أمهات في سوق العمل.. وقانون يعاقبهن مرتين

"لو اتكرر الموقف تاني، هستنى لما الشركة توافق.. مضطرة أفضل أتحايل عليهم علشان ميخصموش علاوة غلاء المعيشة.. لو معايا وأقدر أستغنى، كنت خدت اليوم غياب".

بهذه الكلمات، تلخص دعاء المعادلة المستحيلة التي تعيشها يوميًا. تبدأ رحلتها يوميًا في السادسة والربع صباحًا مع أتوبيس الشركة، لتصل إلى مصنعٍ تحتسب فيه الدقيقة تأخير بخصم نصف يوم عمل.

أما ساعة الرضاعة التي يمنحها القانون، تختزلها الإدارة في نصف ساعة فقط في نهاية اليوم، متجاهلةً أن دعاء أم لتوأم، ومن حقها ساعتان كاملتان. هذا هو النظام الذي يجبر الأمهات على الاختيار بين أطفالهن ولقمة العيش.

ظروف عمل قاسية وغياب للرقابة

لمدة ثلاث ساعات، ظلت دعاء تستجدي مديرتها للحصول على إذن بالخروج، ثلاث ساعات انتهت بوفاة طفلتها الرضيعة بين ذراعيها عند بوابة الشركة.

تحكي دعاء محمد التي تعمل بقسم التفصيل، لـ فكّر تاني، أن المفارقة المؤلمة أن من رفضت خروجها هي مديرة قسم التخطيط، وهي أم أيضًا. لكنها، كما تقول دعاء بمرارة، "بالتأكيد تحصل على راتب يمكنها من توفير جليسة أطفال أو حضانة في مستوى عالٍ".

هذا هو العالم الذي تضطر دعاء للعمل فيه براتب لا يتجاوز 4500 جنيه، لإعالة أربعة أطفال أكبرهم لم يتجاوز الحادية عشرة، وتقول: "علشان ماضطرش أمد إيدي وأستلف من حد كل شهر.. خصوصًا في الحالات الطارئة زي مرض حد من ولادي".

غياب يوم واحد لا يعني فقط خصم أجر اليوم مضاعفًا، بل يعني أيضًا اقتطاع "علاوة غلاء المعيشة" البالغة 1000 جنيه بالكامل، وهي سياسة لا تتسامح مع أي ظرف طارئ، فيُخصم بالكامل في حال الغياب ليوم واحد زيادة، وخصم أجر اليوم مضاعفًا "اليوم بيومين". ويصل التحايل إلى إجازة الوضع نفسها. فبعد ثلاثة أشهر قضتها دعاء براتب 700 جنيه فقط، عادت لتكتشف أن الشركة تماطل في صرف باقي مستحقاتها، بالمخالفة الصريحة لقانون العمل.

"مافيش لائحة معلنة، ولم نكن نعرف حقوقنا"، هكذا تصف دعاء حالة الجهل التي فرضتها الإدارة عليهن، والتي لم تنكشف إلا بعد تدخل وزارة القوى العاملة، ليكتشفن أن الشركة كانت تتلاعب حتى في أموال التأمينات الخاصة بإجازة الوضع.

ورغم وجود حضانة بالشركة، إلا أنها لا تقبل الأطفال قبل سن السنة، مما يترك الأمهات في مأزق لا حل له. لهذا، رفضت دعاء عرضًا ماليًا قدمته الشركة مقابل التنازل عن قضيتها، مؤكدة أنها لا تثق في إدارة لديها تاريخ طويل من التراجع عن وعودها.

لم تكن مأساة دعاء حادثة فردية، بل جزء من نمط ممنهج من التعسف، تؤكده واقعة أخرى مُنعت فيها زميلة لها من التواجد مع ابنها أثناء خضوعه لعملية جراحية صعبة.

القانون يرسخ لمأساة العاملات

مأساة "دعاء" هي النتيجة الحتمية لنظام يخذل الأمهات العاملات، نظام "شارك فيه القانون نفسه وساهم في ترسيخه"، هكذا تبدأ مي صالح استشارية النوع الاجتماعي ومديرة برنامج النساء والعمل بمؤسسة المرأة الجديدة، حديثها لـ فكّر تاني.

وتوضح أن معاناة النساء في سوق العمل تبدأ من اللحظة الأولى؛ من إعلانات الوظائف التي تقتصر على الذكور، مرورًا بفجوات الأجور والحرمان من الترقي، وصولًا إلى "تسريح بعضهن من العمل لمجرد خطبتهن أو اقتراب موعد زواجهن". كل هذه التحديات، كما تقول مي صالح، تواجهها المرأة "لمجرد كونها امرأة".

استشارية النوع الاجتماعي/ مي صالح

لكن معاناة الأمهات العاملات، بحسب مي، هي "الوجه الآخر والأكثر سوءًا لهذه القضية"، لأن أثرها يمتد ليشمل الأم والطفل معًا، وكانت واقعة دعاء هي الدليل الكاشف لهذه المأساة.

وتشير استشارية النوع الاجتماعي، إلى أن القانون ونصوصه الحالية تضع "شرطًا تعجيزيًا" يلزم المنشآت التي تضم 100 عاملة فأكثر بتوفير حضانة. "وبما أن 90% من منشآت العمل في مصر لا تصل لهذا العدد، فإن القانون يفتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب الأعمال للتحايل والتنصل من مسؤولياتهم".

وتضيف أن "الكارثة الكبرى" تكمن في الفجوة بين ما يعد به الدستور من دعم للمرأة العاملة، وبين الواقع الذي لا يُترجم فيه هذا الوعد إلى قوانين أو قرارات تنفيذية. "لا توجد أي ضمانات حقيقية لتنفيذ هذه الحقوق على أرض الواقع".

كما يتجاهل القانون، وفقًا لمي، اتفاقيات دولية هامة مثل اتفاقية  156 لسنة 1981، والتي تعترف بالعمال ذوي المسؤوليات العائلية، وتلزم بدعمهم نفسيًا واجتماعيًا، سواء كانوا يرعون أطفالًا أو كبارًا في السن.

وتختتم مي تحليلها بالتأكيد على أن غياب فلسفة عادلة في التشريع هو ما "يجبر امرأة على التحايل على مشرفتها لتتمكن من أخذ ابنتها المريضة إلى الطبيب، خوفًا من خصم يطال راتبها الهزيل، وقد تكون النتيجة مأساوية".

تكرار الحمل = فصل من العمل

لم تكن دعاء وحدها من تدفع ثمن أمومتها. ففي إحدى شركات السياحة، وجدت "م.م" نفسها في مواجهة مباشرة مع الإدارة، التي حاولت إجبارها على تقديم استقالتها لمجرد حملها في طفلها الثاني، كيف استغلت مديرة الموارد البشرية -للضغط عليها- صدور قانون العمل الجديد "14 لسنة 2025"، وقرار وزير العمل الذي يضع ضوابط الاستقالات المقدمة من العمال.

تحكي "م.م"، والتي فضلت عدم ذكر اسمها خوفًا من المزيد من التعسف لـ فكّر تاني، أن:  "الإدارة اعتمدت على إني معرفش القانون وشروط تقديم الاستقالات، ولما رفضت، لجأت الإدارة إلى ‘وعود واهية‘ بإعادة تعيينها بعد الولادة إذا توفر مكان لها". 

والمفارقة أن "م.م" تعمل في الشركة منذ ست سنوات في خدمة العملاء، بعقد غير محدد المدة، وحصلت على إجازة وضع مرة واحدة فقط. لكن مع تكرار الحمل، قررت الإدارة "التخلص منها" بالالتفاف على القانون. 

وهذا النمط من العقاب المهني للأمومة ليس استثناءً. سعاد -اسم مستعار، وهي مهندسة بإحدى الشركات، واجهت شكلًا آخر من التعسف بعد عودتها من إجازة الوضع.

تحكي سعاد لـ فكّر تاني، أن الإدارة حاولت تسريحها مباشرة، وحين أشارت أنها سوف تسلك الطريق القانوني، كان الرد عقابيًا، فقد قامت الشركة بنقلها من قسم المشتريات إلى العمل بالموقع، في الشارع!! وهو ما يجبرها على قضاء وقت طويل بعيدًا عن طفلها الرضيع.

نصوص القانون وحدها لا كافية

يتضمن قانون العمل الجديد موادًا في ظاهرها حماية للنساء، "لكنها في جوهرها لا تمثل حماية حقيقية"، تقول أمل عبد الحميد مديرة برنامج المرأة بدار الخدمات النقابية والعمالية، لـ فكّر تاني، وتؤكد أمل أن هذه المواد في حقيقتها لا تخدم العاملات بقدر ما تفرض عليهن قيودًا. وتضرب مثالًا بالنصوص التي تمنح وزير القوى العاملة سلطة حظر عمل النساء في مهن معينة.

"كان الأولى بدلًا من الحظر، توفير الحماية اللازمة لهن في أماكن العمل، لأنهن في الواقع يعملن في هذه المهن بالفعل، لكن مثل هذه القرارات لا تُلزم أصحاب العمل بتوفير الحماية".

د.أمل عبد الحميد
الدكتورة أمل عبد الحميد

وينطبق الأمر نفسه على النص الذي يمنع النساء من العمل ليلًا. وتوضح أمل أن هذا الإجراء ليس حماية، بل هو تقييد لفرص العمل، خاصةً وأن قطاعات حيوية مثل التمريض والسياحة والمصانع تعتمد على عمل النساء في نوبات ليلية.

"المشكلة ليست في العمل الليلي، بل في غياب الأمان. والحل في توفير وسائل مواصلات آمنة، وإنشاء دور حضانة، وليس في منعهن من العمل".

وتنتقل أمل للحديث عن التحديات على أرض الواقع، فتوضح أن معظم الحضانات التي توفرها الشركات تشترط ألا يقل عمر الطفل عن سنة، ما "يترك الأم في مأزق خلال السنة الأولى من حياة طفلها".

أما ساعة الرضاعة، فهي تحدٍ آخر. فإما لا تُمنح أصلًا، أو تُعطى في نهاية اليوم، فتصبح بلا قيمة عملية، كما تؤكد أمل: "فلا يمكن للأم أن تذهب لإرضاع طفلها في مكان خارج الشركة ثم تعود مرة أخرى".

وتطالب أمل بآليات واضحة لتنفيذ القانون وفرض عقوبات على المخالفين، محذرةً من المفارقة القاسية التي تعيشها النساء: "ما يحدث الآن أن المرأة التي تحصل على إجازة رعاية طفل تُحرم من الترقية أو تولي مناصب قيادية، وكأننا نعطيها حقًا بيد ونسلبه منها باليد الأخرى".

وتختتم حديثها بمطالب محددة، على رأسها تعديل شرط إنشاء الحضانات ليصبح إلزاميًا للمنشآت التي تضم 50 عاملًا وعاملة، "لأن الرجل مسؤول أيضًا عن رعاية أطفاله"، بالإضافة إلى توفير مواصلات آمنة، وتوسيع نطاق هذه الحماية لتشمل "القطاع غير المنظم الذي لا يراه أحد".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة