معركة الـ 3 آلاف صنف.. فصل جديد في حكاية تسعير الدواء

أصبح سعر علبة "الأنسولين" عبئًا على هشام السيد، الموظف على المعاش، منذ ارتفاع سعر العبوة بنسبة 42% نهاية العام الماضي، خاصةً أنه وزوجته يشتركان في العبوة ذاتها، ليتناول كل منهما 3 حصص يوميًا قبل تناول الوجبات الثلاث.

خلال العام الحالي، ارتفع سعر العلبة بواقع 40 جنيهًا، وهو عبء على موظف يتقاضى معاشًا على لا يتجاوز 4 آلاف جنيه، ومصاب بأمراض مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم، تعاني زوجته من السكري، ولكن مع تداعيات أكبر على شبكية العين تحتاج لها هي الأخرى حزمة من العلاجات.

حال السيد مع أسعار الأنسولين ينطبق على 13.2 مليون مصري مصابون بالسكري، وفقًا لبيانات الاتحاد الدولي لأمراض السكري لعام 2024؛ فمصر من بين الدول العشر الأولى عالميًا من حيث أعلى معدل انتشار لذلك المرض  في الفئة العمرية من 20-79 عامًا.

ربُما يواجه الموظف المُسن وغيره من المحالين على المعاش تعقيدات أكبر مستقبلًا، في ظل تقديم 100 شركة دواء بطلبات رسمية لزيادة أسعار منتجاتها بنسبة تصل إلى 30%، بدعوى ارتفاع تكاليف الإنتاج، لتضاف إلى 30% تمت إضافتها قبل أشهر قليلة، فضلًا عن التوقعات بتحريك أسعار الوقود 10% على الأقل مطلع الشهر المقبل.

صيدلي يبحث عن دواء في صيدلية بالقاهرة، مصر، 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2016. رويترز/محمد عبد الغني
صيدلي يبحث عن دواء في صيدلية بالقاهرة، مصر، 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2016. رويترز/محمد عبد الغني

زيادة واحدة لا تكفي

يُبرر رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية الدكتور علي عوف، الزيادة التي تطلبها الشركات في أسعار الأدوية بأن الزيادة السابقة لها لم تتضمن جميع الأصناف، واقتصرت على متوسط يتراوح بين 20% و30%.

وقد قفزت أسعار بعض أدوية الأمراض المزمنة مثل السكري، والقلب، وضغط الدم، والكوليسترول، والربو، وأدوية السرطان، بنحو 300% خلال النصف الأول من 2025، بسبب ندرة المعروض منها، مع اقتصار توزيعها على عدد محدود من الصيدليات دون الأخرى.

رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية الدكتور علي عوف
رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية الدكتور علي عوف

ويضُر ارتفاع أسعار الأدوية المزمنة بغالبية المواطنين في مجتمعٍ يعاني 40% من البالغين فيه من ارتفاعٍ لضغط الدم، و135 ألف مصاب جديد بالسرطان كل عام، فيما تقف أمراض القلب والأوعية الدموية وراء 46% من حالات الوفاة به سنويًا.

ورغم تراجع سعر صرف الدولار أمام الجنيه لأدنى مستوى في قرابة العام ونصف العام، يرى رئيس شعبة الأدوية، أن الزيادة التي طلبتها الشركات ترتبط بالأصناف التي لم تزد أو التي واجهت ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف الإنتاج، ولا تقترب من قريب أو بعيد بتعظيم الأرباح.

يضيف عوف أن تكاليف الإنتاج التي زادت تشمل أسعار الكهرباء، والوقود، والمواد الخام. وبالإضافة إلى ذلك، تفرض الجهات التنظيمية مثل هيئة الدواء رسومًا عالية تتجاوز 2 إلى 3 مليارات جنيه سنويًا.

من بين أسباب المطالبة بالرفع قرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في أبريل الماضي برفع أسعار البنزين والسولار، والمازوت والبوتاجاز والذي رفع وقتها سعر بنزين (95) من 17 جنيهًا إلى 19 جنيهًا للتر، وسعر بنزين (92) من 15.25 جنيه إلى 17.25 جنيه للتر، بينما زاد سعر بنزين (80) من 13.75 جنيه إلى 15.75 جنيه للتر. كما ارتفع سعر السولار من 13.50 جنيه إلى 15.50 جنيه للتر.

إما الزيادة أو النقص في الأدوية

تنتظر أسعار الوقود زيادة جديدة متوقعة حينما تجتمع اللجنة مطلع الشهر المقبل لوضع قائمة بأسعار المحروقات للربع الأخير من عام 2025، خاصةً بعد تصريحات رئيس مجلس الوزراء في لقائه رؤساء الصحف أخيرًا، والتي جاء فيها نصًا إن الزيادة القادمة قد تكون الكبيرة الأخيرة، على أن يتم بعدها الانتقال لآلية التسعير الفوري للمنتجات البترولية.

عوف يعتبر أن زيادة الأدوية نجحت في تقليص متوسط النقص في الأدوية عام 2025 إلى 200 صنف فقط، مقابل أكثر من 3 آلاف صنف في 2024؛ فالتكاليف المرتفعة تعيق قدرة الشركات على تحقيق أرباح حقيقية دون اللجوء إلى زيادة أسعار الأدوية، ما ينعكس سلبًا على قدرة المواطنين على الحصول على العلاج بأسعار معقولة.

ووفقا لـ "المركز المصري للحق في الدواء"، رفعت الشركات في يونيو 2024 أسعار 130 صنفًا دوائيًا أساسيًا مثل أدوية القلب والسكري والمضادات الحيوية التي أصبحت تُباع بأسعار مضاعفة، وذلك رغم استقرار سعر الدولار رسميًا منذ مارس 2024.

غرفة تجارة الدواء تريد رفع 3 آلاف صنف

محمود فؤاد مدير مركز الحق في الدواء، يقول إن غرفة تجارة الأدوية طلبت رفع أسعار 3 آلاف صنف أدوية بدعوى ارتفاع أعباء الوقود والخدمات مثل الكهرباء والمياه، وذلك رغم تراجع سعر صرف الدولار، والمعاملة الخاصة التي تحصل عليها تلك الصناع على المستوى الضريبي والجمركي.

محمود فؤاد مدير مركز الحق في الدواء
محمود فؤاد مدير مركز الحق في الدواء

وتشير نتائج أعمال شركات الأدوية، عدم تأثرها بتلك التحديات، إذ ارتفعت أرباحها بنسبة تجاوزت 50% في النصف الأول من العام الجاري، وذلك بعدما حققت 309 مليارات جنيه مبيعات خلال عام 2024.

ويضيف فؤاد إن الأدوية التي سعت الغرفة لرفع سعرها في الفئة الأقل من 100 جنيه، والعدد الأكبر منها في الفئة الأقل من 50 جنيهًا أي "أدوية الفقراء"، بدعوى أن إنتاجها لا يحمل جدوى اقتصادية للمصنعين، مضيفًا أن ما يثير الاستغراب أن الطلب جاء من غرفة تجارة الأدوية، لأن الأوقع أن من له حق الشكوى إن وجدت هي غرفة صناعة الدواء التي تعبر عن المصنعين.

بحسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تصدر قسم الرعاية الصحية الذي يتضمن أسعار الأدوية، قائمة البنود التي تشهد زيادة في التضخم خلال أغسطس الماضي، إذ سجل قسم الرعاية الصحية ارتفاعًا قدره (34.2%) بسبب ارتفاع أسعار مجموعة المنتجات والاجهزة والمعدات الطبية بنسبة (46.3%)، مجموعة خدمات مرضى العيادات الخارجية بنسبة (14.3%)، مجموعة خدمات المستشفيات بنسبة (21.1%).

كان قسمَ الرعاية الصحية الأعلى في معدل التضخّم منذ بداية العام، وبلغ ذروته في شهر مايو 2025، بنسبة 40.6% مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024، متفوّقًا بذلك على قطاع النقل، رغم رفع الحكومة أسعار الوقود أربع مرات خلال عامٍ واحد.

المبيعات.. ارتفاع بالقيمة وانخفاض بالكمية

يوضح فؤاد أن قرار الحكومة رقم 499 الذي تضمن مراجعة أسعار الدواء كل فترة وفقًا لسعر الدولار، جاء في ظل أزمة خانقة حينها باختفاء أصناف من الأدوية حينها، وندرة العملة الصعبة، ورفع مبدأ "توافر الدواء بسعر أعلى أفضل من غيابه". لكن الأمور تغيرت حاليًا مع توافر العملة في البنوك وتسهيلات الاستيراد.

ويضيف أن الحكومة سمحت للشركات برفع الأدوية المزمنة بنسبة لا تتجاوز 30% والأدوية التقليدية "اللوكال"، ونسب وصلت لـ 50%. وهو يرى أن لا مبرر للرفع حاليًا ما يجعل الطلب افتعال أزمة، لتحقيق مكاسب، وقد يعقبها إخفاء مقصود لبعض الأدوية من أجل الضغط لرفع الأسعار.

وقد رفضت هيئة الدواء طلب الشركات وأكدت أنها ستراجع التسعير باستمرار، وحال وجود تلاعب ستجبر الشركات على تخفيض أسعارها عن السعر الحالي، بحسب فؤاد الذي قال إن قدرات الموطنين لا تتحمل حاليًا زيادة الأدوية بعدما وصلت تكلفة علاج دور البرد العادي لـ 600 جنيه ما بين روشتة الطبيب والفيزيتا، فضلاً عن شكاوى من الصيادلة من الركود في المبيعات. 

ركود المبيعات يعوضه رفع الأسعار

يقول مسؤول بإحدى شركات الأدوية إن ارتفاع أسعار الأدوية كان السبب في ارتفاع قيمة المبيعات لنحو 309 مليارات جنيه في 2024، والتي توزعت بين 214.5 مليار جنيه من خلال الصيدليات التقليدية، و94.5 مليار جنيه من خلال صيدليات المستشفيات والجهات الحكومية مثل فروع التأمين الصحي.

ويضيف أن الدراسات حول المبيعات تؤكد انخفاض استهلاك المصريين للدواء، والبحث عن البدائل الأرخص في السوق، وهو أمر يجب على الشركات مراعاته في التسعير فالمريض لم يعد يفرق معه كثيرًا الفعالية ولم يعد يبحث عن الدواء المستورد، ولكن السعر لأن الدواء لا اقتصاد فيه.

وقد شهد العام الماضي تداول 3.5 مليار عبوة دواء في مصر، مقابل 3.7 مليار عبوة عام 2023، بتراجع قدره 200 مليون عبوة، وفي الفترة ذاتها ارتفعت قيمة صادرات الأدوية لتبلغ 447.1 مليون دولار مقارنة بـ354 مليون دولار خلال عام 2023 بزيادة نسبتها 26.1% بسبب انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار الذي منح الإنتاج المصري قدرات تنافسية أعلى.

شهد العام الماضي تداول 3.5 مليار عبوة دواء في مصر مقابل 3.7 مليار عبوة عام 2023 (الصورة - وكالات)
شهد العام الماضي تداول 3.5 مليار عبوة دواء في مصر مقابل 3.7 مليار عبوة عام 2023 (الصورة - وكالات)

الدواء.. تسعير حائر في مصر

يشهد ملف الدواء في مصر جدلًا مستمرًا على مستوى التسعير منذ عقود، وتحديدًا منذ القرار الوزاري رقم 373 لسنة 2009 الخاص بإلغاء لجنة التسعيرة بوزارة الصحة، التي كانت تتولى مراجعة أسعار الأدوية بالشركات، واستبدالها بتسعير الدواء بمصر، بناءً على أقل سعر له في دول العالم، مع خصم %10 من هذا السعر.

ولجأت الحكومة في 2021 إلى إصدار القرار رقم 499، الذي يربط مراجعة أسعار الدواء بالتغيرات في سعر الصرف، ووافقت حينها على زيادات دورية لأكثر من 5500 صنف دوائي، وهو ما اعتبر استجابة كافية لتكاليف التصنيع، لكن الشركات تطلب حاليًا المزيد.

يرى عوف أن التوازن بين تسعير الأدوية والمستهلك يمكن تحقيقه عبر الجهات المعنية بالتركيز على تخفيض التكاليف التي تتحملها شركات الدواء، ما يجنبها زيادة أسعار الأدوية على المستهلكين، عبر تخفيض رسوم الخدمات، الضرائب، الجمارك، وأسعار الطاقة.

الفكرة ذاتها يؤكدها محمود فؤاد، الذي يرى أن الحكومة يمكنها تقديم حوافز بعيد عن رفع أسعار الأدوية حال حدوث ارتفاع في التكاليف، كاحتمالية رفع أسعار الوقود في أكتوبر المقبل.

وتنتج مصر نحو 91% من احتياجاتها المحلية من الأدوية، ما يجعلها واحدة من الدول المتميزة في المنطقة في صناعة الدواء، كما تملك 172 مصنعًا لإنتاج الأدوية و116 مصنعًا للأجهزة الطبية، بالإضافة إلى 4 مصانع للمستحضرات الحيوية والمواد الخام، و120 مصنعًا لمستحضرات التجميل، وتبلغ عدد خطوط الإنتاج في هذه المصانع حوالي 800 خط.

وتراهن الدولة حاليًا على مدينة الدواء التي أُنشئت على مساحة 180 ألف متر مربع، وتضم أكثر من ثلاثة مصانع بخطوط إنتاج متعددة تشمل الأقراص والكبسولات والبودر  والمستحضرات الطبية المتنوعة. وبحسب مجلس الوزراء، فإنه تم توطين 129 مادة فعالة، كانت تكلفة استيرادها 633.7 مليون دولار، كما تم البدء في التفاوض على توطين 30 مادة غير فعالة من إجمالي 280 مادة، تمثل أكثر من 60% من الاستيراد.

مدير مركز الدواء يرى أن المشكلة الأساسية التي تواجه التصنيع المحلي، في المادة الخام التي يتم استيرادها من الصين والهند. فواردات قطاع صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية في مصر سجلت 1.03 مليار دولار (52 مليار جنيه) خلال أول 3 أشهر من 2025.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة