مع اقتراب سباق انتخابات 2025، تستعد مرشحات المعارضة لمعركة انتخابية شرسة، في مواجهة هيمنة "المال السياسي" التي تجعل المنافسة على المقاعد الفردية شبه مستحيلة. هذا التقرير لا يرصد استعداداتهن فقط، بل يغوص في معاركهن الشخصية ضد منظومة يصفها المراقبون بأنها تمهد الطريق لوصول "برلمان رأس المال".
الكوتة وحدها لا تكفي
تؤكد مريم عادل، المرشحة المحتملة للانتخابات البرلمانية 2025 أنها تقدمت بالفعل للترشح ضمن قوائم الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، لكنها حتى الآن لم تُبلغ رسميًا بقرار اختيارها من عدمه.

تقدمت مريم للترشح عبر نظام القائمة، مستفيدةً من الكوتة المخصصة باعتبارها شابة مسيحية ومن ذوات الاحتياجات الخاصة، لكن الغموض ما يزال يحيط بموعد إعلان الحزب عن مرشحيه النهائيين أو خطته للمشاركة في الانتخابات القادمة.
وأمام هذا الوضع، بادرت مريم بشكل منفرد بإطلاق استعداداتها، مستهدفةً تعريف محيطها برؤيتها الانتخابية، خاصةً فيما يتعلق بملف الأشخاص ذوي الإعاقة.
تستخدم مريم صفحتها على "فيسبوك" والمنصات الإعلامية المختلفة كأدوات أساسية لإطلاع دوائرها والمواطنين على رؤيتها لحقوق هذه الفئة. وتحمل رؤية واضحة لتعديل عدد من القوانين، أبرزها قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، كما تمتلك تصورًا لحل إشكاليات كارت الخدمات المتكاملة، وتطرح أفكارًا لمعالجة هجرة العقول وجذب الشباب لفرص العمل الداخلية.
وعن التحديات التي تواجهها، تشرح مريم، في حديثها لـ فَكّر تاني، أن إحدى المشكلات الرئيسية تجلت بوضوح في انتخابات 2020، حيث كان تمثيل ذوي الإعاقة "ضئيلاً جدًا".
وتوضح بالأرقام: "على الرغم من أن قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يمنح نسبة 5% للأشخاص ذوي الإعاقة في التوظيف، من أصل 596 عضوًا، كان هناك 8 أعضاء فقط من ذوي الإعاقة، أي بنسبة 1.3%، وهي أقل بكثير من النسبة المستحقة وأقل من نسبتهم السكانية الفعلية التي تصل إلى 12 مليون شخص".
وتضيف بعدًا آخر للمشكلة: "جميع الأعضاء الثمانية كانت إعاقاتهم حركية، ولم يكن هناك تمثيل للإعاقات البصرية أو السمعية أو غيرها، وهو ما يعجز عن توصيل وجهات نظر واحتياجات بقية الشرائح".

لذلك، تطالب مريم بما تسميه "تنسيبًا عادلًا"، بحيث يتم توزيع التمثيل ليشمل إعاقات ومحافظات وأحزابًا مختلفة، سواء كانت موالية أو معارضة، لضمان عدم احتكار حزب واحد لمقاعد الكوتة وتحقيق تنوع أيديولوجي حقيقي.
وحول أثر المال السياسي، تشير مريم إلى أن الأمر يتجاوز مجرد الدعم الحزبي ليصل إلى "شبه استحالة أن يترشح شخص من ذوي الإعاقة وينجح في مقعد فردي.
بالعودة لانتخابات 2020، كان عدد الفائزين من ذوي الإعاقة على المقاعد الفردية 'صفر'، لأنه ببساطة لم يترشح أي شخص منهم على المقعد الفردي". وتقارن ذلك بوضع المرأة، فمن بين 148 نائبة، 6 سيدات فقط فزن بمقاعد فردية، ما يؤكد أن التكاليف الباهظة للحملات تعرقل أي شخص من ذوي الإعاقة عن خوض هذه المنافسة.
توجه مريم رسالة مباشرة للأحزاب السياسية: "على الأحزاب التي تتبنى ملفات الأشخاص ذوي الإعاقة أن تتبناهم داخل الكوتة المخصصة في قوائمها، وليس في الترشح الفردي. هذا هو الطريق الوحيد الممكن حاليًا، إلى حين حدوث تعديلات على النظام الانتخابي تسمح لهم بالنزول فردياً بصورة ملائمة ومنافسة عادلة".
رهان على الشارع
أعلنت لميس خطاب مرشحة حزب المحافظين، عن نيتها خوض الانتخابات البرلمانية 2025، معتبرةً القرار امتدادًا طبيعيًا لمسيرة تمتد لـ 14 عامًا في العمل العام.
تقول لميس، في حديثها لـ فَكّر تاني، أن استعداداتها ليست وليدة اللحظة، بل هي ثمرة تواصل مباشر ومستمر مع المواطنين في دائرتها والاستماع لمشاكلهم، بهدف صياغة برنامج واقعي يعكس أولوياتهم.
تدرك لميس أن العملية الانتخابية لها تكلفة مادية باهظة، لكنها تؤكد أن رهانها الأساسي كان دائمًا "على الناس وثقتهم، وليس على المال السياسي"، وأن ما يشغلها هو كسب القلوب والعقول عبر المصداقية والشفافية.

أما عن دور حزب المحافظين، فتقول المرشحة المحتملة إن دوره يركز بشكل أساسي على الدعم السياسي والمعنوي، بينما تتم إدارة الحملة ومواردها المالية بجهد ذاتي بالتعاون مع المتطوعين والمجتمع المحلي.
وتوضح لميس أن تقدير الحزب جاء بأن وجود المرشحين بشكل مستقل في دوائرهم يمنح فرصة أكبر للتأثير المباشر، بعيدًا عن حسابات التوازنات الحزبية داخل القوائم، وتضيف: "المهم بالنسبة لنا أن يكون النائب صوتًا حقيقيًا للناخبين سواء عبر القوائم أو المقاعد الفردية".
تؤمن لميس أن نظام الفردي، رغم صعوبته، يفتح مساحة حقيقية للتواصل المباشر مع الناخبين، وهو ما تعتبره نقطة قوة لها. خبرتها الطويلة في العمل المجتمعي وعلاقتها المباشرة بأهالي الدائرة تمنحها الثقة بأن فرص النجاح قائمة، خاصة مع تزايد وعي الناس بضرورة اختيار من يمثلهم بجدية.
وقد بدأت المرشحة المحتملة بالفعل في وضع الخطوط العريضة لحملتها، التي ترتكز على التواصل المباشر مع الناس في الشارع والأسواق والمقاهي، مؤكدة أن اللقاءات وجهًا لوجه هي "الأصدق والأكثر تأثيرًا".
"إنتي ست وهتقدري؟"
تلقي مي سليم مرشحة حزب العدل لبرلمان 2025 على مقعد الفردي، الضوء على الدور الذي يلعبه المال السياسي، والذي اعتبرته "شيئًا غير صحي في الحياة السياسية، ويمثل عائقًا كبيرًا أمام الشباب والسيدات على وجه الخصوص".
تستفيض مي، في حديثها لـ فَكّر تاني، في شرح المعوقات المجتمعية التي تواجه المرأة بالتحديد، ومدى تقبل بعض المجتمعات لفكرة نزولها للانتخابات، وهو ما يشكل تحديًا أساسيًا.

واجهت مي بنفسها تعليقات سلبية على فكرة ترشحها، من بينها: "إذا كان فيه رجال لهم مكانتهم ما قدوش يعملوا حاجة، إنتي الست هتقدري؟". هذا النوع من الحديث يمثل إحباطًا كبيرًا للمرشحات.
على الجانب الآخر، وفي تجربتها الشخصية، لاقت مي دعمًا كبيرًا حين تفاعلت مع أبناء دائرتها، حيث كانوا داعمين لها رغم أنها كانت المرة الأولى التي يسمعون فيها بوجود مرشحة بهذا الاسم.
ترى مي أن الحل الوحيد المتاح أمامها، كونها لا تملك الملايين، هو توجيه أي موارد متاحة لخدمة حقيقية لأهالي الدائرة، وليس لإقامة الولائم، بل في رصف طريق أو شراء جهاز طبي.
وعن الفارق بينها وبين مرشح المال السياسي، تقول مي: "هو أنني أوجه أي أموال معي في مسارها الصحيح، أعمل على الأرض وأحاول إيصال أفكاري للناس، وأراهن طوال الوقت على وعي الشارع، فالناس سئمت من فكرة المرشح الذي يظهر وقت الانتخابات فقط ثم يختفي".

تصنف مرشحة حزب العدل نفسها بـ"المعارضة الإصلاحية"، لكنها تلاحظ أن البعض يخشى من تأييدها خوفًا من كلمة "معارضة". وتحرص دائمًا على أن توضح للناس أنها ليست ضد الدولة، بل تعترض على السياسات التي تتعارض مع مصالحهم، وهو شعار حزب العدل بالأساس.
تعقد مي لقاءات جماهيرية محدودة في أماكن مغلقة، لتجنب أي مخالفة انتخابية، بهدف تعريف الناس بها وبأفكارها. ومن خلال هذه اللقاءات ترصد مشاكل حقيقية في دائرتها، مثل قرى بلا وحدات صحية أو إنارة، ومشاكل العمالة والمعاشات.
وتضيف مي أن الأحزاب غالبًا ما تحقق "كوتة" المرأة عبر القائمة، وتترك معركة المقاعد الفردية كما هي. لكنها تشير إلى نماذج ناجحة مثل النائبة نشوى الديب، التي تعتبرها مثالاً يُحتذى به لنجاحها في المقعد الفردي عبر تواصلها الدائم مع الناس في دائرتها.
نيفين عبيد تحذر: القادم "برلمان رأس المال"
تعتبر نيفين عبيد، المدير التنفيذي لمؤسسة المرأة الجديدة، أن المال السياسي هو الحصان الرابح في انتخابات مجلس النواب القادم، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على حظوظ المرشحات.

وتوضح نيفين، في تصريحاتها لـ فَكّر تاني، أن استراتيجية أحزاب المعارضة كانت تقوم على فكرة الفوز بعدد من المقاعد عبر القائمة، وإضافة مقاعد أخرى من الفردي، لكن خيبة الأمل الكبيرة في نتائج المقاعد الفردية، والشروط المالية الباهظة للقائمة، تجعل هذه الأحزاب عاجزة عن تقديم مرشحيها الذين يعتمدون على رصيدهم السياسي لا المالي.
وبحسب نيفين، لن ينتج عن ذلك برلمان بالمعنى السياسي المتعارف عليه، بل "سينتج 'برلمان رأس المال'، حيث ستكون المقاعد لمن يستطيع الدفع، سواء كانوا رجالًا أم نساءً... وهذا يُعد مصابًا نيابيًا كبيرًا".
وفي ظل هذه الظروف، سيتم سد الفجوة غالبًا عبر التعيينات، وهو ما قد يفتح الباب أمام اختيار شخصيات لا تمتلك بالضرورة الكفاءة السياسية المطلوبة.
تلفت نيفين إلى أن تجارب الانتخابات المصرية توضح أن فرص النساء في الفوز بالمقاعد الفردية ضئيلة جدًا، مع وجود استثناءات تاريخية قليلة. وبالتالي، فإن الأمل الأكبر لهن يكمن في نظام القوائم.
وتوضح نيفين أن المقعد الفردي لم يكن ليمنح فرصة حقيقية للنساء أو للأقباط في كل الأحوال، وكانت فرصتهم دائمًا هي التواجد ضمن قوائم انتخابية تنافسية.
وبناءً على ذلك، ترى نيفين أنه إذا كانت فرصة النساء مقتصرة على القائمة فقط، فهذا يعني أنهن يدخلن البرلمان دون خوض منافسة انتخابية حقيقية. وتختتم: "مع ذلك، لا يمكن القول إن هذا ليس تمثيلًا حقيقيًا، فالانتخاب ليس هو المؤشر الوحيد على التمثيل السياسي".