فجر الجمعة 26 سبتمبر الماضي، لم يكن ضجيج آلات الغزل والنسيج هو الصوت الذي أيقظ مدينة المحلة الكبرى، بل دوي انفجار عنيف هز أحد مبانيها الصناعية. في لحظات، تحول مصنع "البشبيشي" للغزل والنسيج من موقع لطلب الرزق إلى مسرح كارثة انفجار غلاية، أدوت بحياة 13 عاملًا وثلاثة من رجال الحماية المدنية، وأرسل 40 آخرين إلى المستشفيات بإصابات متفاوتة، بحسب بيانات دار الخدمات النقابية والعمالية.
هذا المشهد المأساوي في المحلة، بتفاصيله التي كشفت عن ماس كهربائي أولي وتحقيقات لاحقة، لم يكن حدثًا معزولًا، وإنما الفصل الأكثر دموية في قصة أوسع عن السلامة المهنية في مصر، تتناقض فيها مآسي أماكن العمل اليومية مع برودة الأرقام الرسمية التي تشير إلى انخفاض ظاهري في إصابات العمل.

هذا ما تحكيه الأرقام
رغم أن المؤشرات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2023 تشير إلى انخفاض في إجمالي إصابات العمل إلى 8317 حالة، مقارنة بـ 9857 حالة في 2022 (بنسبة انخفاض 15.6%)، إلا أن قراءة تفصيلية لهذه الأرقام ترسم خريطة دقيقة لمواقع تركز الخطر.

فخلف هذا الانخفاض الإجمالي، يظل القطاع الخاص (في المنشآت التي تضم 50 عاملًا فأكثر) متصدرًا المشهد بـ 4327 حالة، أي ما يعادل 52% من إجمالي الإصابات. يليه القطاع العام والأعمال العام بـ 2463 حالة (29.6%)، ثم القطاع الحكومي بـ 1404 حالات (16.9%)، بينما يسجل القطاع الاستثماري النسبة الأقل بـ 123 حالة (1.5%).
وتكشف البيانات كذلك عن بُعد جغرافي وآخر مرتبط بالنوع؛ حيث تتركز الإصابات بشكل كبير في محافظة القاهرة التي سجلت وحدها 2015 حالة (24.2%)، تليها القليوبية بـ 1446 حالة (17.4%). وعلى الجانب الآخر، تظل الغالبية العظمى من الضحايا من الذكور بـ 7264 حالة (87.3%) مقابل 1053 حالة للإناث (12.7%).
نمط يتكرر
تكشف هذه الصورة الإحصائيّة عن تسلسل وقائع يتجاوز حادثة المحلّة الأخيرة، ويشير إلى خللٍ أعمق في منظومة السلامة المهنيّة.
في المدينة الصناعيّة نفسها، سبقت انفجار مصنع "البشبيشي" إشارات إنذار واضحة: في فبراير 2025، تُوفي عامل بشركة مصر للغزل والنسيج متأثرًا بإصابته في انفجار بمحطة كهرباء تابعة للشركة. وفي يوليو من العام نفسه، شهد مصنع آخر للشركة حادث اختناق أودى بحياة عامل وأصاب ثلاثة من زملائه، جميعهم من عمّال جرى تشغيلهم عبر شركات من الباطن.

وخارج أسوار المصانع، يلاحق الخطر العمال على الطرق. فقبل أيام، انقلبت سيارة ميكروباص تقل 14 عاملًا على طريق "الخطاطبة - السادات" بمحافظة المنوفيّة أثناء توجههم إلى العمل، وهي واقعة جددت مأساةً سابقة في المحافظة نفسها، التي سجلت بين ضحاياها عاملات في القطاع الزراعي.
اقرأ أيضًا:
بيوت الطين تبكي لبناتها.. عن "طريق" يقتل الأحلام
نار إهمال أم نيران مؤامرة؟ تشريح سياسي لأزمة الحوادث المصرية
وزارة صرف الإعانات
كما في حوادث سابقة، سارت الاستجابة الرسمية لكارثة المحلة وفق بروتوكول حكومي شبه دائم، يركز على إدارة التداعيات المالية، لا على معالجة الأسباب الجذرية.
فور وقوع حادث المحلة، قرر محمد جبران وزير العمل ومايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي صرف 400 ألف جنيه من الوزارتين لأسرة كل حالة وفاة في ضحايا حادث مصنع ومصبغة البشبيشي بمنطقة اليماني بالمحلة الكبرى، مع صرف إعانات للمصابين وفق ما يحدده التقرير الطبي لكل حالة. ووجّه الوزيران رئيس الإدارة المركزية للحماية الاجتماعية بوزارة التضامن والإدارات المختصة بوزارة العمل بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة لصرف المساعدات لأسر الضحايا.

زار الوزير جبران واللواء أشرف الجندي محافظ الغربية مستشفى المحلة العام لمتابعة حالة المصابين، وتمنّيا لهم الشفاء العاجل، واطمأنا على الخدمات الطبية المقدَّمة، ووجّها إدارة المستشفى بتوفير كل الاحتياجات العلاجية حتى الشفاء التام. كما زار المسؤولون أسر المتوفين لتقديم العزاء، وأكدوا متابعة إجراءات الدعم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بخصوص الحادث، إلى جانب تفقد موقع الحادث للوقوف على الوضع ميدانيًا.
وفي تصريحات إعلامية، تحدّث الوزير جبران عن التشديد في تطبيق قانون العمل الجديد، وعن قيام مكاتب العمل بدورها في حدود "الإمكانات المتاحة"، معتبرًا أن جانبًا من الأزمة يعود إلى غياب الوعي لدى أصحاب الشركات والمصانع والمقاولين، ومطالبًا إياهم بالالتزام بمعايير السلامة والصحة المهنية.

في المقابل، ووفق بيان "دار الخدمات النقابية والعمالية"، أكّدت قيادات عمالية بالمحلة تقاعس وزارة العمل عن القيام بالتفتيش الدوري على وسائل السلامة والصحة المهنية داخل مصانع المدينة، وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة بحق أصحاب المصانع الممتنعين عن الالتزام؛ وهو ما أدى - بحسب البيان - إلى وقوع الحادث المأساوي.
بيت المهمل خرب
يؤكد كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن هذه الحادثة الأخيرة أظهرت أن عمال القطاع الخاص يعملون بلا أي حماية قانونية أو نقابية، وأن مصنع البشبيشي لا يخضع لقواعد السلامة والصحة المهنية.

ويضيف عباس، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن مبنى المصنع هو مثال حي على غياب السلامة وتقاعس وزارة العمل، إذ يصفه بأنه مبنى من ثلاث طوابق يؤجَّر لعدد من المصانع، ما يجعله معرَّضًا دائمًا لكارثة. ويوضح أن عمّال المصانع الثلاثة يحصلون على أجور متدنية للغاية، بلا تأمينات أو عقود، ولا تُطبَّق عليهم قواعد السلامة والصحة المهنية؛ ما يكشف ـ على حدّ وصفه ـ زيف تصريحات وزير العمل التي "لا تتعدى كونها تصريحات" ولا تُطبَّق عمليًا، وهدفها "الشو الإعلامي".
ويلفت عباس إلى أن باقي مصانع المنطقة ـ بالتأكيد ـ في الوضع نفسه: بلا حماية قانونية ودون مراعاة لمعايير السلامة، سواء على مستوى المباني أو على مستوى الحماية داخل المصانع. ويسأل عباس عن دور مكاتب العمل بالمحلة، وعن الرقابة والمتابعة والتفتيش.
ويُشير عباس إلى غياب قوة إنفاذ القانون، وهو نقاشٌ حاز مساحة واسعة لدى المهتمين بالشأن العمالي أثناء مناقشة قانون العمل 14 لسنة 2025، لجهة التزام الوزارة بإجراء التفتيش اللازم وإنفاذ القانون؛ متسائلًا: "متى سيُحاسَب وزير التصريحات؟ ووزير النقل على كافة الحوادث التي تكرّرت على مدار الشهور الماضية".
الحل في تطبيق القانون
ينعي أحمد المغربي رئيس اتحاد تضامن النقابات العمالية ورئيس نقابة صيادين دمياط، في حديثه لـ فَكّر تاني، شهداء حادثة مصنع البشبيشي، ويعتبرها نتيجة متوقعة لـ"سياسة الاكتفاء بالنصوص الورقية دون تطبيق". ويؤكد أن تلك الحوادث ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ضمن "مسلسل الإهمال وعدم الالتزام" بمعايير واشتراطات السلامة والصحة المهنية.

يطالب المغربي بـ تطبيق القانون والاتفاقيات الدولية، وعدم الاكتفاء بالجوانب الشكلية، مع مزيدٍ من الحزم والتشديد في تطبيق معايير السلامة، حتى لا يُصدم الجميع كل عدة أيام بمثل هذه الكوارث التي تمرّ مرور الكرام دون تغييرٍ يُذكر.
ومثله، يوجّه كرم عبد الحليم نائب رئيس اتحاد تضامن النقابات العمالية، أصابع الاتهام إلى الإهمال وغياب الرقابة الحقيقية على المنشآت الصناعية، معتبرًا أن سقوط الضحايا كان يمكن تجنّبه لو أُدّيت المسؤوليات كما ينبغي.
ويرى عبد الحليم أن ما جرى في مصنع البشبيشي بالمحلة الكبرى ليس حادثًا عرضيًا، بل نتيجة لغياب دور وزارة العمل، محملًا إياها المسؤولية الكاملة عن "هذه الكارثة"، بسبب التقصير في التفتيش الدوري وعدم تطبيق أحكام قانون العمل المتعلقة بسلامة وصحة العاملين. ويقول: "لو كانت هناك متابعة فعلية، ما كان لهذا المصنع أن يستمر في العمل دون الالتزام بمعايير السلامة المهنية".
كما يُدين نائب رئيس الاتحاد، وزارة الصناعة، ويحملها جانبًا رئيسيًا من المسؤولية؛ فهي تتحدث عن التوسع في إنشاء المصانع وجذب الاستثمارات، لكنها تغيب عن أداء دورها الرقابي على المصانع القائمة، رغم أنها الجهة المنوط بها منح التراخيص والتأكد من استيفاء شروط التشغيل الآمن وفقًا للقانون الذي يهدف إلى حماية الأرواح.
ويُعبّر عبد الحليم ـ بأسفٍ شديد ـ عن أن غياب المحاسبة جعل المصانع تُدار بلا رقابة حقيقية؛ ومع كل حادثٍ، تُفقد أرواح جديدة دون أن يتحمّل أحدٌ المسؤولية. كما يوضح أن التعويضات الزهيدة التي تُصرف لأسر الضحايا والمصابين لا تعوِّض فقدان حياة أو معاناة أسرةٍ فقدت عائلها.

ويضيف: "التعويض الحقيقي هو في حماية العمال أثناء عملهم، وضمان حقوقهم، وتطبيق القوانين التي تكفل سلامتهم وكرامتهم؛ لا في مبالغ رمزية تُصرف بعد وقوع الكارثة. ما لم تكن هناك مساءلة واضحة وحقيقية لكل مسؤول يتقاعس عن أداء دوره، ستتكرر مثل هذه المآسي، وسنظل ندفع الثمن من أرواح العمال الذين يُتركون بلا حماية ولا ضمانات. لقد آن الأوان لأن تتحمل الدولة مسؤوليتها كاملة، وأن تكون سلامة الإنسان فوق أي اعتبارات اقتصادية أو استثمارية؛ فكرامة العامل وأمانه ليست بندًا يمكن تجاهله".