"من يرحل ومن يبقى؟".. شتات البيوت والوطن

منذ السابع من أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة واحدة من أشد الحروب دموية في تاريخه الحديث، لم يقتصر أثرها على القصف والدمار، انقطعت أوصال الأسرة الفلسطينية الواحدة، وتقاسمت الحرب كما لو أنها قدران: قدر البقاء تحت القصف، وقدر الخروج إلى مجهول لا يهادن.

تشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص أي نحو 90% من سكان القطاع قد نزحوا داخليا، كثيرون منهم أكثر من عشر مرات خلال عام واحد.

منذ ذلك التاريخ، لم يعد القرار داخل غزة محصورًا بين "الصمود" أو "الخروج"، بل تحوّل إلى امتحان أخلاقي واقتصادي واجتماعي يطرق أبواب كل بيت: مَن يرحل ومَن يبقى؟ من يحفظ السقف ومن يصون الروح؟

تحت هذا السؤال الكبير، تتوهج قصص أربعة أشخاص تعكس ما صار اليوم ظاهرة اجتماعية ممتدة: أسرٌ ممزقة على الحدود، ثلثاها في نزوح داخلي وثلثها الأخير في دول الجوار. أُسر تتوزع عليها المخاوف والأدوار، وتعيد تعريف ذاتها وسط اقتصاد منهك وممرات معابر مغلقة، لا تُفتح إلا باستثناءات ضيقة.

اقرأ أيضًا: من غزة إلى القاهرة.. حراس التراث الفلسطيني في بلاد المهجر

الأب الذي اختار البقاء: "أمنت أولادي.. وبقيت لمصيري"

في بيت متصدع بذكرياته في غزة، يروي أ.ط 56 عامًا، كيف اتخذ قراره الأصعب، وكيف أخرج أولاده من القطاع عبر معبر رفح، بينما بقي هو في مواجهة الحرب وحده. كان أمام خيارين كلاهما محفوف بالمخاطر؛ إما أن يخرجوا نحو المجهول، أو يبقوا تحت قصف لا يتوقف.

"الموت يلاحقك في كل مكان".. يقول الأب. ومع اشتداد الحرب في شهرها السادس وتهديد القوات الإسرائيلية باجتياح رفح، لم يعد الصمود ممكنًا. لجأ إلى شبكات وسطاء وتنسيقات معقدة مع الخارجية المصرية والفلسطينية، وفي النهاية اضطر إلى محاولة جمع آلاف الدولارات، ضمن مبالغ تتراوح ـبحسب تحقيقات دوليةـ بين 6,000 و12,000 دولار للفرد، حتى يضمن خروج أولاده.

اليوم يعيش وحده، يراقب تعليمهم عن بُعد عبر الإنترنت، ويطمئن إلى مستقبلهم، بينما يعلق حياته على أمل إعادة فتح البنوك وإنهاء إجراءات عالقة في غزة، وربما محاولة الخروج إذا لزم الأمر. ويضيف: "أنا هنا لأضمن أن يبقى لنا شيء في البلد.. أما هم، فسلامتهم أولًا".

واحدة من حكايات مئات الآباء الذين حملوا عبء البقاء وحدهم، قرروا حماية البيت واختاروا ما رأوه الأصوب ويفرضه الواجب.

اقرأ أيضًا: تراهم جميعًا في وجهه.. آلام آلاء النجار

أم غادرت وحدها: "روح مهلهلة ومسؤولية مضاعفة"

في المقابل، قررت ع.ي 46 عامًا، الخروج من غزة إلى مصر هي وأولادها الصغار، بينما بقي زوجها وابنها الأكبر في القطاع. منذ الأيام الأولى للحرب اضطرت عائلتها للنزوح مرات عدة، من غزة إلى خان يونس، ثم المواصي حيث عاشوا في خيام، وصولا إلى رفح.

"كنا بلا شيء.. لم نحمل حتى فراشًا واحدًا"، عندها بدا الخروج هو القرار الأكثر حسمًا، لكن تكلفته الباهظة أجبرت الأسرة على الاقتراض من أقارب بالخارج. وبعد ستة أشهر من الحرب تمكنت من المغادرة مع أولادها. تقول: "المسؤولية صعبة جدًا.. ويبدو إني قوية، لكني منهارة من الداخل"، تعيش اليوم في مصر وتحاول أن تؤمن حياة مؤقتة، لكن قلبها ممزق فزوجها وابنها ما يزالا في غزة، والخوف من ألا يجتمعوا مجددًا يثقل يومها.

مشاعرها تكشف هشاشة الواقع الجديد: لا شيء طبيعي، لا هي ولا هم. بين انقطاع الإنترنت وغياب التواصل، تنام العائلة على كوابيس الفقد، وتصحو على قلق الغربة.

اقرأ أيضًا: على أنقاض غزة: "ربِّ الموتُ أحبُ إليّ من النزوح"

أم أخرى: "كنت باردة.. حتى أدركت حجم الغياب"

ع.ح 35 عامًا، خرجت من غزة مع أطفالها، تاركة زوجها خلفها؛ لم تبكِ في الطريق، بل أصابها برود غريب، وكأنها تعيش خارج جسدها، كل تركيزها كان على حماية أولادها، لكنها كانت تحدث نفسها: "لو لم يلحق بنا زوجي بعد شهر، سأعود".

في مصر، واجهت تحديًا أصعب من القصف: إدارة صدمة الأطفال، كانوا يسألون يوميا: لماذا لم يأتِ جدهم وجدتهم؟ متى سنعود؟ أين أبي؟ تقول: "شعرت أنني ضعيفة جدًا عندما سألتني ابنتي عن أبيها وهي تكبر بعيدًا عنه".

حاولت أن تمنحهم حرية أكبر في البداية لتخفيف خوفهم، لكنها واجهت سلوكيات مضطربة من كوابيس، وعدوانية، وخوف من الأصوات. دعمتها عائلة زوجها قدر المستطاع، لكن ظل شبح الغياب يلاحقها، وكانت تعتقد أن الغياب لن يطول، لكن انتظرت شهورًا قبل أن تترسخ بداخلها مشاعر القلق والذنب.

"الخوف وحدي.. أهون من الخوف مع العائلة"

على الطرف الآخر، يحكي زوجها م.غ 36 عامًا، كيف عاش قرار خروج عائلته أولًا.. يصف الأمر براحة ممزوجة بمرارة: "أهون أن أخاف وحدي من أن أخاف عليهم جميعًا"، بين النزوح المستمر وتدبير الطعام، كانت مسؤولية تأمين سلامة أولاده تثقل كاهله أكثر من أي شيء آخر. حين غادروا شعر بفراغ قاتل، لكنه اعتبر القرار صائبًا: "سلامتهم أولًا".

بعد أشهر من الغياب، تمكن من اللحاق بهم إلى مصر؛ لحظة اللقاء كانت "ميلادًا جديدًا"، كما يقول. ورغم كل التغيرات والضغوط، بقيت علاقته بزوجته متينة، لكنها محكومة بواقع لا ينتهي بين شتات العائلة، وانعدام الاستقرار، وخوف دائم من أن يتحول المنفى إلى قدر دائم.

اقرأ أيضًا: على عربة خضراء.. حُلم فلسطيني يتمدد

تفكك الأدوار وضغط الوصم

تقول الدكتورة إسراء الأخرس أخصائية اجتماعية ونفسية، إن الأسر الخارجة إلى دول الجوار دون معيل تواجه أربع جبهات يومية مثل السكن، والتعليم، والعمل، والدمج المجتمعي. إلى جانب ارتفاع الإيجارات الذي يجعل العثور على مسكن لائق مهمة شاقة لمن استنزفت الحرب مدخراتهم/ن.

غير إدماج الأطفال في مدارس جديدة، فهم يتعثرون بسبب اختلاف المناهج والبيئات، مع نقص المقاعد والقدرات، إلى جانب فرص العمل المحدودة للنساء بسبب قيود الإقامة والقوانين. فيما يتعمق شعور الاغتراب وصعوبة بناء شبكات دعم اجتماعية، وأحيانًا مواجهة التمييز.

تضيف إسراء أن بعض النساء اللاتي خرجن بأطفالهن يواجهن وصمًا اجتماعيًا منها اتهامات ضمنية بالتخلي عن الزوج أو تجاوز الأعراف، بينما تتلقى أخريات تعاطفًا وتقديرًا، وهذا التقييم المتناقض يضاعف الضغط النفسي. مشيروةً إلى أن "التنسيق المدفوع" خلق فجوة طبقية واضحة بين من استطاع الدفع ومن لم يستطع، ما أظهر ضعفًا في روح التضامن، وأنتج حساسية اجتماعية قد تعمق الانقسام داخل المجتمع الغزي في الخارج.

أما على مستوى البنية العائلية، فتلفت الأخصائية الاجتماعية والنفسية، إلى أشكال التشتت بين الداخل والخارج وانقطاع دور العائلة الممتدة في حياة الأطفال، وفقدان شبكة الدعم الطبيعية التي اعتادتها الأسر. ففي احتمالات تأثير الانفصال الطويل القسري على الروابط الزوجية، يحدث فتور عاطفي محتمل، ومشكلات ثقة، واحتمالات انفصال إذا طال الغياب، مع ملاحظة أن التقدير المتبادل والحنين قد يزدادان في بعض الحالات لكنه يبقى محدودًا دون تواصل حقيقي ولم شمل.

وترى الدكتورة إسراء أن هناك غياب واضح لمظلة حماية شاملة تنظم الدعم الإنساني والمجتمعي، ويظهر ذلك في ضعف برامج الدعم النفسي للأطفال الذين عاشوا الصدمة ونقص المساعدات الاقتصادية المستمرة للأسر بلا دخل، وغياب تمثيل اجتماعي أو سياسي لهذه الفئة، وقلة برامج دمج النساء في سوق العمل المحلي بالدول المستضيفة. 

وتوصي بتمكين مؤسسات المجتمع المدني من إقامة مراكز دعم مجتمعي تقدم خدمات نفسية واجتماعية وتعليمية، وبرامج تمكين اقتصادي للنساء، وبرامج دمج مدرسي ومنح وتعليم داعم للأطفال، إلى جانب تفعيل شبكات دعم بديلة مثل مجموعات الأمهات وأندية الأطفال.

صدمات الأطفال وذنب الآباء وإجهاد الأمهات

يشرح الدكتور عبدالله جاسر أخصائي نفسي، أن أطفال غزة الذين انفصلوا عن آبائهم في الحرب يظهر لديهم طيف واسع من الاضطرابات، منها القلق الانفصالي والخوف المفرط من الفقد، غير أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة، والكوابيس واضطرابات النوم. وأحيانًا تبول لا إرادي أو سلوكيات عدوانية. وقد يتطور اكتئاب مبكر بسبب الإحساس بالهجر أو فقدان الأمان. مؤكدًا أنه على المدى الطويل تصبح علاقة الطفل بوالده "هشة" إذا لم يعوض الغياب بتواصل بديل فعال، بينما يمكن الحفاظ على متانة العلاقة إذا شرح الأب أسباب الغياب بطريقة مناسبة لعمر الطفل مع تواصل منتظم.

عن الأم في المنفى، يقول جاسر أنها تحمل أدوارًا مضاعفة في رعاية الأطفال، وإدارة النزوح، والحفاظ على سلامتهم: "ما يؤدي إلى إجهاد مزمن وارتفاع نسب القلق والاكتئاب، ونرى كثيرًا اكتئاب ما بعد الصدمة أو قلقًا مفرطًا يعيق أداء الأدوار اليومية.

"أما الأب الذي بقي في غزة، فيعيش صراعًا داخليًا معقدًا"، بحسب جاسر، موضحًا أن إحساس التضحية لحماية العائلة، وفي الوقت نفسه شعور بالذنب لبعده عنهم وقت الحاجة ما يمكن أن يتطور إلى إحباط أو اكتئاب، خاصةً إذا شعر أن قراره لم يحقق الأمان المرجو.

ويرى جاسر أن لم الشمل يساعد كثيرًا في إعادة بناء الأمان الأسري، لكنه لا يمحو آثار الانفصال الطويل، خاصةً إذا اقترن بصدمات شديدة: "تبقى آثار القلق وفقدان الثقة، لكنها قابلة للمعالجة عبر دعم نفسي منتظم وترميم العلاقة". 

ويوصي بتوفير مساحات آمنة للعب تساعد الأطفال على التعبير وتخفيف التوتر، وتدريب الأمهات على مهارات الدعم النفسي الأولي، وتعزيز التواصل الأسري عن بعد لتقليل شعور الفقدان، والاعتماد على مجموعات الدعم المجتمعي في ظل محدودية الموارد، "الاهتمام بصحة الأم النفسية أساس، فهي العمود العاطفي للأسرة".

اقرأ أيضًا: توني بلير و"اليوم التالي" في غزة: كيف يحاول لاعب الظل رسم الخرائط؟

العائلة بين حدين… وتدبير الأمل

وبالعودة إلى أ.ط، في نهاية الحوار معه، سألناه إن كان يندم؛ صمت قليلًا ثم قال: "الندم كلمة كبيرة.. نحن بين خيارين أحلاهما مر"، بينما تتلمس ع.ي يوما بيوم. تحاول أن تبيع وتشتري وتدبر شؤون أولادها بينما قلبها على غزة؛ أما ع.ح، فتكتب سفرًا من أسئلة الصغيرات وتنتظر أن يطرق الأب الباب، وم.غ يخطط ليوم يعود فيه جميعهم إلى بيت، أي بيت، ولو بعد حين.

ورغم التحديات الاجتماعية والنفسية الهائلة، تظل هناك مساحات صغيرة من الأمل، مكالمة هاتفية، أو لقاء بعد أشهر، أو حتى نجاح بسيط في توفير حياة مؤقتة. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه الأسر تعيش "شتاتًا مزدوجًا"، شتات الوطن، وشتات البيت.

الحرب التي شردت العائلة الواحدة جعلت الفلسطيني/ة في مواجهة سؤالًا وجوديًا يوميًا: "كيف تحافظ على أسرتك حين يتفتت البيت إلى نصفين، نصف تحت القصف، ونصف في المنفى؟".

 

يأتي هذا التقرير ضمن إنتاجات مساق الكتابة الصحفية للنوع الاجتماعي الذي نظمه برنامج "صحافة للإنسان"، أحد برامج مبادرة "نكتب لننجو"، بالتعاون مع فكّر تاني.

تم الاكتفاء بذكر الحروف الأولى من الأسماء حفاظًا على هوية المشاركين والمشاركات في التقرير، استجابةً لطلبهم/ن بإخفاء هوياتهم/ن وصونًا لخصوصيتهم/ن وسلامتهم/ن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة