من بغداد 2003 إلى غزة 2025.. أمريكا لا تتعلم الدرس

بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية بغداد عام 2003 بحجج واهية، تعود اليوم بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لطرح وصفة مشابهة؛ لاحتلال غزة، تغيّرت فيها المواقع والأسماء، وبقي المضمون الأمريكي الاحتلالي المسموم الذي لا يبالي بتضحيات الشعب الفلسطيني من أجل حقه المقدّس والقانوني في تحرير أرضه من الكيان الصهيوني، الذي سيزول يومًا ما لا شك.

قوات احتلال أمريكية على نقاط تفتيش في بعداد 2003 - مواقع الكترونية
قوات احتلال أمريكية على نقاط تفتيش في بعداد 2003 - مواقع الكترونية

نسخة قديمة

عام 2003، فرضت الولايات المتحدة سلطة انتقالية مؤقتة بقيادة بول بريمر، الحاكم المدني الأعلى، أو بالأحرى "المندوب الأمريكي السامّ الدامي"، على العراق الحر الشريف. ولم يخيب بريمر التوقعات؛ فقد جاءت قراراته كارثية، إذ حلّ الجيش العراقي وسرّح أكثر من 400 ألف جندي، تحت شعار اجتثاث حزب البعث.

أدى ذلك إلى خلق فراغ إداري وسياسي، خاصةً مع تشكيل مجلس حكم انتقالي بلا صلاحيات حقيقية، ثم ظهر سماسرة الاحتلال الأمريكي على السطح، فكانت سرقة العراق علنًا مع فتح الاقتصاد أمام الشركات الأمريكية وخصخصة قطاعات واسعة.

وكانت النتيجة انهيار مؤسسات الدولة العراقية، وانطلاق روح المقاومة في كل الأرجاء العراقية ضد الاحتلال الأمريكي الغاشم. وفي المقابل، ردّ الاحتلال بخلق فوضى طائفية والمساهمة في ميلاد تنظيمات متطرفة مثل "داعش".

واليوم، تعود واشنطن بوجهها الاحتلالي الفج عبر خطة ترامب لغزة لتطرح خطة احتلال بقناع مماثل وخلطة عجيبة لا تتفق مع القانون الدولي، ولا مع المنطق والعقل، ولا حتى مع أدنى درجات الواقعية السياسية. فهي تطرح بكل وضوح الاستسلام مقابل وهم السلام.

نسخة 2025

الخطة المعلنة تتضمن إنشاء "مجلس سلام دولي" لإدارة غزة برئاسة ترامب، مع تعيين توني بلير مندوبًا ساميًا جديدًا، وتتضمن نزع سلاح المقاومة واستبعادها من الحكم، وتشكيل إدارة تكنوقراطية موالية بإشراف دولي مباشر، وربط إعادة الإعمار بمشروع يُسمى "غزة الجديدة" في إطار استثمارات تقودها هيئات دولية يشرف عليها ترامب شخصيًا.

متظاهر يحمل لافتة "أوقفوا الإبادة الجماعية، غزة حرة" خلال مظاهرة برلين (رويترز)
متظاهر يحمل لافتة "أوقفوا الإبادة الجماعية، غزة حرة" خلال مظاهرة برلين (رويترز)

إنها خطة لا تحمل أي شرعية قانونية دولية، ولا تراعي قرارات الملاحقة الدولية بحق قادة الكيان الصهيوني بوصفهم مجرمي حرب، ولا تعترف بجرائم الإبادة الجماعية التي تستوجب الملاحقة لا الطمس. وبالتالي، فهي خطة وُلدت ميتة، بل مرشحة لإشعال روح المقاومة بشكل أكبر ما لم تُعدَّل جذريًا، وهو أمر مستبعد.

بوضوح، نحن إزاء "كتالوج أمريكي فاشل" يُعاد تدويره بأسلوب فج. ففي العراق تولت سلطة الائتلاف بقيادة بول بريمر الحكم؛ أما في غزة، فالمطروح "مجلس سلام دولي" برئاسة ترامب، يؤدي فيه توني بلير دور "المندوب السامي" الجديد.

وكما حُلّ الجيش العراقي وأُعلن اجتثاث البعث عام 2003، يراد في غزة نزع سلاح المقاومة واستبعادها من الحكم، لحصر القوة العسكرية بيد الاحتلال وأعوانه. غير أن الفارق جوهري: ففي غزة حركة تحرر وطني تستند إلى شرعية شعبية ودولية، على عكس حالة العراق، وإن كان الاحتلال في الحالتين مرفوضًا تحت أي ذريعة.

وكما كانت واشنطن المتحكّم الأول في العراق بكل تفاصيل السياسة والإعمار، يُراد اليوم تكرار التجربة في غزة تحت لافتة "الإشراف الدولي" الذي سيتحكم فعليًا في الإدارة والأمن والإعمار، بينما يبقى القرار الحقيقي بيد واشنطن وتل أبيب.

في بغداد، فجّرت قرارات بريمر مقاومة واسعة؛ وفي غزة، أعلنت حركة الجهاد الإسلامي أن المخطط الأمريكي وصفة لاستمرار العدوان وتفجير المنطقة، بالتوازي مع استمرار التصدي الميداني للاحتلال.

وكما كان نقل السيادة في العراق عام 2004 شكليًا، لتبقى الكلمة الأولى للأمريكيين حتى 2011، وضعت الخطة الجديدة لغزة شروطًا صريحة: إلغاء فكرة الدولة الفلسطينية، وربط أي انتقال للحكم بموافقة الاحتلال. وقد جاء ذلك منسجمًا مع تصريحات نتنياهو بعد لقائه ترامب، إذ قال بوضوح: "هذا ليس مكتوبًا في الاتفاق. سنعارض بشدة قيام دولة فلسطينية، والرئيس ترامب قال إنه يتفهم ذلك، وبالطبع لن نوافق على ذلك".

إعادة لكتالوج الإخفاق والمسكنات

في تقدير العديد من المراقبين، فإن المخطط الأمريكي، الجديد في شكله والقديم في مضمونه، ليس سوى إعادة إنتاج لنموذج الفشل في العراق وكتالوج الإخفاق ذاته، تحت غطاء لغة ماكرة تقوم على الابتزاز والمساومة للشعب الفلسطيني. وهو ما ينذر بتراكم الغضب الشعبي في المنطقة والعالم، بتداعيات لا شك أنها ستترك أثرها لاحقًا.

ورغم ذلك، برزت بعض الأصوات التي تتعامل مع خطة ترامب من زاوية البحث عن مسكنات أو حلول وسط مؤقتة. فهناك من دعا إلى "عدم إعاقة الخطة" والموافقة عليها من حيث المبدأ، على أن تُناقَش تفاصيلها لاحقًا في جلسات مخصصة. فيما اختار آخرون مغازلة ترامب بالحديث عن "جهوده الصادقة لإنهاء الحرب في غزة"، والتعبير عن "ثقتهم بقدرته على إيجاد طريق للسلام"، في محاولة لوقف العدوان بأي وسيلة وبأي خارطة طريق.

غارات إسرائيلية في غزة (وكالات)
غارات إسرائيلية في غزة (وكالات)

في هذا الإطار، أقدّر حرص البعض على حماية الشعب الفلسطيني من الإبادة الجماعية وتقديم الإغاثة العاجلة، لكن الأمر ليس انفعالًا عابرًا بقدر ما هو لحظة فاصلة في تاريخ القضية؛ يجب استثمارها لتحقيق أفضل المكاسب، للحفاظ على المكتسبات الجزئية التي تحققت ولتثمين التضحيات التراكمية للشعب الفلسطيني.

وأشير هنا إلى تصريح رئيس بلدية خان يونس، علاء الدين البطة، الذي أنهى وصفه لخطة ترامب بالسوء ووصفها بأنها تضييع وتدمير للحقوق الفلسطينية، واصفًا ترامب بالنرجسي وداعمًا بلا حدود لبنيامين نتنياهو، ومع ذلك دعا إلى القبول المبدئي بالخطة مع اقتراحات جانبية، واصفًا ذلك بأنه "تجرع السم" - وقليل أن يَنتظر المرء كرمًا من الطرف الآخر لقاء هذا التنازل.

فاتكم قطار الحلول الوسط

مع الأسف، ركوب قطار القبول بهذه الحلول الوسطية سريعة الطهي قد فات الجميع، بعد الضريبة الباهظة التي دفعها ولا يزال يدفعها الشعب الفلسطيني، وبعد أن جرى عزل الكيان الصهيوني دوليًا وملاحقة قيادته قانونيًا بتهم جرائم حرب. ومن دون تنفيذ حل الدولتين فورًا، بوصفه الحد الأدنى وكحل وسط براجماتي يحظى بتوافق عربي وغربي، فإن أي خطة سواه ليست إلا سرابًا.

إسرائيليون يحتجون في تل أبيب للمطالبة بصفقة مع حماس وتحرير الرهائن (وكالات)
إسرائيليون يحتجون في تل أبيب للمطالبة بصفقة مع حماس وتحرير الرهائن (وكالات)

يجب أن يقدّم المفاوض الفلسطيني هذه الورقة إلى ترامب ليُحبط ما سحَر به عقول الناس في الساعات الأخيرة. وإذا لم يُستجب لهذا الحل، كحد أدنى ومن دون أفخاخ، فعلينا جميعًا أن نستحضر القول التاريخي لأسد الصحراء، كبير المناضلين عمر المختار، عندما قال: "نحن لا نستسلم؛ ننتصر أو نموت. وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه".

الضمانة الوحيدة

سواء نجحت هذه الخطة أو فشلت، لن يصح إلا الصحيح في كتالوج التحرر كما عرفته الشعوب جمعاء.

وفي هذا الإطار، يرى العديد من المراقبين ودارسو منظومة الاحتلال عبر التاريخ أن استمرار المقاومة الفلسطينية في مسار استنزاف العدو الصهيوني على المدى الطويل بات الحل القانوني والعقلاني لإنهاء تلك المسرحيات العبثية التي ترفض الاعتراف بما تحقق من إنجازات فلسطينية على الساحة الدولية، والتي جاءت بفضل تضحيات كبيرة محل تقدير إنساني ودولي.

عناصر من حركة حماس في قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من حركة حماس في قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا السياق، فإن هذه المقاومة الباسلة باتت، وفقًا للكثيرين، تمثل الضمانة الوحيدة اليوم حتى لا يتحول قطاع غزة إلى نسخة عراقية جديدة تحت الوصاية الأجنبية. وبالتالي، فأي مشروع سياسي لا يضع المقاومة في قلب المعادلة هو مشروع ساقط سلفًا.

لقد أثبتت المقاومة قدرتها على فرض معادلات ميدانية، كما أنها قوة أمر واقع لا يمكن تجاوزها. وقد حازت شرعية دولية غير مباشرة عبر تعاطف شعوب العالم، وتراجع رواية الاحتلال في الإعلام والمحاكم الدولية، وتفوق السردية الفلسطينية وأيقوناتها على أكاذيب "هتلر الثاني" ومعاونيه.

إن حركات المقاومة، في تقدير الكثيرين، لن تكون مجرد رد فعل على المخططات الأمريكية–الصهيونية ورغبات "إسرايكا"، بل هي فاعل رئيسي يملك مشروعًا واضحًا للتحرير، تعزز بفضل صمودها العسكري والسياسي، وعبقرية أبطالها في السابع من أكتوبر 2023. وهو ما جعل أي خطة خارجية، سواء سُمّيت "مجلس سلام" أو "مجلس استسلام" بالأدق، تبدأ من سؤال: كيف ستتعامل مع المقاومة؟ لا العكس.

مواصلة الضغط

هنا يجب مواصلة الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وإعلان الرفض الواضح والصريح لأي مخطط احتلالي بقناع خادع ابتزازي، توفيرًا لوقت العالم والشعب الفلسطيني في مسارات سبق فشلها ميدانيًا.

متظاهر يحمل لافتةً تُصوّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هيئة أدولف هتلر خلال مسيرةٍ مؤيدةٍ للفلسطينيين في شوارع ملبورن - 6 يوليو 2025 في خضمّ الصراع الدائر بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية (أ.ف.ب)
متظاهر يحمل لافتةً تُصوّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هيئة أدولف هتلر خلال مسيرةٍ مؤيدةٍ للفلسطينيين في شوارع ملبورن - 6 يوليو 2025 في خضمّ الصراع الدائر بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية (أ.ف.ب)

على الدول الداعمة لحقّ التحرر الوطني أن تواصل التحرك القانوني والدولي لملاحقة مجرمي الحرب، وكسر الحصار عن غزة، ووقف جرائم الإبادة بحق سكانها، ورفض أي عدوان على الضفة والقدس، والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، وتسوية ملف الأسرى الإسرائيليين، بالتزامن مع دعم خطة الاستنزاف التي تنفذها المقاومة في الميدان، والضغط من أجل وقف التهجير وتفعيل مسارات الغوث والإنقاذ الإنساني لشعبٍ صابرٍ قابضٍ على جمر الأرض رغم الجوع.

أما الدول العربية، فهي أمام موقف عسير: بين طموحات ترامب من ناحية، ومتطلبات الأمن القومي العربي والوطني لكل دولة من ناحية أخرى. ومن ثمّ، فهي مطالبة بدراسة موقف موحَّد ومشروط، ومساندة المفاوض الفلسطيني، ورفض أي ترتيبات تتجاهل الحقائق الفلسطينية على الأرض وفي التاريخ، وفقًا للشرعية القانونية الدولية، وثوابت الجغرافيا والتاريخ، وقوانين التحرر الوطني.

وأخيرًا، ما لم يحصل عليه الكيان الصهيوني خلال عامين، فلن يحصل عليه بواسطة مؤتمرات صحفية ومخططات سبق سقوطها وفشلها.

طوبى للفلسطينيين القابضين على جمر الحقيقة والحق وكامل الأرض.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة