العالم بدون "أدولف نتنياهو" 2-2

مثلما سقط "هتلر" في شر أعماله، وسقطت معه هرطقات تفوق العرق الآري، وانتهت مغامراته العسكرية إلى تقسيم ألمانيا المهزومة والذليلة بعد احتلال عاصمتها؛ برلين، إلى شرقية وغربية، فإن ما يقترفه نتنياهو اليوم، سيُفضي حتميًا إلى سقوطه وسقوط دولته الإجرامية.

قد يبدو ذلك هتافًا شعبويًا، يدغدغ العواطف العربية، في لحظة بائسة وحالكة بدرجة غير مسبوقة من تاريخنا، وقد يعدّه البعض حقنة مخدرات يحقنها الكاتب في شرايين القراء، وقد يقولن محبط: إن تفوق دولة الاحتلال عسكريًا، على إثر دعم القوى الإمبريالية، وفي الصدارة منها الولايات المتحدة، لن يجعل هذا الحلم الجميل حقيقة أبدًا.

لكن التشابه بين "هتلر" و"نتنياهو"، وبين النازية والصهيونية، يجعل من ذلك احتمالًا قائمًا، وربما مرجحًا في ضوء معطيات الواقع المجردة، لا الأماني أو أحلام العصافير، ولا حتى الغيبيات والنبوءات ومنها بالمناسبة نبوءات إسرائيلية، على غرار لعنة العقد الثمانين، التي لا ينبغي التعاطي معها إلا في إطار السخرية والتفكه.

بالعودة إلى ملابسات سقوط النازية، يتبدى أن "هتلر" كان ارتكب قبل نحو ثمانين عامًا، ما يرتكبه "نتنياهو" اليوم، إلى درجة تبدو معها أن روح النازي الألماني البائد قد حلَّت في جسد النازي الصهيوني الحاضر.

حرب الكل ضد الكل

كان بوسع "هتلر" أن يتفادى هزيمته، وكان واردًا أن يخرج من  الحرب العالمية الثانية مبكرًا، وعلى رأسه أكاليل الغار، غير أنه مضى كالملتاث يبدد الفرصة تلو الفرصة، مستغرقًا في "حرب الكل ضد الكل"، وفق تعبير الفيلسوف الإنجليزي؛ "توماس هوبز".

بعد غزو جيش "الرايخ" الألماني بولندا، أتيحت الفرصة الأولى، لكن الكبرياء والصلف ضيعها؛ رفض "الفوهرر" التفاوض مع بريطانيا وفرنسا، على انسحاب جزئي، مشددًا على أنه لن يقبل إلا بـ"النصر الكامل".

لم تكن لندن وباريس آنذاك متحمستين لحرب واسعة، لكن "هتلر" أبرق للسفير البريطاني في برلين آنذاك؛ "نيفيل هندروسون": "لن أسمح بعد اليوم أن يُملي عليَّ أحد ما أفعله، لقد انتهى زمن التنازلات".

التشبث بالخروج بالمكتسبات كلها، دفع القوتين الأوربيتين إلى التخلي عن تحفظاتهما، إذ ألفيتا أنهما بمواجهة السؤال الشكسبيري: "أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة".

في تمعن خطابات هتلر، يحضر نتنياهو، والعكس صحيح.

النصر الكامل هي هي العبارة، يرددها "نتنياهو" منذ عملية طوفان الأقصى، ورفض الإملاءات هو منطقه، الذي يتشدق به في إطار ادعاءاته بأنه سيعيد تضبيط خرائط المنطقة، بما يناسب مقاييس ومقاسات إسرائيل بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، وبمنأى عن مصالح الحلفاء أو غضب الأعداء.

كانت فرصة الهدنة بعد دخول جنود الرايخ بولندا، سترحم الإنسانية من خسائر الأرواح التي بلغت على مدى سنوات الحرب، ما يتراوح بين 70 و85 مليونًا، نحو 10% منهم كانوا من العسكريين والمدنيين الألمان، وفق إحصاءات المؤسسة الألمانية لرعاية مقابر قتلى الحرب، والتي تهتم بحفظ وصيانة مقابر الجنود الذين قضوا في الحروب داخل أو خارج الأراضي الألمانية.

تبديد الفرص.. الانتصارات التي مهدت للهزيمة

ولم يكن رفض الهدنة بعد احتلاله النمسا هو الفرصة الوحيدة التي بددها غرور النازي، فبعد انتصاره الساحق على فرنسا واحتلاله أراضيها، سعى تيار بريطاني يقوده اللورد "هاليفاكس" إلى التواصل مع برلين لإبرام تسوية.

كانت التسوية ستُعقد بغير مراء وفق الأوضاع القائمة على الأرض، وبحسب ميزان القوى الذي تفرضه هزيمة فرنسا؛ كذلك هي قوانين التفاوض بعد الحروب: المنتصر يملي شروطه، لكن عليه أن يتجنب إذلال المهزومين إذلالًا يدفعهم إلى خوض حرب اليائسين.

غير أن "هتلر" طرح شروطًا مذلة، لم تُهِنْ الكبرياء الوطنية الفرنسية فحسب، بل توخى إذلال بريطانيا "التي كانت عظمى"، إذ طلب وقوفها على الحياد، فيما يمضي هو قدمًا في شن الحروب التوسعية، بغير رادع شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا بالقارة العجوز.

كان يطرح الشروط من منطلق أنه "القادر دون منازع"، مصرًا على إعادة ترسيم خرائط أوروبا الجيوسياسية، فإما أن يستسلم الحلفاء طوعًا استسلامًا غير مشروط، وإما أن يحطمنهن تحطيمًا، فيستسلمون رغم أنوفهم استسلامًا مذلًا مهينًا.

إزاء نبرته المتعجرفة، تراجعت الأصوات البريطانية التي كانت تميل إلى التفاوض، وانبرى رئيس الوزراء البريطاني التاريخي "تشرشل" خطيبًا في مجلس العموم: "لن نتوانى لحظة عن أداء واجبنا، سوف نقاتل في البحار والمحيطات، وفي الجو بثقة متزايدة، وفي فرنسا وعلى أرضنا وفي كل مكان، سوف نحمي جزيرتنا مهما كلَّف الأمر، ولن نستسلم أبدًا".

مغامرة غزو الاتحاد السوفيتي.. بداية النهاية

وامتدت نيران الحريق الأوروبي، لكن الجيش الألماني بقي متحكمًا بزمام المبادرة العسكرية، الأمر الذي نفخ في غرور "هتلر" أكثر، فإذا به يصعَّر خده بعد ذلك بعام، لتحذيرات مستشاره العسكري "هالدر"، من مغامرة فتح الجبهة الشرقية، بخطته غزو الاتحاد السوفيتي.

من المفارقات أن "نتنياهو" أيضًا يأبى الاستجابة لتحذيرات قادة جيشه، إزاء التورط في احتلال غزة.

صورة من مظاهرة في إسبانيا لنتنياهو ويداه ملطختان بالدماء في إشارة إلى حرب الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة (رويترز)
صورة من مظاهرة في إسبانيا لنتنياهو ويداه ملطختان بالدماء في إشارة إلى حرب الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة (رويترز)

بعد ذلك رفض "هتلر" مرة ثانية مبادرة بريطانية لوقف الحرب، مدَّعيًا أنه سيقاتل الجيش الأحمر لتأمين ما سماه "المجال الحيوي الألماني".

ها هو نتنياهو يحضر مرةً ثانية، حين يؤكد أنه سيحارب أعداء إسرائيل في كل مكان، ولن يتوانى عن ذلك تحت أي ضغوط، متشبثًا بما تسمى "عقيدة بن جوريون": الدفاع العدائي، وتعني شن الحروب خارج المجال الاستراتيجي لإسرائيل، ذلك أنها لا تطيق حربًا بداخلها، نظرًا لاعتبارات المساحة وقلة عدد السكان.

نعم.. إن هذا الديكتاتور السفاح الراهن، هو ذاك الديكتاتور السفاح الغابر.

وحتى بعد تورط النازي في "ستالينجراد"، ومع إبداء الحلفاء استعدادهم رفع الرايات البيضاء، أول الأمر وتحديدًا عام 1943، رفض أي هدنة وتمسك بالقتال إلى النهاية.

لكن القتال إلى النهاية وشعار "النصر الكامل" سقاه كأس الهزيمة المرة.

ابتلعت ثلوج روسيا والكوليرا والمجاعة معًا جنوده، ومع ذلك رفض هدنة أخيرة كانت بمثابة طوق النجاة، وسبقت بأشهر دخول قوات الحلفاء برلين، على وقع مقولته: "إما يقاتل الجنود وإما يفنى الشعب الألماني".

واضح أنه كلما مضينا قدمًا في تمعن محطات الهزيمة الألمانية، تتجلى أكثر التشابهات بين النازي الألماني والنازي الصهيوني، وهو تشابه لا يقتصر فقط على المرجعيات الفكرية الإلغائية المجرمة، بل يمتد إلى سلوكهما في مواقف ومحطات متماثلة.

إسرائيل على الطريق الألماني.. إلى الهاوية

لا حرب بغير نهاية، وحين تحاصر عدوك في زاوية ضيقة، فلا تتوقعن منه ألا يدافع بكل الوسائل عن بقائه.

كانت ألمانيا أقوى بمراحل من الحلفاء، لكنها كانت تمضي في الحرب بغير خط رجعة، وبغير عقل سياسي استراتيجي، تحت قيادة ديكتاتور دموي مغرور، آل به الحال إلى الانتحار مع أفراد أسرته، وانتهت بلاده إلى القبول رغم أنفها بشروط استسلام موجعة.

هل وارد أن يحدث ذلك مع نتنياهو وإسرائيل؟

الأرجح أنه سيحدث بصورة أكثر دراماتيكية، فألمانيا رغم هزيمتها تبقى أمة عظيمة ذات شعب أصيل على أرضه، وبذلك سرعان ما استنهض قواه الداخلية وعمل على مداوة جراح الهزيمة، فانطلق يحقق معجزة تنموية مذهلة، حتى التئمت الألمانيتان بالوحدة في مطلع التسعينيات، وشاهد العالم بأسره انهيار جدار برلين، فيما لا تملك إسرائيل مقومات النهوض لأنها ببساطة دولة من شذاذ الآفاق الذين لا ينتمون إلى المكان حضاريًا أو ثقافيا أو سياسيًا.

منذ أيام دوَّن الكاتب مأمون فندي على صفحته على "فيسبوك": إنْ مَنْ يظن أن إسرائيل ما زال في جعبتها أكثر مما فعلته بالمنطقة فهو واهم.. قلتُها مرارًا وتكررًا: إسرائيل دولة متخلفة، وبدون السلاح والدعم المالي الأمريكي، فلن تزيد عن أن تكون مثل جيبوتي والصومال".

ما من اعتراض على كلام الكاتب الكبير، ولا تحفظ باستثناء وصفه الصومال وجيبوتي، فكلتاهما دولة عربية تنتمي إلى محيطهما الإقليمي والجغرافي، وهما شقيقتان لهما كل الاحترام، على حين أن إسرائيل كيان سرطاني لقيط، يستحيل أن يبقى في الجسم العربي.

واقع الأمر أن إسرائيل منذ انطلاق عملية "طوفان الأقصى" الباسلة، وهي على أجهزة الإعاشة الاصطناعية التي يوفرها لها الحليف الأمريكي، فضلًا عن التهافت العربي المهين.

مظاهرة في تل أبيب أول أمس السبت لمطالبة نتنياهو بإنهاء الحرب وإبرام صفقة لتبادل الأسرى (رويترز)
مظاهرة في تل أبيب أول أمس السبت لمطالبة نتنياهو بإنهاء الحرب وإبرام صفقة لتبادل الأسرى (رويترز)

ما من دولة يمكن أن تبقى على قيد الحياة، لمجرد أن قوة خارجية تدعمها، أو لأن أعداءها الإقليميين لا يؤدون واجب اللحظة التاريخية، ولا يتصدون للتهديدات التي يمثلها وجودها وسطهم.

مسألة سقوط إسرائيل هي مسألة وقت، والمؤكد أن العالم سيغدو مكانًا أفضل بكثير من دون نتنياهو وأمثاله.

ستزول إسرائيل في وقت لا نعلمه، لكنه يقترب سريعًا برغم ما تبدو عليه من وحشية، أو بالأحرى بقدر ما هي عليه من وحشية.

هذا المعنى يؤكده الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري: "كلما أمعنت إسرائيل في جرائمها، كلما أيقنت أن نهايتها تقترب".

حتمًا ستسقط إسرائيل، فالنزعة الهتلرية ستقودها إلى مهاوي الردى، وتلك سنن التاريخ التي لا تتبدل أبدًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة