منذ فترة ليست بالقصيرة دار حوارًا بيني وبين أحد الأصدقاء القدامى ممن كانوا في صفوف ثورة يناير، ثم انتقلوا بعد 2014 إلى معسكر الموالاة وانضموا إلى أحد أحزاب السلطة. سألني يومها: "لماذا تصرون على القول أن الانتخابات محسومة سلفًا أو مهندسة مسبقًا؟ فأجبته: "هكذا هو التوصيف الواقعي بدون تجميل".
فقال أليست لدينا تصفيات داخل الأحزاب والقوائم قبل إعلان المرشحين؟ أليس ذلك شكلًا من أشكال الديمقراطية غير المباشرة؟" حتى الأسماء التي تختارها احزاب محسوبة على المعارضة لدمجها في القائمة الوطنية، أليس هذا شكل من أشكال الانتخاب غير المباشر؟
ندور في حلقة مأساوية: قوانين محكمة لضمان عدم تسرب نسبة كبيرة من المعارضين إلى البرلمان، ومعارضة مستنزفة لا تجد طريقًا لتجاوز انقساماتها أو حتى للتنسيق رغم الخلاف.
معايير الاختيار
بدا سؤاله عجيب بالنسبة لي، لكنه يحاول أن يخترع به بعض المنطق أو تنظيرة جديدة. فمن وجهة نظره تعتبر الصراعات والمفاوضات والمفاضلات الداخلية شكل من أشكال الانتخاب، سواء داخل أحزاب الموالاة، أو المعارضة المشاركة في القوائم، والافضلية للأقوى والأكثر شعبية.

لكن جوابي كان بسيطًا: الاختيار لديكم يكون للأكثر نفوذًا ومالًا وقوة وليس الأنسب أو الذي يمثل الجماهير، ولو تغير القانون أو أصبحت الدوائر أصغر، أو القوائم نسبية وتعبر عن تيارات وأفكار سياسية، أو فُتحت أبواب الترشح للجميع بشكل أكثر عدالة، لرأيت نوعية مختلفة من المرشحين. أشخاصًا يأتون من قلب الشارع أو قادة رأي، وممثلين لأفكار، ويعبرون فعلًا عن مطالب واحتياجات الشعب.
ابتسم صديقي السابق ورد بثقة: "أراهنك أنكم حتى لو فُتح الباب كما تتمنى، ستعجزون عن الاتفاق على قائمة أو حتى برنامج جامع. ستتناحر الأحزاب المعارضة وتتآمر ضد بعضها البعض كما يحدث منذ عقود".
كانت كلماته موجعة، لأنها للأسف، تحمل الكثير من الحقيقة. فالمعارضة التي تطالب بفتح المجال السياسي تبدو عاجزة عن إدارة خلافاتها حتى في المساحات الضيقة المتاحة، فما بالك لو اتسعت الساحة فعلًا؟
مهرجان سياسي
في الأسابيع المقبلة، تتحول الساحة العامة في مصر إلى ما يشبه المهرجان السياسي، حيث تتزاحم الأخبار والتعليقات والتحليلات حول الانتخابات المقبلة، أحاديث المرشحين والتحالفات، انسحابات مفاجئة، وتفاهمات سرعان ما تتشكل ثم تتفكك، وسوف تصبح حديث الشارع والمقاهي ووسائل التواصل.

وهذا أمر طبيعي في أي حياة سياسية؛ فالاهتمام بالشأن العام بلا انتخابات أشبه بمسرح بلا جمهور. لكن ما ليس طبيعيًا هو أن تتكرر اللعبة بالقواعد نفسها التي تُفرغها من معناها بقوانين مجحفة وشروط ترشح معقدة ونظام قوائم مغلقة، مصمم سلفًا لتمكين قائمة واحدة من الفوز. ورغم ذلك، لا أؤيد خيار المقاطعة والانعزال، فحتى لو الشروط مجحفة لابد من المحاولات، فباستثناء 2011، منذ متى كان هناك انتخابات عادلة ونزيهة في مصر؟.
ومع ذلك، ورغم وضوح الخلل في القواعد، لا تبدو المعارضة أفضل حالًا. فكما جرت العادة منذ ما قبل انتخابات 2005، ما زالت تعيش حالة من التشتت والتخبط تجعلها عاجزة عن استثمار أية فرصة، مهما كانت محدودة، الضغوط والهزائم المتراكمة، والمساحات تضيق، والكوادر تُستنزف. لكن حتى مع إدراك قسوة الظروف، يبقى هذا التفتت غير مبرر، خاصةً عندما يتحول إلى سلوك دائم وليس مجرد رد فعل استثنائي.
احترام الخيارات الفردية
ورغم كل ذلك، يظل احترام الخيارات الفردية واجبًا. أحترم من يقرر خوض الانتخابات كمستقل، رغم معرفته أن فرصه شبه معدومة في مواجهة نفوذ المال السياسي و"كراتين الانتخابات" التي تُوزع كرشاوى مقنعة. وأحترم أيضًا من يختار دخول القوائم الموحدة "سابقة التجهيز" بهدف التواجد والحفاظ على أصوات معارضة داخل البرلمان. حتى المقاطعة مهما اختلفت معها، تبقى موقفًا سياسيًا مشروعًا.
أما أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقيقة، ويعتبرون كل من لا يتبنى مواقفهم خائن، ويوزعون شهادات الوطنية حسب "المزاج"، فهؤلاء يشبهون في سلوكهم الدواعش والتكفيريين بل هم أشد أذى.
والخريطة السياسية قبيل الانتخابات تكشف مشهدًا أكثر عبثية من مجرد انقسام بين المشاركة والمقاطعة. فحتى داخل كل خيار، تتوالد الانقسامات. خذ مثلًا، الحركة المدنية التي يُفترض أن تكون المظلة الأوسع للمعارضة المصرية، حتى الآن لم تخرج منها قائمة مرشحين لتوحيد الجهود، بل خرجت منها مجموعات وتحالفات متنافسة، و بلا تنسيق أو برنامج جامع حتى الآن.
تناقضات ومفارقات
ليس هذا فحسب، بل هناك من بدأ في استخدام الاتهامات والتخوين ضد المرشحين المحتملين الآخرين من خارج تياره حتى لو كان محسوبًا على المعارضة، وهناك من كان يهاجم مبدأ المشاركة في الانتخابات من بابه بشكل يبدو مبدئي ويعتبرها خيانة، أما اليوم عندما قررت "قبيلته" المشاركة، تحول الخطاب لتبرير الانتقال من المقاطعة للمشاركة، بل أصبحت مشاركة تيارهم "ذكاء سياسي" واستغلال للمساحات الضئيلة المتاحة، أما من يحاول فعل ذلك من خارج القبيلة فهو خائن وانتهازي بالطبع.

هذه المفارقات تعيدنا إلى السؤال الأبدي: هل المشاركة صواب أم المقاطعة؟ في كل استحقاق انتخابي تتحول الإجابة إلى مزاد مفتوح، من يقرر المقاطعة أو العزوف يوصف ذلك بالبطولة ويرى المشاركة خيانة. لكن عندما يغير رأيه ليخوض التجربة، فتصبح المشاركة حينها "استغلالًا ذكيًا للفرصة". والنتيجة.. حلقة مفرغة من المواقف المزدوجة والتبريرات المتناقضة.
هكذا ندور في حلقة مأساوية من قوانين محكمة لضمان عدم تسرب نسبة كبيرة من المعارضين إلى البرلمان، ومعارضة مستنزفة لا تجد طريقًا لتجاوز انقساماتها أو حتى للتنسيق رغم الخلاف، وناخبون محاصرون بين المشاركة في لعبة غير عادلة أو الانسحاب الكامل. ومع اقتراب موعد الانتخابات، تزداد الأصوات والبيانات والجدالات. لكن يبقى السؤال معلقًا: كيف يمكن لعملية سياسية أن تكتسب معناها إذا ظل المشهد ذاته والخطاب واحد والممارسات نفسها منذ سنوات؟!.