جاء إلقاء القبض مجددًا على الباحث إسماعيل الإسكندراني، يوم الأربعاء 24 سبتمبر الماضي، ليقوِّض آمال السياسيين والحقوقيين في حدوث انفراجة سياسية بملف المحبوسين سياسيًا. تلك الآمال كانت قد انتعشت عقب الإفراج عن السياسي علاء عبد الفتاح بقرار عفو رئاسي، أعقبه قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعادة مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى البرلمان لمناقشته مرة أخرى.
وأُلقي القبض على الإسكندراني أثناء عودته من مرسى مطروح إلى القاهرة، حيث جرى توقيفه عند أحد الأكمنة في الساعة الثانية والنصف صباحًا، بناءً على أمر ضبط وإحضار صادر عن نيابة أمن الدولة العليا استنادًا إلى التحريات الأمنية. وتم ترحيله أولًا إلى التحقيقات الأمنية، قبل أن يُحال إلى نيابة أمن الدولة بالقاهرة، وفقًا لمحاميه.
وقد واجهت النيابة الإسكندراني بـ18 تدوينة كان قد نشرها على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، فأقر بها جميعًا، مؤكدًا أنها تندرج في إطار حقه في الرأي والتعبير.

تهم متكررة
وجّهت النيابة إلى إسماعيل الإسكندراني اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر إشاعات وأخبار كاذبة، واستخدام موقع إلكتروني للترويج لأفكار إرهابية. وهي الاتهامات التي أنكرها جميعًا، غير أنّ التحقيق انتهى بقرار حبسه 15 يومًا على ذمة القضية رقم 6469 لسنة 2025 حصر أمن الدولة العليا.

وقد شكّل القرار صدمة جديدة في الأوساط السياسية والحقوقية، بعد آمال متنامية بإغلاق ملف المحبوسين احتياطيًا والمُدانين في قضايا سياسية.
وأصدر فريق الدفاع عن الإسكندراني بيانًا حول حالته الصحية، موضحًا أن وضعه الطبي معروف للجميع، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، من خلال ملفه الطبي لدى مصلحة السجون منذ اعتقاله السابق. وأشار البيان إلى أنه يعاني من ضيق في التنفس ولا يستطيع النوم إلا باستخدام جهاز تنفس يُدعى "سيباب"، وقد وصل الجهاز معه إلى النيابة لكن من دون القناع اللازم للتشغيل.
وبحسب المحامية ماهينور المصري، أوضح الإسكندراني في ختام التحقيق أن حالته الصحية صعبة للغاية، ولا سيما مع معاناته من مشاكل في التنفس ومرض السكري، مؤكدًا أن هذه الظروف تمثل خطورة كبيرة على سلامته داخل الحبس، وقد يؤدي تدهورها إلى وفاته.
حياة مهنيةمتوقفة بأمر الحبس
لم تكن هذه المرة الأولى التي يُلقى فيها القبض على الباحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية إسماعيل الإسكندراني؛ إذ سبق أن اعتُقل في نوفمبر 2015، وقضى عامين في الحبس الاحتياطي قبل أن يُحال إلى محكمة عسكرية أصدرت بحقه في مايو 2018 حكمًا بالسجن 10 سنوات. وفي أكتوبر 2022، خففت محكمة النقض العسكرية العقوبة إلى سبع سنوات، ليُفرج عنه في ديسمبر من العام نفسه.
ويعمل الإسكندراني صحفيًا استقصائيًا وباحثًا في قضايا الشؤون الاجتماعية والسياسية، وقد نُشرت أعماله في العديد من وسائل الإعلام الإقليمية والدولية، فضلًا عن المجلات الأكاديمية. وتضم قائمة إسهاماته الصحف المصرية واللبنانية المستقلة مثل السفير والمدن، إضافة إلى مجلة الدراسات العربية الأمريكية، وذلك وفق ما ذكره محاميه خالد علي.

في عام 2009، كان الإسكندراني أحد الفائزين في مسابقة مقال الشباب حول الديمقراطية التي نظّمتها "حركة الشباب العالمية من أجل الديمقراطية"، كما فاز في المسابقة الوطنية لنشر التفاهم والاحترام المتبادل التي أقامها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.
وفي عام 2014، نال جائزة Open Eye – هاني درويش للمقال المتميز، ثم حصل عام 2015 على زمالة "الصحفي العربي الزائر" ضمن برنامج الشرق الأوسط بمركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين. وإلى جانب ذلك، عمل الإسكندراني باحثًا رئيسيًا في "المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" و"مبادرة الإصلاح العربي".
استنكار حقوقي ومطالبات بالإفراج
في بيان مشترك أصدره عدد من المنظمات الحقوقية، من بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، أعربت خلاله المنظمات الموقعة عن استنكارها ورفضها لقرار نيابة أمن الدولة العليا حبس الباحث إسماعيل الإسكندراني 15 يومًا احتياطيًا٬ بعد توقيفه في كمين مرسى مطروح .
واعتبرت المنظمات الحقوقية أن توقيف الإسكندراني يعيد إنتاج السياسات القمعية ذاتها، ويوجّه رسالة سلبية مفادها أن المجال العام لا يزال مغلقًا، وأن أي صوت أو رأي يظل عرضة للاستهداف، ولا سيما أن التوقيف جاء عقب قرار العفو الرئاسي عن علاء عبد الفتاح، الذي رآه البعض مؤشرًا على تهدئة محتملة وبداية لحل أزمة الحبس السياسي.
وشددت المنظمات على أن الإسكندراني قضى بالفعل سبع سنوات كاملة في السجون بسبب عمله البحثي والصحفي، وكان من المفترض أن يشكّل الإفراج عنه في نهاية 2022 خاتمة لمعاناته، لا أن يدخل مجددًا في دورة جديدة من الحبس والتنكيل.
كما أن تدهور حالته الصحية، وفقًا لمحاميه، واعتماده على جهاز تنفس، يجعل استمرار حبسه خطرًا مباشرًا على حياته، خصوصًا مع حرمانه من القناع الطبي اللازم لتشغيل الجهاز.

وقالت المنظمات إن استمرار سياسة الحبس الاحتياطي التعسفي ضد الصحفيين والباحثين والمعارضين السياسيين لا يمثل فقط انتهاكًا جسيمًا لحقوق الأفراد وحرياتهم، بل يقوّض الثقة في أي خطوات إصلاحية نحو إنهاء سنوات السجن بسبب الرأي، وإغلاق ملف الحبس الاحتياطي في قضايا حرية التعبير. كما يعزز مناخ الخوف والرقابة الذاتية، ويوجه رسالة واضحة إلى المجتمع بأن التعبير عن الرأي، حتى وإن كان متزنًا وموضوعيًا، قد يفضي بصاحبه إلى السجن.
وحذّرت المنظمات من أن الإصرار على ملاحقة أصحاب الرأي لن ينجح في إسكات الأصوات المستقلة، بل سيعمّق الأزمة السياسية والحقوقية، ويجعل أي حديث عن انفراج أو حوار سياسي بلا معنى. وأكدت أن غياب الحريات لا يصنع استقرارًا، بل يراكم الغضب، ويُبقي المجتمع في دائرة مغلقة من القمع والحبس السياسي، بدلًا من بناء مناخ يفتح المجال أمام إصلاح حقيقي وخطوات فاعلة لوقف هذه الدائرة.
وطالبت المنظمات الموقعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن إسماعيل الإسكندراني، وإسقاط جميع التهم الموجهة إليه، وضمان حصوله على الرعاية الصحية العاجلة، وإعادة جهاز التنفس الخاص به بشكل فوري إلى حين الإفراج عنه. كما دعت إلى وقف استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة ضد الصحفيين والباحثين والنشطاء السياسيين، واتخاذ خطوات جادة وشفافة لفتح المجال العام وحماية حق الأفراد في التعبير عن آرائهم دون خوف من الحبس أو القمع والتنكيل.