في أول أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي لكبار السن، بينما يغفله العالم العربي بالكامل، في العادة تحظى قضايا مثل التمييز العرقي أو التمييز على أساس الجنس أو الدين بقدر من النقاش، أما التمييز الذي يتعرض له الإنسان بسبب عمره فيبقى في الظل، رغم أنه يمس حياة ملايين البشر.
فالمجتمعات، شرقية كانت أم غربية، كثيرًا ما تنظر إلى التقدم في العمر بوصفه مرحلة انطفاء، وتتعامل مع كبار السن باعتبارهم عبئًا أو خلفية صامتة في الحياة اليومية.
هذا الشكل من التهميش لا يتجلى في سوق العمل وحده، بحيث يتجلى في الخطاب الإعلامي، وفي الثقافة الشعبية، والصور السينمائية. ولأن السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل مرآة ومحرك في آن واحد، فإن ما تعرضه على الشاشة له قدرة على تكريس الصور النمطية أو كسرها، على إعادة إنتاج النظرة التقليدية للمسن أو على فتح باب مختلف لرؤيته باعتباره كائنًا كاملًا، له رغباته وتناقضاته وأحلامه.
التمييز العمري Ageism
في عدد من دول العالم جرى تخصيص يوم للتوعية بالتمييز العمري، أو ما يُعرف بالـ Ageism، ليكون مناسبة لفتح نقاش واسع حول الصور النمطية التي تطارد كبار السن لمجرد أنهم تجاوزوا مرحلة معينة من العمر، والتمييز العمري في جوهره يعني النظر إلى الإنسان باعتباره عبئًا أو كيانًا منتهي الصلاحية، سواء برفضه في العمل، أو تهميشه في الخطاب الإعلامي، أو حرمانه من المشاركة في الحياة العامة رغم ما يحمله من خبرة ومعرفة.

أما في مصر، فما زالت هذه القضية غائبة عن الوعي العام، إذ لا يوجد لدينا يوم مخصص لمناهضة التمييز العمري بوصفه قضية مستقلة، ولكن يقتصر الأمر على الاحتفال باليوم الدولي لكبار السن الذي أقرته الأمم المتحدة، حيث يظل التركيز فيه منحصرًا في الرعاية الصحية أو المساعدات الاجتماعية.. والمؤسسات المعنية بحقوق المسنين وحضورهم الفعلي في المجتمع شبه معدومة، وكأن الشيخوخة شأن فردي لا يدخل في صميم مسؤوليات الدولة والمجتمع.
ومن بين المحاولات القليلة التي تخرج عن هذا الإطار التقليدي، تظهر مؤسسة Golden Years "السنوات الذهبية" التي أسستها دينا حشيش، حاصلة على درجة الماجستير من جامعة ستانفورد، وتعمل المؤسسةعلى توفير بيئة نفسية واجتماعية وترفيهية للمسنين تمنحهم شعورًا بالكرامة والانتماء، وتعيد إليهم الإحساس بأنهم لا يزالون يعيشون حياة ممتلئة بالمعنى.. مثل هذه المبادرات تذكرنا بأن الشيخوخة ليست نهاية للحياة، ولكنها مرحلة تحتاج إلى الاعتراف بحقوقها وتقدير ما تحمله من طاقة إنسانية.
السينما العالمية والآسيوية
إذا تأملنا بعض النماذج من السينما العالمية والآسيوية، سنجد أن الأفلام تعكس هذا الصراع بأشكال متفاوتة. في الفيلم الأمريكي "Hello, My Name Is Doris" الصادر عام 2015 نلتقي بشخصية دوريس التي تؤديها الممثلة سالي فيلد، وهي امرأة في الستينات تعيش حياة رتيبة بعد وفاة والدتها، لكنها تقرر أن تخوض تجربة جديدة حين تقع في حب زميل أصغر منها بكثير.

هنا تنقلب المعادلة التي اعتدنا عليها في هوليوود: البطلة ليست شابة في العشرين أو الثلاثين، ولكنها سيدة في مرحلة عادةً ما يُفترض أنها تراجع فيها حساباتها وتنزوي بعيدًا عن الضوء.. الفيلم يكسر هذه الصورة النمطية ويمنح دورس الحق في الرغبة والتجربة وإعادة اختراع ذاتها؛ لكنه في الوقت نفسه يفضح ما تتعرض له من استهجان وسخرية، سواء من زملائها أو من محيطها الاجتماعي، لمجرد أنها لم تلتزم بالحدود غير المكتوبة التي يرسمها المجتمع لامرأة تجاوزت الستين، وقد أشارت فيلد في مقابلة مع مجلة "تايم" إلى أن هذا الدور نادر لأنه يعترف بوجود حياة عاطفية وجنسية لامرأة في هذا العمر.. بين خفة الكوميديا وعمق الدراما يقدم الفيلم صورة مركبة، فدوريس ليست ضحية تمامًا وليست منتصرة بالكامل، لكنها إنسانة تبحث عن مكانها وسط ثقافة تهمشها.
أما فيلم "Going in Style" الصادر عام 2017 فيقدم زاوية مختلفة تمامًا، فهو يحكي قصة ثلاثة رجال متقاعدين يفقدون معاشاتهم بعد إفلاس الشركة التي قضوا أعمارهم في خدمتها، فيقررون القيام بعملية سطو على بنك ليستعيدوا ما يرونه حقًا لهم.. على السطح قد يبدو الفيلم مجرد كوميديا لطيفة عن مسنين متمردين، لكنه في العمق يوجه نقدًا اجتماعيًا لاذعًا، فالمسنون هنا ليسوا عبئًا على الدولة أو أسرهم، ولكنهم ضحايا نظام اقتصادي جائر يتعامل معهم كأرقام وليس كأشخاص.
حين يحاولون البحث عن عمل جديد يواجهون أبوابًا موصدة بسبب أعمارهم، وحين يطالبون بحقوقهم يُقابلون بالتجاهل.. في دراسة أكاديمية حول الفيلم وُصفت قصته بأنها تجسيد لمعاناة المتقاعدين بين فقدان الهوية الاجتماعية وانعدام الأمان الاقتصادي، واختيار السرقة كحل ساخر هو انعكاس لحالة اليأس التي قد تدفع المسن إلى استعادة كرامته بطرق غير متوقعة.. هنا يظهر التمييز العمري في المواقف اليومية وفي بنية الاقتصاد ذاتها التي تُقصي من يتجاوزون سنًّا معينة.

في المقابل يذهب الفيلم الهندي "Badhaai Ho" الصادر عام 2018 إلى منطقة أشد حساسية في مجتمعاتنا المحافظة، أم في منتصف العمر تكتشف أنها حامل، فينهار أبناؤها من الصدمة وتتعامل العائلة والمجتمع مع الأمر كفضيحة.. الفيلم يفتح بابًا محرمًا بالعادة، إذ يرفض فكرة أن الرغبة تنتهي عند عمر معين أو أن الأبوين يفقدان حياتهما الخاصة بمجرد أن يكبر أولادهما.
هنا يظهر التمييز العمري متقاطعًا مع التمييز الجندري، فالمرأة المسنة يُفترض أنها خرجت من حسابات الجسد والرغبة، بينما يُنظر إلى الرجل الأكبر سنًا بقدر أكبر من التسامح.. إلا أن الفيلم يعيد هذه المرأة إلى مركز الحدث، يجعلها موضوعًا للدهشة والجدل، ثم يمنحها في النهاية الاحترام الذي تستحقه باعتبارها إنسانة لها حق الاختيار والعيش، حتى لو صدم ذلك الآخرين، ونجاح الفيلم في شباك التذاكر كان دليلاً على أن الجمهور مستعد لمناقشة هذه التابوهات.
هذه الأفلام الثلاثة تكشف لنا أن السينما العالمية والآسيوية قادرة على أن تكون مُختبرًا للتجريب في مسألة الشيخوخة، وأنها تستطيع أن تنقل صورة المسن من الهامش إلى المركز، من الضحية الصامتة إلى الفاعل الذي يفرض أسئلته على المجتمع، وتجعلها تجربة إنسانية مليئة بالتناقضات.. والأهم أنها تربط بين التمييز العمري وأبعاد أخرى كالنوع الاجتماعي والاقتصاد، فتجعل القضية جزءًا من شبكة معقدة من التهميش.
وتتفوق السينما الكورية في قدرتها على تقديم صورة مغايرة للشيخوخة، فبدلًا من تهميش المسنين أو الاكتفاء بوضعهم كديكور إنساني باهت، تجعلهم في صميم الحكاية وتكشف أبعادًا خفية من صراعهم مع التمييز العمري.. في فيلم An Old Lady تضعنا أمام امرأة في التاسعة والستين تتعرض لاعتداء جنسي، لتفضح صعوبة اعتراف المجتمع بأن الجسد المسن لا يزال عُرضة للانتهاك، بينما في The Bacchus Lady نجد امرأة عجوزًا تدفعها الحاجة إلى بيع جسدها لرفاقها المسنين، في مواجهة صادمة مع هشاشة الجسد حين يصبح وسيلة للبقاء.

أما Miss Granny فيعيد صياغة الفكرة بلمسة فانتازية، إذ تتحول امرأة سبعينية إلى شابة، فيكشف التناقض الفادح بين الطريقة التي يُعامل بها الإنسان حين يكون طاعنًا في السن، وحين يُمنح قناع الشباب من جديد، وعلى النقيض من الخيال، يأتي فيلم Late Blossom ليحتفي بالحب المتأخر، مُظهرًا كيف تظل الرغبة والحنان ممكنين حتى في العمر الذي يظنه المجتمع خريفًا باردًا، وأخيرًا يمنحنا Oh! My Gran صورة جدة مصابة بالألزهايمر، لكنها رغم ذلك تتحول إلى مفتاح في كشف جريمة، في إشارة إلى أن الذاكرة المتداعية لا تُلغي قيمة الإنسان ولا حقه في أن يكون شاهدًا على الحياة.. هكذا تنسج السينما الكورية خيوطًا متشابكة بين الألم والرغبة والمقاومة، لتعيد الاعتبار لمرحلة طالما اعتُبرت نهاياتها صامتة، بينما هي في الحقيقة زاخرة بالأسئلة والبحث عن معنى.
النظرة في المنطقة العربية
في المقابل، إذا نظرنا إلى السينما العربية سنجد الصورة مختلفة.. نادرًا ما تُعطى أدوار البطولة لكبار السن، وغالبًا ما يقتصر حضورهم على أدوار ثانوية: الجد الحكيم، الجدة الطيبة، الأب المريض، أو العجوز الذي يمثل عبئًا على أسرته.. هذه الصور المتكررة تكرس فكرة أن المسن لم يعد له دور سوى أن يكون مرجعية أخلاقية أو مشكلة يجب التعامل معها، قلما نجد فيلمًا يمنح المسن مساحة ليعبر عن رغباته أو قلقه أو حتى تناقضاته الداخلية.

هناك استثناءات قليلة مثل الفيلم الوثائقي اللبناني "Teta, Alf Marra" الذي قدم حياة جدة بيروتية بطريقة إنسانية بعيدة عن التبسيط، حيث تابع تفاصيلها اليومية وتناقضاتها وذكرياتها، ليكشف أن الكهولة ليست مرحلة صامتة ولكنها زمن مليء بالحياة والتفاصيل.. لكن مثل هذه التجارب تظل محدودة، وغالبًا ما تظل حبيسة المهرجانات السينمائية أو الأوساط الثقافية، ولا تصل إلى الجمهور الواسع.
وأذكر الفيلم المصري فوتوكوبي (2017) بطولة محمود حميدة، وشيرين رضا، الذي يحكي عن موظف متقاعد يجد نفسه فجأة على هامش الحياة بعد أن لفظه قطار الزمن السريع، فيحاول أن يرمم ما تبقى من أيامه بفتح محل صغير لتصوير المستندات بجوار منزله، لكنه يكتشف أن الورق الذي ينسخه أقدر على الخلود من ذاكرته التي تتآكل، وفي عز رتابته تنبثق "صفية"، جارته الأرملة، كنافذة يطل منها على دفء لم يظن أن العمر المتأخر يمكن أن يمنحه، فتتشابك وحدتهما في علاقة إنسانية تمنح الاثنين معنى جديدًا للوجود، ويعكس الفيلم ببساطته كيف يشعر المسن بالاغتراب وسط عالم يركض بسرعة لا تلحظ خطواته المتثاقلة، وكيف يتحول الشعور بالعزلة إلى مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات.

إذا أردنا أن نقرأ هذه الفجوة بين ما تقدمه السينما العالمية وما يقدمه سياقنا العربي، فسنجد أنها انعكاس لثقافة أوسع.. في العالم العربي يُنظر إلى كبار السن باحترام ظاهري، لكن هذا الاحترام كثيرًا ما يخفي تهميشًا حقيقيًا؛ فالمسن في الغالب يُتوقع منه أن ينسحب من الحياة العامة، أن يترك المكان للأصغر سنًا، أن يتخلى عن رغباته الشخصية، وحين يتجرأ على كسر هذه التوقعات يُقابل بالاستهجان وربما السخرية؛ هذا ما يجعل الحديث عن التمييز العمري في عالمنا العربي أصعب؛ لأن التهميش يتخفى وراء قشرة الاحترام والبر.
في المقابل تكشف السينما العالمية أن مواجهة التمييز العمري تتطلب كسر هذه القشرة وإعادة تعريف معنى الشيخوخة، فالمسن ليس مجرد ذاكرة للماضي أو رمزًا للحكمة، فهو أيضًا حاضر يسعى ليعيش، وله الحق في أن يُرى بصفته فاعلاً.. والسينما العربية إذا أرادت أن تواكب هذا الطرح فعليها أن تمنح كبار السن أدوارًا مركزية، لا بوصفهم عبئًا أو مرآة للجيل الشاب، ولكن باعتبارهم أبطالًا لحكاياتهم الخاصة.
من اللافت أن الأفلام التي تناولت هذه القضايا اعتمدت الكوميديا كأداة أساسية، فالكوميديا هنا تعد وسيلة لتفكيك المحظورات.. الجمهور قد يجد صعوبة في تقبل امرأة ستينية تقع في الحب أو أم خمسينية تصبح حاملًا إذا قُدمت القصة بصيغة درامية ثقيلة، لكن حين تُقدَّم في إطار كوميدي يصبح من الأسهل تقبلها والتفكير في مغزاها، الكوميديا بهذا المعنى هي استراتيجية لتمرير نقد اجتماعي حاد من دون أن تثير رفضًا مباشرًا، وهذا درس يمكن أن تستفيد منه السينما العربية، التي غالبًا ما تستخدم الكوميديا لتكريس الصور النمطية لا لكسرها.
ثقافة تهميش العمر
التحدي الآخر يكمن في السياسات الثقافية، ففي كثير من البلدان العربية يظل إنتاج الأفلام محكومًا بمنطق السوق أو الرقابة أو حتى الذائقة المحافظة، وكلها عوامل تجعل الحديث عن رغبات المسنين أو عن تمردهم موضوعًا حساسًا؛ لكن إذا أردنا أن نكسر التمييز العمري فعلينا أن نبدأ من الثقافة، من الصورة التي نرسمها للمسن في الدراما والسينما والإعلام، فهي أيضًا أداة لتغييره.
يُضاف إلى ذلك أن التمييز العمري لا ينفصل عن التمييزات الأخرى، فالمسنات على وجه الخصوص يعانين من نظرة مزدوجة.. نظرة تقلل من شأنهن بسبب أعمارهن، ونظرة أخرى تقلل من شأنهن بسبب النوع الاجتماعي؛ لذلك فإن أي مقاربة للتمييز العمري يجب أن تكون حساسة لهذه التقاطعات، كما فعل فيلم "Hello, My Name Is Doris" حين أصر على أن يمنح امرأة في الستين حق الحب والرغبة، وكما فعل "Badhaai Ho" حين جعل من جسد المرأة المسنة موضوعًا للنقاش لا للإنكار.

إن ما تكشفه هذه الأفلام هو أن الشيخوخة بداية لمساحة جديدة من الأسئلة.. ما الذي يعنيه أن نعيش في عالم يُقدس الشباب وينسى أن الشيخوخة هي المصير الحتمي للجميع؟ ما الذي يعنيه أن نستبعد كبار السن من النقاش العام بينما نرفع شعار احترامهم؟ وما الذي يعنيه أن نحرمهم من التمثيل العادل في السينما بينما نزعم أننا نكرم تاريخهم؟
في اليوم العالمي لمناهضة التمييز العمري علينا أن نواجه هذه الأسئلة بجرأة، فالمجتمع الذي يُقصي كبار السن يفقد جزءًا من ذاكرته وخبرته، لكنه أيضًا يفقد جزءًا من إنسانيته.. والسينما التي تكرس الصور النمطية عن المسنين تساهم في هذا الإقصاء، بينما السينما التي تكسر هذه الصور تفتح بابًا للمصالحة مع الذات ومع الآخر.. لقد آن الأوان لأن نعيد النظر في تمثيلاتنا الثقافية، وأن نمنح المسن أدوارًا جديدة، أن نكتب لهم قصصًا تعترف بتجاربهم، أن نصورهم وهم يقاومون، وأن نراهم كبشر في مسار مفتوح من الحياة، وربما تكون البداية من السينما؛ لأنها اللغة التي تصل إلى القلوب والعقول في آن واحد، وتملك القدرة على إعادة تعريف ما نعتبره طبيعيًا أو ممكنًا.