان صغيرًا، يمكن أن يغير مصيرًا. وقد كبر هذا المبدأ معها، وتحول من الدفاع عن حق طفلة في التعليم، إلى مشروع حياة أطلقت عليه والدتها اسم "ترميم الشخصيات".

كانت تكرس وقتها وجهدها لمساعدة الآخرين في الوقوف على أقدامهم من جديد، في مهمة استهلكت منها الكثير، ومنحتها المعنى.

ولم يكن هذا النضج الإنساني معزولًا عن نهم فكري لا يرتوي. فقد كان عقلها منفتحًا للجميع، وصادقت أشخاصًا من مختلف التيارات الفكرية والسياسية، تستمع وتناقش وتتعلم. ثم أخذت على عاتقها مهمة أصعب: ترجمة المعرفة. أو كما تقول والدتها: "لم يكن هناك كتاب يقع بين يديها إلا وتلتهمه، ولا حقل معرفي إلا وتطرقَ بابه بفضول وشغف".

ذات الهمة والمحبسين

على خطة أميرة الحكايات الشعبية، ترى الدكتورة وفاء حفني ابنتها في دور الأميرة ذات الهمة، المعروفة بمواقفها مع المظلومين الضعفاء. تعد الطبخ الذي تحبه، وتخترع فيه، وتقدم لضيوفها ما لذ وطاب، ثم تنتقل إلى الشارع، فهي صاحبة مبادرة "الكتب علينا والتعليم عليكو"، التي كانت تتزامن مع بدء المدارس، حيث كانت تشتري لأبناء المحبوسين مستلزمات الدراسة من حقائب وكشاكيل ومواد تعليمية وأدوات، وتدفع المصروفات السنوية عن غير القادرين منهم.

تحكي الدكتورة وفاء حفني أن معاناة مروة داخل حبسها لا تقف عند حد تدهور صحتها، بل وحرمانها من رعاية ابنتها المصابة بالتوحد، والاعتناء بوالدتها وأبيها وقد تقدما في العمر.

تخوض الدكتورة وفاء معركة يومية على جبهتين: واحدة خارج الأسوار لرعاية حفيدتها المصابة بالتوحد، وأخرى داخلها لتأمين حياة ابنتها مروة.

تضيف الأم، في حديثها لـ فَكّر تاني، أن العبء المالي أصبح يفوق قدرتها على التحمل، مما اضطرها للعمل في أربعة أماكن مختلفة لتغطية النفقات.

وتوضح أن التكاليف باهظة ولا تقتصر على متطلبات الزيارة، بل تمتد إلى كل ما تحتاجه مروة في محبسها. تقول: "كل شيء داخل أسوار السجن ارتفع سعره"، في إشارة إلى اقتصاد موازٍ قاسٍ يستنزف ما تبقى من موارد الأسرة.

لكن هذا العبء المالي، على ثقله، يتضاءل أمام الرعب الحقيقي الذي ينهش قلبها كل يوم: معركة الحفاظ على حياة مروة نفسها. فبعد أزمة صحية حادة، ارتفع معها ضغط الدم وظهرت شكوك حول إصابتها بجلطة، مُنعت مروة من أبسط حقوقها الطبية.

رفضت إدارة السجن السماح بالكشف عليها أو تشخيص حالتها أو حتى إجراء الأشعة اللازمة لتحديد خطورة وضعها.

لتترك ابنتها تأخذ أدويتها داخل محبسها، كما تقول الأم المكلومة، بـ "البركة"؛ عبارة تختزل قمة العجز والإهمال الطبي، وتُحوّل كل جرعة دواء إلى صلاة من أجل النجاة.

وفاء تنتظر أمها بعد مرور سنوات في البعد - مواقع التواصل الاجتماعي
وفاء تنتظر أمها بعد مرور سنوات في البعد - مواقع التواصل الاجتماعي

أين النائب العام؟

"قضية مروة تأجلت أكثر من مرة، ومع ذلك لم تحضر الجلسة الأولى. حضرت الثانية، ولم يراع القاضي حالتها الصحية، وطلبها التريض مرتين في اليوم. سنقدم شكوى للنائب العام، لأن لائحة السجون تقضي بأحقيتها في ذلك، لكن إدارة السجن لم تنفذ، كما أن السجينات الجنائيات يعتدين عليها بموافقة الضباط. نطالب بفصل سجينات الرأي عن الجنائيات"؛ تضيف والدتها.

نداءات كثيرة للافراج عن مروة عرفة بعد تدهور صحتها وفق بيانات حقوقية موثقة ومناشدة لوالدتها د.وفاء حفني - تصميم فكر تاني
نداءات كثيرة للافراج عن مروة عرفة بعد تدهور صحتها وفق بيانات حقوقية موثقة ومناشدة لوالدتها د.وفاء حفني - تصميم فكر تاني

جلطة رئوية خلف أسوار الصمت

جاء الدليل المادي على حجم الكارثة في 16 أغسطس الماضي، حين وثقت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" مشهدًا صادمًا واجهته الأم أثناء زيارة ابنتها: جسد منهك بالكاد يقوى على الحركة، وعلى وجهه ترتسم علامات إعياء شديد.

هنا، روت مروة لوالدتها ما حدث قبل ثلاثة أيام، في 13 أغسطس، حين هوت فجأة مغشيًا عليها، ليتم نقلها على إثر ذلك إلى مستشفى سجن العاشر من رمضان.

جاء التشخيص الأولي ليؤكد المخاوف: جلطة في الشريان الرئوي. لكن الطبيب المعالج أطلق تحذيرًا عاجلًا: المستشفى غير مجهز بالفحوصات والإمكانات اللازمة للتعامل مع مثل هذه الحالة الحرجة.

أمام هذا الخطر الذي يهدد حياة مروة، تحرك فريق دفاعها على الفور. قدم المحاميان إسلام سلامة ومختار منير طلبًا عاجلًا للنيابة للسماح بنقلها إلى مستشفى متخصص. لكن الطلب اصطدم بجدار بيروقراطي؛ حيث رفضت النيابة البت فيه، وألقت بالمسؤولية على عاتق المحكمة التي تنظر القضية.

لم يستسلم فريق الدفاع. لجأ المحاميان إلى النائب العام مباشرة، وقدما طلبًا عبر الموقع الإلكتروني للنيابة العامة حمل الرقم (1324253). لكن الطلب قوبل بالصمت.
وتبعوه بطلب آخر للنيابة الكلية لنقلها إلى مجمع بدر الطبي، دون جدوى.

وفي مواجهة هذا التجاهل، حمّلت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" وزارة الداخلية والنيابة العامة وهيئة قضاة الدائرة الأولى إرهاب، المسؤولية الكاملة عن حياة مروة وسلامتها. ورغم خطورة الموقف، لم يصدر أي تعليق رسمي من وزارة الداخلية على بيانات المبادرة.

كما أدانت حملة "أنقذوا حرية الرأي"، التابعة للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ما وصفته بالنمط الممنهج الذي يستهدف الكتاب والمترجمين والشخصيات السياسية، عبر القبض عليهم وإخفائهم ثم ضمهم إلى قضايا بـ"التهم التي اعتدنا على سماعها".

واعتبرت الحملة أن هذه الملاحقات التي طالت أصحاب الرأي لا تمثل فقط انتهاكًا صارخًا للقوانين والدستور المصري، بل تتجاوزه لتخالف المواثيق الدولية التي تؤكد على قدسية حرية الرأي والتعبير السلمي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة