حين أتأمل وجوه النساء في مجتمعي، أرى تاريخًا طويلًا من الصمت أحيانًا، ومن التحدي أحيانًا أُخَر، كنتُ دائمًا أتساءل: لماذا يُنظر إلى السياسة وكأنها ساحة حكر على الرجال؟ ولماذا تُقصى نصف الطاقة البشرية عن صناعة القرار؟
بالنسبة لي، تمكين المرأة سياسيًا ليس مجرد شعار أو مطلب حقوقي، بل هو إيمان راسخ بأن صوت المرأة جزء مفقود من معادلة العدالة والتنمية.
فكلما جلستُ لأتخيل برلمانًا أو مجلسًا بلا نساء، شعرت أن اللوحة ناقصة، وأن القرارات تُتخذ بألوان باهتة.
التمكين السياسي للمرأة
تمكين المرأة سياسيًا هو أن نصنع مستقبلًا أكثر اتزانًا، حيث تُسمع كل الأصوات، ويُعترف بأن المشاركة السياسية حق وليست منحة.
لا شك أن تمكين المرأة هو أحد الركائز الأساسية لبناء مجتمعات قوية ومتقدمة، فهو لا يقتصر فقط على منح المرأة حقوقها الأساسية، بل يشمل تمكينها في جميع مجالات الحياة: الاجتماعية، الاقتصادية، التعليمية، والسياسية.

فالمرأة ليست مجرد فرد في المجتمع، بل هي شريك فاعل في صنع القرار وتحقيق التنمية المستدامة. ومن خلال دعم القيادات النسائية، وتوفير الفرص المتساوية لهن، وتهيئة بيئة تشريعية واجتماعية عادلة، يمكن للمجتمع أن يستفيد من قدرات المرأة الكاملة، وتزداد فرص الابتكار والإبداع والتقدم.
تمكين المرأة سياسيًا يعني زيادة مشاركتها في عملية صنع القرار، وضمان أن تكون أصواتها مسموعة، وأن تلعب دورًا فاعلًا في صياغة السياسات التي تؤثر على حياتها وحياة أسرتها وحياة الأجيال القادمة.
ركيزة للعدالة الاجتماعية
لم يعد تمثيل المرأة في مجلسي الشيوخ والنواب أمرًا ترفيهيًا أو شعارات انتخابية، بل أصبح ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ مبادئ الديمقراطية.
وجود المرأة داخل المجلس هو إضافة نوعية باعتبارها نصف المجتمع وعضوًا فعالًا ومؤثرًا في صناعة القرار.
وإن كان الواقع يثبت أن العقبات كثيرة، وأن الأمر ليس مفروشًا بالورود، فإن المجتمع ما زال يحمل صورًا نمطية تقلل من فرص خوض المرأة لهذه التجربة.

وما زالت المرأة تعاني من قلة الدعم من الأحزاب والمجتمع ككل. وقد يقف التمويل الانتخابي عائقًا أمام مشاركتها، فضلًا عن تحديات أخرى كغياب التدريب الكافي، أو ضعف الوعي السياسي لدى شرائح واسعة من النساء.
كما أن العنف الرمزي واللفظي الذي تتعرض له بعض المرشحات يمثل تحديًا خفيًا لا يقل أثرًا عن المعوقات المادية.
مسارات حلول متعددة
الحلول تبدأ من وجود إرادة سياسية حقيقية تضمن للمرأة مقاعدها من خلال "كوته" حقيقية لا شكلية، قائمة على اختيارات نسائية واعية ومعبّرة.
ولا يمكن أن نغفل دور التأهيل والتدريب للنساء الطامحات في التمثيل النيابي، وكذلك العمل على تغيير ثقافة المجتمع تدريجيًا لتصبح مشاركة المرأة أمرًا طبيعيًا وحتميًا.
المشاركة النسائية ليست منحة لإكمال الصورة، بل استحقاقًا وطنيًا جوهريًا. ولكي نزيد من فرص فوز النساء بأكبر عدد ممكن من المقاعد في انتخابات مجلس النواب، هناك استراتيجيات متعددة يمكن تبنيها:

أولًا: التوعية السياسية، وذلك عبر تعزيز وعي المرأة بحقوقها السياسية والاجتماعية، وتثقيفها بالقضايا التي تمسها وتمس أسرتها.
ثانيًا: دعم المرشحات ماليًا ومعنويًا، وتوفير برامج تدريبية متخصصة لتمكينهن من أدوات العمل البرلماني والحملات الانتخابية.
ثالثًا: الترويج الإعلامي، بحيث يتم استخدام وسائل الإعلام التقليدية والجديدة لتسليط الضوء على المرشحات وإبراز كفاءتهن.
رابعًا: بناء التحالفات بين النساء والمنظمات النسائية، والعمل مع الأحزاب السياسية لدعم وجود المرشحات بجدية، وتوسيع شبكات الدعم المجتمعي حولهن. لدينا بالفعل أمثلة ناجحة في مصر، حيث تم تخصيص 25% من مقاعد مجلس النواب للمرأة، مما أدى إلى زيادة تمثيلها داخل البرلمان.
تجارب ثرية
كما يمكن الاستفادة من التجارب الدولية؛ ففي رواندا، مثلًا، تصل نسبة تمثيل النساء في البرلمان إلى أكثر من 60%، وهو ما جعلها نموذجًا عالميًا في مشاركة المرأة. وفي كندا، اتخذ رئيس الوزراء جاستن ترودو قرارًا تاريخيًا بتشكيل حكومة نصفها من النساء، ليؤكد أن التوازن بين الجنسين ليس حلمًا بل ممارسة سياسية ممكنة.

وفي ألمانيا، أثبتت أنجيلا ميركل خلال 16 عامًا من الحكم أن القيادة النسائية قادرة على الجمع بين الحزم والعقلانية. وفي نيوزيلندا، قدمت جاسيندا أرديرن مثالًا استثنائيًا في إدارة الأزمات، حين واجهت الهجمات الإرهابية وجائحة كورونا بروح إنسانية وقرارات حاسمة.
ولا يقتصر الأمر على الغرب وحده؛ ففي العالم العربي، أحرزت المرأة خطوات ملهمة. في تونس، مثلًا، كان الدستور الجديد من أوائل الدساتير العربية التي نصت صراحة على مبدأ تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في الحياة السياسية.
وفي الإمارات، وصلت نسبة تمثيل النساء في المجلس الوطني الاتحادي إلى 50%، وهو ما جعلها من الدول الرائدة إقليميًا في هذا المجال.
هذه التجارب تمنحنا الدليل على أن الطريق، رغم صعوبته، ليس مستحيلًا، بل يتطلب إرادة حقيقية وتعاونًا صادقًا بين الدولة والمجتمع.
بناء شبكات دعم وتحالفات
كما ينبغي طرح نصائح عملية للمرشحات أنفسهن، مثل التركيز على القضايا التي تهم النساء بشكل مباشر (كالتعليم، والصحة، وحماية الأسرة)، وبناء شبكات دعم وتحالفات مع مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية.

كذلك من المهم الاستفادة من الدعم الإعلامي، وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى شرائح أوسع من الناخبين، خاصة الشباب، إذ يشكلون الكتلة التصويتية الأكبر في كثير من المجتمعات.
ومن خلال مخاطبة هذه الفئة الحيوية، تستطيع المرشحات ليس فقط الفوز بالمقاعد، بل أيضًا كسب ثقة جيل جديد يؤمن بأن السياسة ليست حكرًا على أحد.
تحديات عدة
رغم أن التحديات لا تزال قائمة، من ضعف التمويل، إلى الصور النمطية، إلى غياب الدعم الحزبي الكافي، لكن الأمل يكبر مع كل تجربة ناجحة، ومع كل صوت نسائي يدخل ساحة القرار.

تمكين المرأة في البرلمان ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية وسياسية لبناء مجتمع متوازن، ديمقراطي، وعادل.
وحين أصل إلى نهاية هذه الأفكار، يزداد يقيني أن الطريق نحو مستقبل أكثر عدلًا لا يكتمل إلا بوجود المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجل في ساحة القرار.
إن تمكين المرأة سياسيًا ليس مطلبًا مرحليًا، بل هو أساس لبناء وطن يرى كل أفراده فيه انعكاسًا حقيقيًا لهم. وكل امرأة تصل إلى موقع قيادي، إنما تفتح الباب لغيرها وتكتب سطرًا جديدًا في قصة المشاركة والعدالة.
ربما ما زالت التحديات قائمة، لكن الأمل يتجدد مع كل خطوة، ومع كل تجربة انتخابية جديدة، ومع كل صوت نسائي يعلو في المنصة.
عندها فقط يكتمل المشهد، ويغدو الوطن بحق وطنًا لكل أبنائه وبناته.