مطالبات بالتأني واستشعار البرلمان الحرج مع بدء إعادة مناقشة "الإجراءات الجنائية"

وسط مطالبات حقوقية وقانونية بالتأني واستشعار البرلمان للحرج، انطلقت اليوم أول جلسة عادية للمجلس بدور الانعقاد العادي السادس من الفصل التشريعي الثاني، برئاسة المستشار حنفي جبالي، وبحضور المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، لنظر طلب الرئيس إعادة بعض مواد قانون الإجراءات الجنائية للمناقشة من جديد.

وكان الرئيس قد وجّه برد مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب يوم الأحد 21 سبتمبر، لبحث الاعتراضات على عدد من مواد مشروع القانون، تتعلق باعتبارات الحوكمة والوضوح والواقعية، بما يوجب إعادة دراستها لتحقيق مزيد من الضمانات المقررة لحرمة المسكن ولحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه، وإزالة أي غموض في الصياغة يؤدي إلى تعدد التفسيرات أو وقوع مشكلات عند التطبيق على أرض الواقع، وإتاحة الوقت المناسب أمام الوزارات والجهات المعنية لتنفيذ الآليات والنماذج المستحدثة في مشروع القانون والإلمام بأحكامه ليتم تطبيقها بكل دقة ويسر وصولًا إلى العدالة الناجزة في إطار من الدستور والقانون.

ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي يُرَدّ فيها مشروع قانون إلى المجلس بعد الموافقة النهائية عليه وإرساله إلى رئيس الجمهورية؛ فقد سبقها رد قوانين العدالة الضريبية عام 1978، وقانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية عام 2020، إلا أن هناك احتقانًا برلمانيًا لافتًا بين الأغلبية والحكومة بحسب مراقبين، على إثر الانتقادات التي تزامنت مع إعادة القانون للبرلمان مجددًا.

فتح الباب لمراجعة شاملة

في البداية، يرى النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أن قرار الرئيس يفتح الباب لمراجعة شاملة، وليس فقط للمواد محل الاعتراض، مؤكدًا أهمية الاستفادة من ملاحظات الجهات الرسمية والمجتمع المدني، والالتزام بالمعايير الدولية لضمان المحاكمة العادلة.

فريدي البياضي
فريدي البياضي

ويؤكد البياضي أن الدستور واللائحة لا يمنعان إعادة مناقشة المشروع بكامله، داعيًا البرلمان لإعمال سلطته باستقلال كامل وعدم الاستعجال في الإقرار، خاصة أن القانون لن يدخل حيز النفاذ إلا مع بداية العام القضائي في أكتوبر 2026.

ويشدد عضو مجلس النواب على أن قرار رئيس الجمهورية بإعادة مشروع قانون الإجراءات الجنائية بعد موافقة المجلس عليه خطوة مهمة تؤكد الحرص على التوازن بين مقتضيات العدالة وضمان الحقوق الدستورية.

ويوضح أن الاعتراضات شملت ٨ مواد رئيسية تتعلق بحرمة المساكن، وضوابط الحبس الاحتياطي وبدائله، والإعلانات القضائية، وضمانات حق الدفاع، مشددًا على أن هذه نفس المواد التي اعترضت عليها المعارضة داخل البرلمان، لكن الأغلبية والحكومة أصرتا على تمرير القانون بكل عيوبه.

استشعار الحرج

بدوره، يؤكد محمد الباقر، المحامي الحقوقي، في حديثه لـ "فكّر تاني" أن المطلوب، بعد إعادة رئيس الجمهورية قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب، التأني واستشعار البرلمان الحالي للحرج من نظر قانون كان سببًا في ظهوره بعيوب خطيرة.

ويضيف المحامي الحقوقي أنه في حقيقة الأمر، ومن الباب الأدبي، بما أن المجلس الحالي هو من أصدر هذا القانون، وتعليقاته التي جاءت في جلسة اليوم، فنحن بحاجة إلى وقت أطول لأخذ خطوة للخلف، ونحتاج لإعادة تشكيل لجنة أخرى بهيكلة جديدة لتنظر في القانون مرة أخرى من باب السياسة، بما يؤدي إلى قانون يخدم الجميع.

ويوضح أن بيان الرئاسة يرتبط بنقطتين؛ الأولى مرتبطة بالحوكمة والهيكلة الأساسية، والحقوق التي تمس بشكل مباشر بالتفتيش والحبس، أما النقطة الثانية فهي أن هذا القانون يمس كل القضايا السياسية والجنائية بشكل عام، وهي فرصة من المهم انتهازها بشكل كامل لمصلحة الجميع، لهيكلة القانون، مؤكدًا أن المستجدات التي تتعلق بالقانون تحتاج إلى بحث معمّق ونظرة أكثر تفصيلًا.

كما يوضح الباقر أن هذه النظرة سواء على المسودات التي تقدمت بها نقابة الصحفيين، أو من المسودة الكاملة القديمة، تحتاج إلى شهور من نقاش تفصيلي، مطالبًا بترك الأمر إلى مجلس النواب القادم، أيًا كان توجهه، خاصة أن المتوقع أن حزب الأغلبية لن يتغير في البرلمان القادم، في ظل حاجة الجميع لمساحة أكبر للعمل على تعديلات قانون الإجراءات الجنائية.

في حاجة إلى وقت أكبر

ويتفق المحامي الحقوقي أحمد راغب مع محمد الباقر على أن مناقشة قانون الإجراءات الجنائية تحتاج وقتًا أكبر ليتم التعامل معه في ضوء الاعتراضات المقدمة، سواء الاعتراضات التي تراها رئاسة الجمهورية أو الاعتراضات الحقوقية المقدمة على هذا القانون، وفقًا للقانون والدستور.

ويضيف راغب أن الوقت ضيق، والنواب سيكونون مشغولين بانتخابات النواب القادمين، ما يجعلنا نرى أنه يجب إحالة مناقشة القانون لمجلس النواب القادم.

أحمد راغب مقرر مساعد لجنة حقوق الإنسان والحريات بالحوار الوطني- تصوير محمد الراعي - فكر تاني
أحمد راغب مقرر مساعد لجنة حقوق الإنسان والحريات بالحوار الوطني- تصوير محمد الراعي - فكر تاني

أولويات ملحة

في حديثه لـ "فكّر تاني"، يشيد محمد بصل، مدير تحرير صحيفة الشروق المتخصص في الشأن القضائي، بملاحظات رئيس الجمهورية في مجملها، مؤكدًا أن من بين النقاط الثماني التي أثارها الرئيس يمكن اعتبار سبع منها ملاحظات هامة وإيجابية للغاية، وهي تتفق بشكل عام مع الملاحظات الحقوقية والنقابية التي سبق تقديمها، وهذا يُعَد خطوة جيدة.

ويدعو بصل مجلس النواب إلى ضرورة استغلال هذه الحالة المهمة لإعادة فتح نقاش شامل حول مشروع القانون بأكمله، موضحًا أن هذا لا يعني الدعوة إلى فتح المشروع بالكامل بمعنى البدء من الصفر، ولكن أن يكون المجلس منفتحًا على الاستماع إلى تعديلات ومقترحات تتجاوز المواد التي اعترض عليها رئيس الجمهورية، فاعتراضات الرئيس أشارت إلى مواد الدستور والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، بالإضافة إلى اعتبارات عملية وواقعية يجب أخذها في الحسبان عند تطبيق القانون.

يضيف بصل أنه يجب أن يكون البرلمان أكثر انفتاحًا على الآراء المختلفة، خاصة أن هذه الاعتراضات التي أبداها الرئيس الآن، كانت قد تم طرحها من قبل خلال المناقشات ولم تلقَ استجابة كافية، لذلك على المجلس أن يسترد سلطته كاملة ويمارسها باستقلال، كما حدث في سوابق تاريخية، خصوصًا وأن القضية هنا تمس منظومة العدالة بأكملها التي تمس حياة أكثر من 110 ملايين مواطن، وتشمل القضاء والنيابة والمحامين وكافة شركاء العدالة.

محمد بصل مدير تحرير صحيفة الشروق والصحفي القضائي المتخصص
محمد بصل مدير تحرير صحيفة الشروق والصحفي القضائي المتخصص

ويستدعي بصل المشهد السابق على تدخل رئيس الجمهورية وإعادة القانون للبرلمان، فما حدث هو أن الحوار المجتمعي لم يكن كافيًا، ولم تكن هناك استجابة حقيقية لمعظم الملاحظات التي قُدمت، حيث لم يتم إجراء حوار وطني حقيقي حول المشروع ولم يُمنح الوقت الكافي لدراسته، مشيرًا إلى أنه الآن جاءت فرصة من رئاسة الجمهورية لإعادة النظر، فما المانع من استغلالها؟

ويشدد الصحفي المتخصص في الشأن القضائي على أنه لا يوجد ما يستدعي سرعة البت في التعديلات بهذه الطريقة، خاصة أن بعض المواد، مثل التدابير الاحترازية وحالة الخطر، تحتاج إلى دراسة واسعة ومعمقة لا يمكن إنجازها على عجل، داعيًا إلى أن تقوم اللجنة العامة للمجلس، المسؤولة عن تحديد مسارات ونطاق التعديل، بتوسيع نطاق المراجعة لتشمل مواد أخرى مرتبطة، واللائحة الداخلية تسمح لها بذلك.

كما يدعو إلى أن يتم تشكيل اللجنة الخاصة التي ستدرس الاعتراضات والمشروع بتشكيل متوازن يضمن تمثيلًا حقيقيًا للأصوات المعارضة أو التي لديها ملاحظات، لضمان تعبير حقيقي عن كافة وجهات النظر.

ويطالب بصل بالسماح بعقد جلسات استماع للمحامين والحقوقيين وجميع شركاء العدالة للاستماع إلى ملاحظاتهم حول النصوص محل الاعتراض والنصوص الأخرى المرتبطة بها والتي تتأثر بها، موضحًا أن النسخة النهائية من القانون والتي أُرسلت إلى رئيس الجمهورية لم يطلع عليها أحد حتى الآن، فكل المسودات المتداولة، بما في ذلك التي عملت عليها الحملات المجتمعية، هي مسودات قديمة سبقت التعديلات الأخيرة التي أجراها المجلس، وبالتالي من الضروري الاطلاع على الصياغة النهائية التي خرجت من البرلمان لنتمكن من تكوين رؤية كاملة.

"من الناحية القانونية، لا يوجد أي قيد زمني أو موضوعي على المراجعة، فيمكن أن تتم في الدورة الحالية أو تُرحّل إلى الفصل التشريعي القادم، أما من الناحية السياسية، فالأفضل هو أن تتسم المراجعة بالهدوء والانفتاح والتأني، دون استعجال أو إبطاء غير مبرر، بهدف الخروج بقانون ممتاز وناجح يخدم منظومة العدالة" يختتم بصل حديثه محذرًا من الاستعجال مرة أخرى.

غضب مكتوم

في كلمته الافتتاحية، التي سادها غضب مكتوم، بالجلسة الأولى لإعادة مناقشة قانون الإجراءات الجنائية، قال المستشار حنفي الجبالي، رئيس مجلس النواب، إن اعتراض رئيس الجمهورية على بعض مواد مشروع القانون لا يعد رفضًا لمشروع القانون، بل هو ممارسة دستورية طبيعية تستهدف تعليقًا مؤقتًا لمشروع القانون لحين إعادة النظر في بعض أحكامه لتحقيق مزيد من الضمانات.

وأوضح الجبالي أن الاعتراض شمل ثماني مواد فقط من أصل 552 مادة، مشيرًا إلى أن هذا النقد الموضوعي قيمة نبيلة يرحب بها المجلس، أما النقد الذي ينزلق إلى التشويه فلا يخدم الوطن ولا يحترم عقول المواطنين.

وفي كلمته، جدد د. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، التزام الحكومة بالحوار والتعاون والتكامل مع مجلس النواب، حرصًا على أن تخرج منظومة التشريعات في صورتها النهائية لتكون نموذجًا يُحتذى به في الانضباط والدقة والعدالة واحترام حقوق الإنسان.

وأضاف رئيس الوزراء أن ما تفضّل به رئيس الجمهورية من ملاحظات على مشروع القانون إنما يُجسّد حرص القيادة السياسية على ترسيخ دعائم الحقوق والحريات بكافة صورها، ويؤكد أهمية صدور قانون يُعبر عن تطلعات الشعب المصري ويعكس مكانة مصر وريادتها في بناء منظومة عدالة حديثة تُعد نموذجًا يُحتذى به.

دائرة مستديرة قبيل جلسة البرلمان

وشهد الشارع السياسي مائدة مستديرة جمعت برلمانيين وحقوقيين وإعلاميين قبيل انعقاد الجلسة العامة في البرلمان، قادها الحزب المصري الديمقراطي، من أجل مناقشة التحركات التشريعية القادمة والخطوات الواجبة للتعامل مع المشروع وتعديل عدد من مواده الجوهرية وتلافي ما اعتراه من سلبيات.

وثمّن المجتمعون في بيان موقع عليه من رموز عديدة، منها السياسي محمد أنور السادات والحقوقيون نجاد البرعي وخالد علي محمد الباقر وأحمد راغب، قرار رئيس الجمهورية بإعادة مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب لدراسته مرة أخرى لتحقيق المزيد من الضمانات من أجل تحديث منظومة العدالة في مصر وحماية الحقوق الدستورية للمواطنين، مؤكدين أن قرار الرئيس بإعادة هذا المشروع الحساس بعد فترة طويلة من الموافقة النهائية عليه يستوجب إعادة دراسة المشروع من مختلف جوانبه، بما في ذلك فلسفته الأساسية، وإعادة النظر في الملاحظات والمقترحات المقدمة من الجهات الرسمية والمجتمع المدني، وبالأخص المجلس القومي لحقوق الإنسان و"الحوار الوطني" ونقابة الصحفيين، والانفتاح تجاه تطبيق المعايير الدولية وضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة.

كما أشادوا بتضافر الجهود بين العديد من القوى السياسية والمهنية والحقوقية للعب دور هام خلال فترات مناقشة المشروع والسعي الدؤوب في البحث القانوني ورصد الواقع وتقديم الملاحظات والمقترحات إلى البرلمان، لا سيما الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي اعترضت هيئته البرلمانية كاملة على المشروع.

وشدد المجتمعون على أن الدستور ولائحة مجلس النواب الصادرة بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠١٦ والتقاليد البرلمانية السابقة، لا تضع قيدًا على إعادة مناقشة المشروع بكامله، وفي القلب منه اعتراضات السيد رئيس الجمهورية وما تطرق إليه رده من مواد والنصوص الأخرى المرتبطة بها ارتباطًا لا يقبل التجزئة أو تلك التي قد تؤثر عليها أو ترتبط بالضمانات التي أشار إليها رد الرئيس.

وعلى ضوء البيان الإعلامي الصادر من رئاسة الجمهورية، طالب المجتمعون بإعادة النظر في مجموعة من الموضوعات الرئيسية بمشروع القانون، ومنها: المبادئ الأساسية لمنظومة العدالة والمتعلقة بعمل جهات التحقيق والمحاكمة، وحقوق المتهم في جميع مراحل الدعوى الجنائية، وضمانات حرمة السكن والقيود الدستورية على التفتيش والقبض، ومبررات الحبس الاحتياطي وبدائله وضوابطه، ومنع تحويله إلى عقوبة، وإزالة الغموض التشريعي الذي يفتح الباب لتعدد التفسيرات بما يؤدي إلى خلل في منظومة العدالة ويربك الإجراءات، وكذلك التأكد من جاهزية البنية التحتية والجهات القضائية والإدارية كافة لتطبيق القانون الجديد على نحو سليم.

كما طالبوا بسرعة الإعلان عن تفاصيل اعتراض الرئيس قبل انعقاد جلسة مجلس النواب المقررة لسماع خطاب رئيس مجلس الوزراء الأربعاء المقبل، كما يجددون المطالبة بإتاحة المشروع في صيغته النهائية ليكون الرأي العام على بيّنة من تفاصيله.

وأوصى الحضور المجلسَ بإطلاق منصة إلكترونية لعرض المشروع بتطوراته المتعاقبة وملاحظات الجهات المختلفة عليه، وإتاحة تقديم المقترحات، إعلاء لقيم الشفافية والمشاركة في وضع هذا القانون الاستثنائي الذي يمثل الدستور الثاني للمصريين.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة