من "الشيوخ" إلى "النواب".. هل مهمة المرشحات صعبة؟ (جلسة حوارية)

سواء كانت ربة منزل أو عاملة، مفكرة أو قيادية، تدور المرأة المصرية في رحى التمييز ضدها. وقد جاءت نتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة لتجسد هذا الواقع بشكل صارخ، وتثير تخوفات كبيرة حول مستقبل تمثيلها مع اتجاه الأنظار إلى انتخابات مجلس النواب المقبلة.

جاءت نتائج "الشيوخ" مخيبة للآمال للأوساط السياسية والحقوقية، حيث كان الإخفاق النسائي هو العنوان الأبرز: "صفر" مقاعد في المنافسة الفردية. فمن إجمالي 424 مرشحًا، لم تترشح سوى 50 سيدة، فازت منهن 20 فقط عبر قائمة الموالاة التي لم تواجه منافسًا حقيقيًا. وهي نتيجةٌ تجعل المرأة معلّقة بـ"الكوتة" كمحاولة أخيرة لإنصافها، عالقة بين منبرين لا يعبران غالبًا عن صوتها واحتياجاتها.

لتشريح أسباب ونتائج ما حدث في انتخابات الشيوخ، وبحث إمكانية تجنب تكراره في انتخابات البرلمان، نظمت منصة فكّر تاني جلسة حوارية جمعت بين الدكتورة نيفين فارس عضوة مجلس الشيوخ وأمين التدريب والتثقيف المركزي بحزب العدل، والكاتبة الصحفية منى عبد الراضي أمينة المرأة بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ومؤسسة الجبهة الوطنية لنساء مصر.

فإلى نص الحوار..

النائبة نيفين فارس والسياسية منى عبد الراضي مع الزميلة داليا موسى والزميل حسين جعفر في جلسة حوارية تنظمها فكر تاني حول تقييم نتائج النساء في مجلس الشيوخ وطموحاتهن في مجلس النواب المقبل - تصوير طارق وجيه
النائبة نيفين فارس والسياسية منى عبد الراضي مع الزميلة داليا موسى والزميل حسين جعفر في جلسة حوارية تنظمها فكر تاني حول تقييم نتائج النساء في مجلس الشيوخ وطموحاتهن في مجلس النواب المقبل - تصوير طارق وجيه

 

الحفر في الماء.. وفي الصخر

بدايةَ.. كيف نُقيّم مشهد انتخابات مجلس الشيوخ ونتائجه؟ وهل كانت النتيجة مرضية؟

نيفين فارس

نيفين فارس: كانت النتيجة مفاجأة لي على المستوى الشخصي، لكن المشهد العام لم يكن مُرضيًا.

عدد السيدات الفائزات قليل جدًا مقارنة بما هو مفترض. ورغم أنني لست مع "الكوتة" مبدئيًا، إلا أننا ما زلنا نلجأ إليها، ولولاها لما تمكنت من الوصول للمجلس. أسعى للترشح كمستقلة، مثلي مثل الرجل، لكن ثقافة مجتمعاتنا لا تتقبل بعد أن تكون هناك سيدة متحررة تتحدث وتخوض تجربة كهذه.

هناك عوائق كثيرة، مثل الحالة الاقتصادية، فالمرأة لا تستطيع مواكبة "المال السياسي"، بالإضافة إلى الفكر الثقافي السائد.

ماحدث في الشيوخ يساهم في تراجع كثير من النساء عن الترشح للبرلمان.

ما زلنا نسمع عبارات مثل: "ولماذا أنتخب سيدة؟ هل انتهى الرجال؟". هذه الكلمة قيلت لي شخصيًا رغم أنني كنت مرشحة على قائمة، وهو ما أحزنني.

وصلنا إلى زمن متقدم، ومجالسنا النيابية بدأت منذ أيام نابليون، وما زلنا نتساءل هل ننتخب سيدة أم رجلًا؟ هذا أمر محزن لنا كسيدات مصريات، وأشعر أحيانًا بأنني "أحفر في الماء"، لكنني أنظر للجانب الإيجابي وأقول إن قطرة الماء المستمرة قد تحفر في الصخر.

منى عبد الراضي: السلبيات كثيرة جدًا، وعلى رأسها أن أي سيدة لم تنجح على المقاعد الفردية. هذه كارثة بكل المقاييس، وتعيدنا إلى حقيقة أن نظرة المجتمع للمرأة ما زالت كما هي، رغم الدستور والمساواة ومطالبات التمكين، ورغم دعم القيادة السياسية للمرأة في خطاباتها.

المرأة هي الأساس في تصويت الرجل، لكن في هذه الانتخابات كان المشهد حزينًا. المال السياسي هو الذي يحرك السيدات، لأنهن الفئة الأفقر والأضعف في المجتمع، فيتم استغلالهن بوعود مثل الحصول على "كرتونة".

نظرة المجتمع للمرأة ما زالت دونية، ويتم استخدامها من قبل أصحاب القرار. والأحزاب عليها دور كبير؛ فحتى في القوائم، يضع الحزب سيدة واحدة مقابل أربعة أو خمسة رجال، وهناك ضعف شديد في دعم المرشحات على المقاعد الفردية، إذ يتم توجيه كل الإمكانيات المادية للرجل بحجة أنه "أضمن". يُضاف إلى ذلك البلطجة وتشويه السمعة لتحطيم المرأة وأسرتها، مما يدفع من حولها للقول: "ابتعدي عن المشاكل".

يتم استخدام النساء، الأكثر فقرًا للحشد في التصويت لصالح الرجال

المال السياسي رقم واحد

السؤال للنائبة نيفين فارس: هل كان المال هو العائق الأساسي لنزولك مستقلة؟

رقم واحد هو المال، ورقم اثنين كنت خائفة. لأنني لو لم أتأثر بـ"ضربة المال"، كنت سأتأثر بضربات أخرى لا يليق الحديث عنها فيما يخص المرأة المصرية التي أمثلها.

الأمر يصل إلى مرحلة التساؤل: "من أي ناحية يمكن أن نهاجمها؟" فقط لكي أعود وأجلس في بيتي.

طوابير الانتخابات يغلب عليها فاقدي الأمل، يأخذون ما يمكنهم من المال السياسي.

هل ما حدث في انتخابات الشيوخ سيؤثر على انتخابات النواب؟

منى عبد الراضي

منى عبد الراضي: بالتأكيد، لن يتغير الوضع كثيرًا. ربما يزيد عدد النساء قليلًا لأن مقاعد النواب أكبر، لكن النسبة ستظل كما هي، وستزيد البلطجة والمال السياسي.

أتوقع أن السلبيات في انتخابات النواب ستكون أكبر مما كانت عليه في الشيوخ. نسبة "الكوتة" (25%) مضمونة، لكن بالنسبة للمرشحات المستقلات على المقاعد الفردية، فالأمر سيكون صعبًا.

 

كيف يمكن أن يكون لدينا تمثيل أكبر للمرأة في مجلس النواب؟

نيفين فارس: أرى أن المنافسة في مجلس النواب ستكون أصعب وأخطر، ووضع المرأة سيتراجع مراحل.

جملة "لم تنجح أي سيدة على المقاعد الفردية" في الشيوخ ستحبط الكثيرات اللاتي كان لديهن أمل، وسيتراجعن لأنهن يعرفن أنهن سينفقن المال ويتعرضن للإهانة، والنتيجة معروفة مسبقًا.

أعتقد أنه حتى مع كوتة الـ 25%، فإن النسبة الإجمالية للسيدات لن تتجاوز 27% في أفضل الأحوال.

المرأة برلمانيًا.. "دايلما" كمالة العدد

بالنظر لترشح 50 سيدة فقط ونجاح 20، هل يعتبر مجلس الشيوخ المرأة مجرد "كمالة عدد"؟

نيفين فارس: هذا أمر محزن جدًا. أعتقد أنهم يرون وجود المرأة كشكل اجتماعي فقط، مع أن التاريخ يقول عكس ذلك.

نيفين فارس - تصوير طارق وجيه
نيفين فارس - تصوير طارق وجيه

عندما نتحدث عن أول برلمانية مصرية عام 1957، ونقارن ذلك ببرلمان اليوم، ونجد أنهم ما زالوا يضعوننا كـ"صورة"، فهذا لا يليق بالمرأة المصرية.

كانت لدينا أسماء ثقيلة مثل راوية عطية وآمال عثمان، واليوم يجب أن يكون لدينا ألف "آمال عثمان". المرأة عندما تدخل أي مكان، لا تدخل لتزيين كرسي، بل لأنها أم وزوجة وابنة لديها طموح. لماذا يتم اختزال كل هذا في مجرد رقم؟

الأحزاب أيضًا لا تُنصف المرأة

هل "الشيوخ" ذا أهمية وماذا عن الأحزاب واختياراتها؟

منى عبد الراضي: المشكلة أن الأحزاب لا تختار المرشحات صاحبات المشاريع السياسية، وهذا يضعف تمثيل المرأة.

منى عبد الراضي - تصوير طارق وجيه - فكر تاني
منى عبد الراضي - تصوير طارق وجيه - فكر تاني

المرشحات غالبًا لا يملكن رؤية، وبعضهن يأتي بالصدفة أو لأن الحزب يراها "أكثر ولاءً". هناك قلة أداؤهن مشرف، لكن معظم السيدات في الأحزاب الموالية ليس لديهن رؤية؛ تشعر بأنها "موظفة" لدى الحزب، وولاؤها له: "ارفعي يدك" فترفع، "نرفض القانون" فترفض. لكن دراسة القانون واقتراح تشريعات، هذا غير موجود. هناك قيادات نسائية مؤثرة لا نراها في البرلمان، وهذا يسبب تراجعًا كبيرًا في دور المرأة.

 

معركة الفردي نضال صعب، كأنك تحارب وسط دبابات وأنت تحمل عصا

نيفين فارس: مجلس الشيوخ مهم جدًا، لكن لا توجد ثقافة في الشارع للتوعية بدوره.

80% من الدول المتقدمة لديها مجلسان. تكمن أهمية هذا المجلس في أنه يسن القوانين ويقترح مواد دستورية، وهو دور لا يقوم به النواب. القانون يأتي للشيوخ أولًا لتحليله، لأن أعضاءه غالبًا من العلماء والخبراء الذين يقيمون مدى ملاءمة القانون وتأثيره على أرض الواقع.

المرأة هي الأقرب لمشاكل البيت المصري

لماذا نلقي اللوم على الناخبين في ظل ضعف تواصل المرشحين معهم؟

نيفين فارس: قضيت 22 عامًا في أسوان أعمل في المجال المجتمعي. ورغم ذلك، مع كل انتخابات، ومجرد ظهور شائعات بترشحي، يبدأ "التكسير" في شخصي. كنت أواجه هذا باستمرار من أقرب الناس. ورغم هذا العمل المجتمعي، لم أستطع الترشح فرديًا. ما شجعني هذه المرة هو أن حزبي قال لي: "نحن نراهن عليكِ". شعرت لأول مرة بأنني مرئية. غياب الناخبين له علاقة بثقافتهم وجهل الشارع بأهمية دور المرأة.

نيفين فارس
نيفين فارس

منى عبد الراضي: اللوم ليس على الناخبين فقط. نحن في ظروف اقتصادية صعبة، وهناك تغييب للوعي. طوابير الانتخابات يغلب عليها كبار السن الذين فقدوا الأمل ويأخذون ما يمكنهم من "المال السياسي".

اللوم علينا كسياسيين؛ يجب أن نبذل مجهودًا أكبر ونتواجد في الشارع. لا نصل للناس، ولا نختار الكوادر الحقيقية التي تستطيع الوصول إليهم، بل نختار "بهوات" يجلسون في مكاتب مكيفة.

لدى الأحزاب سيدات مؤهلات، ما مدى مشاركتهن في الحراك المجتمعي؟

نيفين فارس: بالتأكيد هناك فاعلات. النائبة نشوى الديب مثال يُحتذى به. بشكل عام، المرأة هي رقم واحد في النشاط المجتمعي الخدمي، لأنها قد تجد حلمها السياسي بعيد المنال، فتثبت وجودها من خلال العمل المجتمعي.

منى عبد الراضي: المرأة هي الأقرب لمشاكل البيت المصري؛ تشعر بغلاء الأسعار ومشاكل التعليم والصحة. لو اهتمت الأحزاب بالكوادر النسائية الطبيعية، لأصبحن صوت المواطن الحقيقي. لكن الأحزاب لا تختار من يصل للناس، بل من تضمن ولاءه.

ألا توجد هيمنة ذكورية داخل الأحزاب عند اتخاذ قرار الترشيح؟

نيفين فارس: في تجربتي بحزب العدل، لم يكن الأمر كذلك. تم ترشيح 3 سيدات لأنه لم يكن هناك غيرهن مؤهلات وقتها. لكن الشارع السياسي نفسه صعب جدًا على المرأة.

منى عبد الراضي: الحزب قد لا يمانع، لكن لا توجد سيدة لديها القدرة على خوض هذه المعركة. هناك تخوفات، ونظرة المجتمع، والبلطجة، والتحرش، كلها عوامل تمنعها.

مجلس الشيوخ المصري - فيس بوك
مجلس الشيوخ المصري - فيس بوك

"اللقطة" سيدة المشهد

ما تقييمكم لاستجابة السلطة لمقترحات القوى الديمقراطية في الحوار الوطني؟

نيفين فارس: كنت متفائلة جدًا في البداية، لكن شعرت أنه تحول إلى زخم فكري، وأصبح الهدف هو "اللقطة". المحصلة في النهاية كانت صفرًا. لم أرَ أي شيء يتحرك، خاصة في ملف الانتخابات.

منى عبد الراضي: انسحبت من الحوار الوطني منذ الجلسة الأولى. دخلنا على أمل الإفراج عن المحبوسين في قضايا الرأي، لكن هذا لم يحدث. قدمنا مطالب واضحة كالقائمة النسبية وقانون مكافحة التمييز، ولم يتم الأخذ بأي منها. شعرت أنه كان مضيعة للوقت.

الكتلة النسائية المؤثرة

كيف يمكن صناعة كتلة نسائية مؤثرة في مجلس النواب؟

نيفين فارس: بتدريبهن بشكل صحيح، واختيار سيدات حقيقيات ومؤهلات ومثقفات لهن تواجد في الشارع. يجب أيضاً توفير حماية لهن من التشويه، ودعم مادي يساعدهن على خوض المعركة.

منى عبد الراضي
منى عبد الراضي

منى عبد الراضي: من خلال التواصل المستمر بين النائبات داخل البرلمان، حتى المختلفات فكرياً، لتنسيق المواقف وتشكيل تكتل نسائي فعال في القضايا التي تخصهن.

الحل الوحيد هو "الكوتة"

هل أصبحت "الكوتة" الحل الوحيد لمشاركة المرأة سياسيًا؟

نيفين ومنى: نعم، للأسف، في ظل كل الأسباب التي ذكرناها.

انتخابات الشيوخ 2025 (وكالات)
انتخابات الشيوخ 2025 (وكالات)

المرشح اليتيم.. عصا في مواجهة الدبابات

كيف تنظرن لمعركة الفردي في ظل هيمنة المال السياسي؟

منى عبد الراضي: هي نضال صعب جدًا، كأنك تحارب وسط دبابات وصواريخ وأنت تحمل عصا. لكن البعض يخوضها كفرصة للوصول للشارع وطرح أفكاره.

نيفين فارس: المرشح الفردي مثل اليتيم، يسير في الشارع بلا حول له ولا قوة. هي مجازفة قوية جداً أمام فيض من المال لا حدود له.

أحزاب متحالفة تعمل ضد بعضها!

لماذا لم تشارك أحزاب المعارضة في تحالف على المقاعد الفردية؟

منى عبد الراضي: كان هناك تحالف ثلاثي لكنه فشل، لأن الأحزاب بدلًا من أن تدعم بعضها، كانت تعمل ضد بعضها. وهذا من سلبيات انتخابات الشيوخ.

نيفين فارس: أتمنى أن يحدث تحالف، لكن مشكلتنا أننا "اتفقنا على ألا نتفق". لدينا فشل في ثقافة العمل الجماعي، وثقافتنا السائدة هي "أنا ومن بعدي الطوفان".

تواجه النساء المرشحات مخاوف أثناء الانتخابات منها البلطجة وتشوية السمعة.

كفاية تمييز.. حاول أنت

ما رسالتكم الأخيرة للناخبين والناخبات؟

نيفين فارس
نيفين فارس
منى عبد الراضي
منى عبد الراضي

نيفين فارس: رسالتي هي أن نخفف من التمييز ضد المرأة، وأن نؤهل من يمثلوننا، رجالًا كانوا أم نساء. وعلى الناخبين، أتمنى أن نتخلى عن اللامبالاة. يجب التركيز على الشباب فهم قاعدة المجتمع.

منى عبد الراضي: رسالتي للناس البسطاء: انزل، وصوّت، ولا تترك مكانك فارغاً. لديك فرصة لاختيار الأفضل. المال السياسي سينتهي، لكن ستبقى مع قرارات من اخترتهم لخمس سنوات. ابحث عن مصلحتك البعيدة. النزول والمشاركة هما أهم شيء. المعركة تحتاج إلى ضمير صاحٍ وإرادة للتغيير. حتى لو كنت ترى أنه لا يوجد أمل، حاول أنت.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة