في ليلة شتوية باردة بإحدى قرى بني سويف، جلس رجب قبالة منزله، وقد أسند جسده النحيل إلى الحائط. لف حول عنقه شالًا قديمًا لوالدته، يحتمي به من برد "طوبة" القارس، أو ربما.. يستدعي به رائحتها لتقيه من الخوف الذي تملكه. جلس ينتظر خبرًا كان يعرفه مسبقًا، لكن كل حلمه الآن.. أن تحدث المعجزة.
كانت زوجة رجب قد عرفت من طبيبها أن مولودها الثالث "ذكرًا". وحين أخبرت زوجها، ظل يردد: "يا رب معجزة.. با رب بنت". ولحظة المخاض، كان الوقت متأخرًا، في قرية بعيدة عن المستشفيات، أسرع رجب إلى الـ "داية"، جاء بها إلى بيته، دخلت وغابت ما يقرب للساعتين، مرتا عليه كأنهما عامان من الانتظار.. انتظارًا يملؤه الأمل: "يا رب بنت".
مولود بلا زغاريد
لم تطلق الداية زغرودةً واحدةً. جميع من في البيت يعرف، لن يفرح رجب، ولن يتقبل مولوده الجديد بسهولة، فقد سيطر عليه حلم إنجاب الـ "بنت". وحين سألته الداية، وهي تناوله مولوده، مرتبكة: "بسم الله.. هتسميه إيه؟"، لم يجد رجب إجابة، لم يفكر في اسم له، كان جاهزًا بـ "أميرة". الآن، ماذا يقول؟! فهو لم يخطط لهذا الـ "ولد"، حتى بعد أن أكدت له زوجته في شهرها الخامس أن القادم ذكر، ظل يدعو الله أن يكون الطبيب مخطئًا هذه المرة.

ذاكرة رجب، الرجل الأربعيني، تشكلت في منزل "خالٍ من البهجة" بقرية الحكامنة في بني سويف. اضطر لترك تعليمه بعد حصوله على دبلوم الصنايع بسبب ضيق المعيشة، وعمل في البناء قبل أن يجبره قرار وقف المباني على شراء "توكتوك" يكسب منه رزقه.
نشأ في بيت يملؤه الرجال، إلى أن جاءت أخته الصغرى التي غيرت كل شيء. يقول: "ماشفتش وش أبويا بيضحك إلا لما عرف إن جاله بنت".. يصف كيف كانت أخته السند والعون لوالدهما المريض بعد وفاة الأم، في الوقت الذي انشغل فيه هو وإخوته الخمسة بحياتهم. وأخته الصغرى تلك، هي النموذج الحي الذي جعل رجب يريد أن يرزقه الله بالبنت.
الأمل الأخير
لذلك، حين رأى إعلانًا على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عن إمكانية تحديد جنس المولود بتقنية الحقن المجهري، لمع الأمل في عينيه من جديد. وتواصل مع العيادة، فأخبرته مساعدة الطبيب أن التكلفة 85 ألف جنيه. لكنه، ورغم معارضة زوجته، التي رأت أن أولادهما أحق بهذه الأموال، أصر رجب على قراره. باع قطعة أرض صغيرة كان يمتلكها، وانتقل بعائلته إلى القاهرة، يعمل ليلًا ونهارًا على الـ "توكتوك" حتى يستطيع تجميع ثمن العملية.
قصة رجب ليست حلم فردي، بل انعكاس لتحول عميق في المجتمع المصري الذي بدأت نظرته التقليدية في تفضيل الذكور تتغير.
فوفقًا لبيان صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مارس 2025، بلغت نسبة المواليد الإناث 48.6%، أي ما يعادل 106 ذكور لكل مائة أنثى. وربما، خلف هذا التغيير أسباب اجتماعية، فهناك ما يقرب للـ 4.4 مليون أسرة تعولها النساء في مصر، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2023.
بلغ عدد الأسر التي ترأسها إناث 4.5 مليون أسرة بنسبة 17.5٪ من إجمالي عدد الأسر، كما جاء في بيان للتعبئة والإحصاء في 2023. ورغم أن نسبة مشاركتهن في قوة العمل الرسمية لا تتجاوز 16%، ورغم الفجوات التي ما زالت قائمة، فإن بيانات المركزي للإحصاء، تشير إلى تنامي مساهمتهن في مجالات التعليم والعمل. أرقام تؤكد أن المرأة المصرية لم تعد مجرد شريك، بل أصبحت في أعداد متزايدة العمود الفقري للأسرة، والقائدة التي تتحمل مسؤولية الدعم الاقتصادي في مواجهة تحديات الحياة.
موروث جديد
رجب وغيره كثيرون، تخطت أفكارهم الموروث الثقافي. في الوقت الذي تنتشر فيه قصص النجاح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتغيرت -قليلًا- نظرة المجتمع، وأصبحت "خِلفة البنات" فخر وسند، فهي الآن، في كثير من الأحيان، قادرة على تحقيق استقلالها المادي، ورفع شأن أسرتها.
هذا التغيير لم يأتِ من فراغ، بل ترسخ بإنجازات حققتها "البنات" في المحافل الدولية؛ من سطوع نجم البطلتين هداية ملاك وفريال أشرف في الأولمبياد، إلى المهندسة الشابة سارة صبري أول مصرية تشارك في محاكاة مهمة فضائية. إنجازات تتحقت بدعم أهاليهن، الذين أصبحوا يرون في بناتهم مصدر إلهام وقوة دافعة نحو مستقبل أكثر إشراقًا. فلم يعد تحقيق أحلام كثير من الأسر بيد "الولاد" فقط.