إيمان يوسف: صورة المرأة السودانية في الإعلام لا تعبر عن واقعها

وسط المشهد الفني السوداني، تتوهج ملامح جديدة تحمل في طياتها الوعي، والموهبة، والمسؤولية، في الغناء والشعر والسينما، وتأتي إيمان يوسف في مقدمة هذه الوجوه التي تعيد تعريف الفن كأداة للتعبير والمقاومة.. بخطى واثقة، شقّت طريقها من خلفية بعيدة تمامًا عن التمثيل، لكنها حملت في داخلها شغفًا ظل حيًّا رغم كل التحولات، ورحلتها لا تشبه المسارات المألوفة؛ إذ وُلدت من تقاطعات الثورة، والأسرة، والمسرح، والشارع، وأصبحت صوتًا لنساء لا تُسمَع أصواتهن، ومرآةً لوجدان ظل طويلًا خارج الكادر.. في حضورها، تتجلى هوية سودانية متصالحة مع انفتاحها، وفي أعمالها نلمح ملامح وطنٍ يبحث عن خلاصه..

إلى نص الحوار..

مشاركتها خلال الثورة في السودان
  • أنتِ من الوجوه النسائية البارزة في المشهد الفني السوداني، لكن ما الذي ساهم في تشكيلك كفنانة؟ ومن هي الشخصيات أو اللحظات التي أثرت فيك؟

في الحقيقة، المرأة السودانية تحمل ذاكرة ممتدة من النضال والوعي.. عبر العقود، واجهت السلطة والمجتمع بأشكال متعددة، منها الفن، الذي مثّل وسيلة خفية وفعالة للتعبير.. خلال الأربعينيات مثلًا، ظهرت “عائشة الفلاتية” التي غنت على موجات الإذاعة وسط اعتراضات مجتمعية شديدة، وكانت أول امرأة تدخل هذا المجال العام بهذه الجسارة، وأصبح صوتها مألوفًا في البيوت والمعسكرات، ودعمت الجنود السودانيين خلال الحرب، وغنت للأرض والبسطاء.. مع الوقت أصبح صوتها شهادة على وعي نسوي مبكر.

وخلال ثورة ديسمبر، خرجت النساء في طليعة الصفوف بشجاعة مبهرة، ومشهد الفتاة التي تعلو سيارة وسط الهتافات لم يكن استثناءً، ولكنه تعبير عن روح عامة.. كثيرات منهن قدن المظاهرات وأنا من بينهن، وأنا أعد من إحدى أيقونات الثورة في السودان في الصفوف الأولى، وكثيرات أيضًا نظمن الجموع، وتحملن أعباءً جسيمة في مواجهة القمع والملاحقة.. فالثورة عندنا تشكلت من تراكمات طويلة مارست فيها النساء دورًا قياديًا بصمت، حيث لم تتراجع الخطى أمام التهديد أو التنميط للمرأة، واشتد الوجود النسائي في الشوارع.

وتستكمل: في الريف كما في المدن، تنشأ تحولات تقودها نساء يعِدن صياغة العلاقة بين الأدوار التقليدية والعمل العام.. تعمل كثيرات في الزراعة، التعليم، والرعاية المجتمعية، ويبتكرن حلولًا محلية تناسب احتياجات المجتمع.. تنتج هذه التجارب وعيًا جديدًا، يُبنى من داخل الحاجة والتجربة.. المشروع النسوي السوداني يتشكل يومًا بعد يوم في التفاصيل اليومية، وقوة هذا المشروع تأتي من اتساعه وامتداده عبر طبقات وبيئات متعددة.. بهذا التنوع، يفرض الوعي نفسه، ويصير التغيير واقعًا.

  • هل تتذكرين متى شعرتِ لأول مرة أن التمثيل لم يعد مجرد مجال تعملين فيه، ولكن مساحة تعبّرين فيها عن ذاتك بصوت خاص ومختلف؟

أتذكر أنه في فيلم “وداعًا جوليا” للمخرج محمد كردفاني، جسدتُ شخصية “منى”، وهي امرأة شمالية تعيش في صراع داخلي بعد تورط زوجها في قتل رجل جنوبي.. تحاول منى أن تخلص نفسها من عبء الذنب، فتقرر استضافة زوجة الضحية، “جوليا”، داخل بيتها.. هذا القرار لم يكن بسيطًا، إذ كان اختبارًا قاسيًا للضمير والإنسانية، والعلاقة بين منى وجوليا لم تتأسس على التعاطف السهل، ولكن على التوتر، والاعتراف، ومحاولة فهم الآخر المختلف.. شخصية منى تحمل داخلها تناقضات امرأة تبحث عن خلاص في وجه حقيقة تؤلمها، وشعرت أنني لا أؤدي دورًا، ولكنني بالأحرى أواجه مرآة لواقع نعرفه جميعًا، وكل مشهد كان مساحة صادقة لكشف ما لا يقال.

وبالنسبة لجوليا، المرأة الجنوبية، لم تكن مجرد ضيفة في بيت غريب، فكانت امرأة فقدت زوجها ووجدت نفسها وسط مجتمع لا يشبهها.. أدت سيران رياك الدور ببراعة وجعلت من النظرات حوارًا صادقًا.. العلاقة التي جمعتنا على الشاشة تطورت من الصراع إلى نوع من التفاهم، والمشاهد لم تحتَج إلى مبالغات، فكل شيء كان مكثفًا ومحملًا بأبعاد نفسية واجتماعية.. والفيلم أعاد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعدالة من خلال علاقتنا نحن الاثنتين، وكشف هشاشتها وصعوبة الوصول إليها، وهذا ما جعل التجربة صادقة ومؤثرة.

بوستر العرض الخاص للفيلم في جمعية السينما بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

ذلك الدور كان مفصليًا في مسيرتي الفنية، فقد منحني فرصة حقيقية للغوص في أعماق شخصية مركبة.. حصدتُ جائزة أفضل ممثلة عن هذا الدور من مهرجان قبرص السينمائي الدولي في دورته الثامنة عشر، كما نال الفيلم جائزة “الحرية” من مهرجان كان السينمائي 2023، إلى جانب جائزة الجمهور في مهرجان البحر الأحمر، وثلاث جوائز من مهرجان “Paysages de Cinéastes” الفرنسي.. وأهم بالتأكيد من الجوائز أن تصل الحكاية إلى قلوب النساء اللاتي يشعرن أن هذه الشخصيات تشبههن، وأنا فخورة أن أكون صوتًا من أصواتهن في عمل يلامس الوجع والكرامة في آنٍ واحد.

  • غالبًا ما تُصوَّر المرأة السودانية في الإعلام إما ضحية أو رمز فولكلوري.. إلى أي مدى ترين أن الفن يمكن أن يعيد تعريف الصورة، وهل شعرتِ أن هناك مقاومة لهذا التغيير من داخل الوسط أو من الجمهور؟

الصورة النمطية للمرأة السودانية لا تعبر عن واقعها الحقيقي، ولكن تختزلها في أدوار محدودة، وأرى أن الفن قادر على تقديم صورة أكثر اتساعًا وإنصافًا، حين يركز على تفاصيل الحياة اليومية والتجارب المتنوعة.. في اختياراتي، أحرص على تقديم شخصيات فيها وعي واختلاف ومسؤولية، وبعض الأعمال تواجه مقاومة، خصوصًا حين تُخرج المرأة من القوالب المعتادة.. هذه المقاومة ظهرت أحيانًا داخل الوسط، وأحيانًا من الجمهور، فالتغيير لا يتم بسلاسة دائمًا؛ لكنه يبدأ من الرغبة في الطرح المختلف.. أؤمن بشدة أن الاستمرار في تقديم نماذج صادقة هو الطريق للتأثير، والتكرار في الصورة لا ينتج فهمًا، بل يعمق التهميش، ومن المهم أن نكشف التنوع الموجود فعليًا في المجتمع، وهذا الدور يقع على عاتق الفنانين، ويحتاج إلى وعي ومسؤولية.

هل تشعرين بأن المسرح السوداني -أحد أعمدة التعبير الشعبي- لا يزال حيًّا وقادرًا على احتضان التجارب النسوية، أم أن الرقابة المجتمعية والمؤسسية أضعفت حضوره وحرية طرح القضايا الحساسة؟

المسرح في السودان يحمل قيمة تتجاوز الترفيه، يشبه نبضًا حيًا في جسد المجتمع، ويتحرك حيثما يتحرك الوعي، ويعكس التحولات الكبرى التي تمر بها البلاد.. في أزمنة التضييق، ظل المسرح ملاذًا للبوح والتعبير، ينقل الأصوات المهمشة ويطرح الأسئلة المؤجلة.. وأرى أن المسرحيون هناك في السودان اعتادوا العمل في ظروف شاقة، ومع ذلك أنتجوا أعمالًا تلامس الوجدان وتحرض على التفكير.. القضايا النسوية وجدت لها مساحة واسعة فوق الخشبة، وظهرت نصوص جريئة ناقشت الزواج القسري، التمييز، والأعباء اليومية التي تتحملها النساء.. والتمثيل والغناء والرقص توظفت جميعًا في خدمة الفكرة، فخرج العرض المسرحي كيانًا نابضًا بالحقيقة، يتفاعل معه الجمهور بحرارة، والمسرح هناك يصنع وعيًا صاعدًا، خطوة بخطوة، دون شعارات جوفاء.

بدأت مسيرتي الفنية قبل انطلاقتي السينمائية في المسرح المدرسي والجامعي، ومن خلال تجربتي الأولى على خشبة المسرح بالسودان، تشكلت لحظة لن تُنسى، فكنت ضمن فريق كامل من الفتيات، يجمعنا الحلم والحس المشترك.. اخترنا العمل الغنائي المسرحي، وجمعنا فيه الأغنية مع النص الحواري والحركة، وتناول النص قضايا عايشناها أو سمعنا عنها من قريباتنا وجاراتنا: الزواج في سن صغيرة، الكبت داخل العلاقات، والمقاومة الصامتة التي تخوضها المرأة يوميًا.. الأغنيات جاءت محمّلة بالألم والحكمة، وشاركتني مغنيات أخريات أضفن أبعادًا جديدة للنص، وجلس الجمهور متأملًا، متفاعلًا مع كل تفصيلة، وكانت نظراته مشبعة بوعي جديد يُولد أمامنا.. شعرت يومها أن الفن قادر على زحزحة المألوف، وأن الكلمات حين تصدر عن قلوب صادقة، تصل دون وسطاء، وأيضا العرض منحنا ثقة مضاعفة، وشعورًا نادرًا بأننا نساهم في إعادة تشكيل الحكاية.

  • في عالم تتقاطع فيه الهويات واللغات والتجارب، كيف تحافظين على خصوصية الهوية السودانية في أعمالك، دون أن تسجني نفسك في قالب محلي محدود؟ وهل تجدين في الفن وسيلة للمصالحة بين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني؟

من وجهة نظري إنه وسائل الإعلام تلعب في حقيقة الأمر دورًا محوريًا في نشر اللهجات وإبراز الهويات، ولا أراها مجرد وسيلة للظهور، ولكن ميدانًا للحفاظ على الذات الثقافية.. حين أشارك في لقاءات تلفزيونية أو فعاليات فنية، أصر على التحدث بلهجتي السودانية دون تكلف أو مواربة؛ لأمنح الآخرين فرصة الاستماع إلى صوت ظل طويلًا خارج السياق العام، وأؤمن بأن اللهجة السودانية لم تأخذ حقها من الانتشار، وأن كثيرين ما زالوا يجهلون موسيقاها وخصوصيتها؛ لذا فكل ظهور يعد فرصة لفتح نافذة جديدة تُطل منها هويتنا على العالم.


كما نسعى لإحياء الشعر السوداني بلغتنا الأم، ليصل كما كُتب، دون فلترة أو اجتزاء، ومن خلال الأغاني.. أود أن تعبر الكلمات عن الوجدان السوداني كما هو، وأن تلامس اللحن أرواح الناس دون وسيط، فاللهجة ليست عائقًا بل جسرًا، حين تُقدَّم بصدق.. وقد تربيت منذ طفولتي على الدراما المصرية بالأخص والسورية، وأحلم اليوم بأن تكبر أجيال عربية على صوت السودان كما كبرت هي على أصوات الآخرين.. أما السينما، فأرى فيها مساحة أكثر اتساعًا، تحمل تحديات مضاعفة، لكنني ما زالت أراهن على قدرتها في ترسيخ اللهجة السودانية فيها، بوصفها جزءًا لا يُفصل عن الحكاية.

مشاركتها ضمن المتحدثات في أحد الندوات
  • يُقال إن المسرح هو فن اللحظة الحاضرة، في ظل الشتات الذي يعيشه الكثير من السودانيين اليوم، كيف يمكن للمسرح أن يخلق “وطنًا مؤقتًا” على الخشبة؟

فعلًا أرى أن المسرح كما ذكرتي هو فن اللحظة الحاضرة، وهو وطن صغير يولد على الخشبة ثم يختفي.. حين تتبعثر الجغرافيا وتضيق الحياة، تصبح الخشبة ملاذًا، ومساحة مؤقتة نعيش فيها مشاعرنا كما هي، دون أقنعة.. في كل عرض، نشاهد أنفسنا، ونتذكر ملامحنا الأولى، صوتنا، حزننا، ضحكاتنا القديمة.. فالمسرح يمنحنا فرصة للتعبير، ويعيد إلينا ما ظننا أننا فقدناه، وهو مكان نرتب فيه الفوضى، ونقاوم من خلاله النسيان.. حين يقف الإنسان في قلب الضوء، يصبح الحنين أكثر وضوحًا، والذاكرة أكثر جرأة.

والمسرح بالنسبة لي، يشبه فقاعة خيال، نعيش داخلها لحظة نادرة من الصدق.. في ظل كل الضغوط التي نمر بها نحن الشعب السوداني، يمنحنا شيئًا من التنفس، ويفتح لنا نافذة على دواخلنا.. أحيانًا أشعر أننا لا نذهب للمسرح فقط لنشاهد، ولكن لننجو.. هنالك مشاهد تلامس القلب، وتُشعرنا أننا لسنا وحدنا.. حين نشارك الضحك أو الدموع مع غرباء في قاعة واحدة، يصبح ذلك شكلًا من أشكال الوطن.. لحظة عابرة لكنها حقيقية، نلجأ إليها كلما ضاقت الحياة.. وأنا، كلما اعتليت المسرح، شعرت أنني أتنفس من جديد.

المسرح ذاكرة حية، ومكان يُقاوم الاختفاء.. نحن في الشتات نحتاج إلى ما يربطنا ببعض، والمسرح يفعل ذلك دون أن يطلب شيئًا، ومن خلاله نستعيد أصواتنا، لهجاتنا، نظراتنا القديمة.. ونعم، حقيقي المسرح يعيد ترتيب الذاكرة المبعثرة، ويمنح الناس فرصة لرؤية أنفسهم من جديد، فهو فعل مقاومة للنسيان.

  • مررتِ بتجارب داخل السودان وخارجه. ما الفروق الجوهرية التي لمستِها في نظرة المؤسسات الثقافية للفنان، خصوصًا المرأة؟ وهل شعرتِ يومًا أن جنسيتك أو هويتك الإفريقية كانت عائقًا أو ميزة في السياقات العربية والدولية؟

طبعًا في بداياتي، لم أتخيل يومًا أنني سأخوض تجربة التمثيل.. درست إدارة الأعمال، وأكملت الماجستير في إدارة المشاريع، وكنت أعمل في شركة متخصصة في الآليات الثقيلة والمولدات.. كنت أحب عملي وأشعر بالانتماء إليه، لكن داخلي ظل يحمل شغفًا دفينًا بالتمثيل، ربما وُلد في طفولتنا حين كنا نقضي الوقت في البيت نصنع اسكتشات صغيرة ونضحك وفي المدرسة.. حين جاءتني فرصة “وداعًا جوليا”، لم أتردد وشعرت أنني أمام باب جديد عليّ أن أفتحه، بحثًا عن جزء خفي في داخلي ظل صامتًا لسنوات.

بعد انتهاء التصوير في ديسمبر، اندلعت الحرب في السودان في إبريل، فانقطعت الطرق أمام تجربة جديدة هناك.. لكن الغياب المؤلم فتح لي بابًا آخر في مصر، وشاركت في عمل جديد مع المخرج العالمي محمد دياب، تجربة مختلفة بكل تفاصيلها عن العمل مع محمد كردفاني، لكن كلاهما مميزًا بالنسبة لي.. في السودان، كانت ظروف التصوير قاسية، مظاهرات مستمرة، طرق مغلقة، وخوف دائم من تأجيل المشاهد، فكان علينا الالتزام بجدول صارم حتى لا نُهدر وقتًا.. أما هنا، فكل شيء يسير بإيقاع مختلف، أكثر استقرارًا، لكن روح التجربة الأولى ما زالت تسكنني، لأنها كانت البوابة الأولى التي غيرت مساري.

وبصراحة، أرى أن هويتي السودانية هي ما يمنحني التفرد بين مختلف الثقافات، فنحن نمتلك تنوعًا غنيًّا في اللهجات، واختلافًا في ملامح الوجوه وألوان البشرة من قبيلة إلى أخرى، ومن منطقة لأخرى، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا.. هذا التنوع لا يصنع فقط ثراءً ثقافيًّا، ولكنه يُجسد روح السودان الحقيقية.. نحن نعتز بهذا التنوع، ونحمله بداخلنا أينما ذهبنا، ونرغب في أن يرى العالم هذه الصورة المتكاملة كما هي، دون تشويه أو تصغير، والهوية السودانية بالنسبة لنا مصدر اعتزاز كبير.

من حفل في دبي
  • كيف تقرئين دور الفنانة في لحظة الانكسار الجماعي؟ حين تنهار البلاد سياسيًا واقتصاديًا، هل يملك الفن رفاهية الاستمرار؟ أم أن بقاء الفنان في الفضاء العام يصبح ضرورة أخلاقية، ولو على حساب التعبير الحر؟

بالنسبة لي، لا يُعد الفن وسيلة مباشرة لحل الأزمات بقدر ما يُعتبر مرآة تعكس تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. هو مساحة نشهد فيها وجعنا وأحلامنا وأصواتنا المكتومة.. الادعاء بأنه رفاهية مجردة لا يصمد أمام حقيقة استمراره في أشد اللحظات قسوة؛ فالفنانون في أغلب الأحيان، يعملون بشكل مستقل لا كموظفين في مؤسسات ثابتة، ولكن كأفراد يخلقون من داخل أنفسهم، وما يقدمونه يعتبر رؤية ومحاولة جادة لفهم العالم.. ما يحصلون عليه من دعم، سواء مالي أو معنوي، هو ضرورة للاستمرار، وأفكارهم هي رأس مالهم الحقيقي، وكل عمل يولد من قلق داخلي أو تساؤل ملح، وقدرتهم على الإبداع وسط الأزمات فعل مقاومة في ذاته.. فالفن لا يتجمل؛ إذ يكشف، ويعيد تشكيل وعينا بالواقع.. وكل تجربة فنية صادقة هي انعكاس لمحاولة إنسانية لفهم الحياة وتجاوز قسوتها.

والجانب الإنساني هو المحرك الأساس للفنان، فهو لا ينتظر توجيهًا خارجيًا، حيث ينطلق من داخله، من شعورٍ لا يهدأ.. ليست الموارد الضخمة شرطًا للإبداع، ولكن يكفيه الإحساس والصدق.. ويعمل الفنان ليُخرِج ما يعتمل في داخله من قلق وأسئلة، وما يقدمه قادر على لمس الآخرين، وإثارة ما بداخلهم من مشاعر وخيال.. في رأيي أن قوة الفن لا تكمن في تقديم إجابات، ولكن في قدرته على طرح الأسئلة الصحيحة.. كل عمل فني صادق هو شهادة على زمنٍ ما، أو حالة شعورية مخصوصة، أو فكرة تستحق أن تُروى.. الفن يُقاوم ويُعيد الحياة لما هو منسي، ويمنح الصوت لمن لا صوت له؛ لذلك لا يمكن أن يكون ترفًا، لأن الحاجة إليه تنبع من أعماق الإنسان.

  • “بقاء الفنان ضرورة” ماذا عن لغة الفن نفسها؟ هل تتغير في أوقات الأزمات؟ هل يصبح الفن أكثر مباشرة و”صراخًا”، أم يلجأ للرمزية والمجاز للهروب من الرقابة والتعبير عن ما لا يمكن قوله؟ في أي منطقة تجدين نفسكِ فنيًا الآن؟

الفن في أوقات الأزمات لا يبقى على حاله، حيث يتغير كما يتغير كل شيء حولنا.. لغته تصبح أكثر توترًا، أحيانًا تميل للمباشرة، وأحيانًا تميل للرمزية والتكثيف.. الرقابة لا توقف الفنان، لكنها تدفعه للتفكير بحذر، واختيار أدوات تعبير أكثر ذكاء ورمزية.. في لحظات كثيرة، يتحول العمل الفني إلى شهادة حية، أو صرخة مكتومة تسكن التفاصيل.. والحقيقة إنه الصمت لا يصلح دائمًا، كما أن الضجيج لا يناسب كل الحالات، والفن يُولد من التناقضات، من الألم، من الرغبة في البقاء دون فقدان المعنى.. لا أبحث عن الهروب، ولكنني أعيد تشكيل الواقع بصورة تحتمل التأمل والسؤال.. وفي الوقت الحالي، أتحرك بين مناطق الصراحة والتلميح، أختبر أثر الصورة عندما تُرى وعندما تُفهم لاحقًا، ومهمتي أن  أفتح بابًا للتفكير. 

  • هل تظنين أن الفنانات السودانيات الجدد يملكن اليوم فرصًا أكثر من جيلك، أم أن التحديات تغيّرت فقط دون أن تقل؟

أنتمي إلى جيل ما زال يتكون، لم يكتمل بعد؛ لكنه واعٍ بأنه امتداد لتحولات معقدة وتحديات متراكمة.. أرى نفسي في منتصف الطريق، أتعلم من الجيل الذي سبقني، وأرقب الجيل الذي يليني بعين مملوءة بالأسئلة.. الجيل الأصغر ليس امتدادًا باهتًا، ولكنه نسيج مختلف تمامًا، تشكل وسط أزمات متلاحقة ومراحل انتقال مربكة.. ربما لم يُمنح الوقت الكافي ليهدأ أو يلتقط أنفاسه؛ لكنه مع ذلك لم يتوقف عن الخلق، ولديه قدرة لافتة على التعبير، وعلى تحويل الفوضى المحيطة إلى أدوات للفهم والتغيير.. لا يسعى هذا الجيل إلى محاكاة أحد، إذ ينحت طريقه بنفسه، رغم القصور الواضح في المساحات المتاحة له، وقوته من صلابته الداخلية.. وسط الضجيج، ينجح أفراده في ترك أثر ولو بسيط، لكنه حقيقي.. وأظن أن هذا وحده كافٍ لأن نمنحه انتباهًا جادًا.

أثناء حفل غنائي لها
  • وكيف تنظرين لمسؤوليتك كفنانة لها جمهور وتأثير في تمهيد الطريق لغيرك من النساء؟

من وجهة نظري كفنانة، لا يتمثل دوري في تمهيد الطريق بقدر ما يتمثل في توسيع مساحته وإتاحة الفرصة لمن يأتي بعدي.. العمل في السينما أو الفنون عمومًا ليس سهلًا، خاصةً بالنسبة للنساء؛ إذ يتطلب وعيًا دائمًا بالخطوات وثقة بالنفس.. الوصول ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج اختيارًا دقيقًا للطريق، وما أؤمن به هو أن الفنان إذا كانت لديه قضية أو رسالة، فإن الفن يُمكنه من إيصالها بوضوح وتأثير.. التعبير من خلال الفن لا يحتاج وسيطًا، ويصل مباشرةً إلى المتلقي؛ لذلك أراه أداة فعالة في مناقشة قضايا متنوعة، سواء نفسية، اجتماعية، أو مرتبطة بالهوية والانتماء.. لا أعتبر الفنون ترفًا، ولكنها وسيلة حقيقية للتأثير، والفنانة التي تعي هذا الدور، تستطيع أن تترك أثرًا واضحًا، والمهم أن تكون حاضرة، مدركة لقيمتها، ومصممة على الاستمرار.

  • لو طُلب منكِ أن تصنعي عملًا فنيًا يخلد لحظة واحدة من تاريخ السودان، سواء لحظة مقاومة أو حُلم أو فقد، أي لحظة تختارين؟ ولماذا؟

في حال طُلب مني تنفيذ ذلك، سأختار لحظة اقتحام القيادة العامة في الخرطوم يوم 6 أبريل 2019، وهو اليوم الذي شكل تحولًا حقيقيًا في مشهد الثورة السودانية.. هذه اللحظة، التي جاءت بعد شهور من الاحتجاجات، مثلت نقطة التقاء بين الأمل والإصرار.. كانت القيادة العامة مساحة جماعية مفتوحة، اتسعت لكل السودانيين، بمختلف خلفياتهم، وشهدت على روح نادرة من التضامن والتكافل، وفي تلك الأيام، رأينا ملامح السودان الذي نطمح إليه، في ظل تجربة وعي جماعي متكاملة، تستحق التأريخ والتأمل؛ لهذا أراها واحدة من أصدق اللحظات التي مررنا بها كسودانيين، والعمل عنها سيكون محاولة لاستعادة تلك الروح، وتوثيقها كجزء من الذاكرة الوطنية.

وتكويني كفنانة لم يأتِ من فراغ، ولكن بدأ من داخل الأسرة، التي كانت مصدرًا أساسيًا للدعم رغم بعض التردد والمخاوف؛ ففي البداية لم يكن من السهل إقناعهم بمساري، خاصةً في بيئة لا تزال تحتكم إلى تصورات تقليدية حول الفن ودور المرأة فيه؛ لكن التربية المبنية على الثقة والمسؤولية لعبت دورًا في تقبلهم التدريجي لاختياراتي، وساعدني ذلك على التحرك بوعي وحذر.. أصبحت أفهم مخاوفهم، وأتعامل معها بجدية، دون أن أتخلى عن قناعاتي.. وجود دعم ولو جزئي من الأسرة يوفر للفنان أرضًا صلبة للانطلاق، ومع الوقت تبدأ العلاقة بين الفن والعائلة في التشكل على أساس الاحترام المتبادل، وهذا ما حدث معي بشكل متدرج.

وأخيرًا.. أدرك تمامًا أن العمل الفني لا ينفصل عن سياقه، وأنه كغيره من المجالات، ليس خاليًا من التحديات والخلافات.. أي مساحة عامة، سواء فنية أو سياسية، ستظل تحمل في داخلها تضاربات واختلافات في الرؤى.. المهم بالنسبة لي أن أظل واضحة تجاه الرسالة التي أريد إيصالها.. الالتزام لا يعني الجمود؛ حيث يتطلب مرونة وصدقًا في التعامل مع المحيط، ولا يمكن لأي فنان أن يعزل نفسه عن المجتمع، لكنه في ذات الوقت يجب أن يعرف حدوده وأولوياته، وأنا أحرص على أن يكون عملي نابعًا من قناعة حقيقية وليس استجابة للضغوط.. الاستمرارية في رأيي، لا تتحقق إلا عندما تكون الرسالة واضحة، والمسار محسوبًا، هكذا فقط يمكن للفن أن يؤدي دوره بفعالية وصدق.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة