مستعمرة أبو زعبل 1| وعود بـ "صفر جذام".. وواقع مبتور الأطراف

في قرية صغيرة بجنوب سيناء، كانت أم لأربعة أطفال تخوض معركتها وحيدة. لسنوات، كانت ابنتها الكبرى تعاني أعراضًا غامضة فشلت كل المستشفيات العامة في تشخيصها، بينما كانت حالتها تتفاقم أمام عينيها. وبعد رحلة علاج مضنية، وصلت أخيرًا إلى مستشفى متخصص. هناك فقط، تلقت هذه الأم صدمتها الأولى: "بنتك مصابة بالجذام".

تسلمت الأسرة بروتوكولًا دوائيًا وعادت إلى قريتها، دون أي توعية أو تحذير بخصوص باقي أطفالها.

بعد شهور، بدأت الكارثة تتسع، مهددةً حيوات أربعة بانتقال الأعراض ذاتها إلى الأطفال الثلاثة الآخرين. أصيب الأربعة بالمرض. تقول أمهم في حديثها لـ فَكّر تاني: "كنت ماشية بيهم كلهم لوحدي، وقلبي بيتقطع. كل ما اروح مستشفى، يقولوا مش تخصصنا. الناس حوالينا عرفوا بحالتنا، وما عدش حد يبيع لنا حتى العيش".

على أمل أن تجد ملجأً، توجهت الأم بأطفالها الأربعة إلى مستعمرة الجذام في أبو زعبل بتحويل رسمي، لكنها وُوجهت بالرفض فور وصولها.

بحسب تأكيدها، رفضت الوزارة استقبال أطفالها الأربعة، وقد اكتشفت الطبيبة المناوبة أن حالة الابنة الكبرى تدهورت بشكل خطير وباتت مهددةً بالغرغرينا، فاتخذت قرارًا فوريًا ببتر الساق لإنقاذ حياة تلك الصغيرة، وهو القرار الذي تسبب لها لاحقًا في مشكلة كبيرة وخضعت بسببه للتحقيق.

كان هذا التدخل الإنساني مؤقت دفعت ثمنه الطبيبة ولم يشفع للأم في إيجاد مأوى طبي لحالة أطفالها.

أُجبرت على مغادرة المستعمرة بثلاثة من الأطفال، بحجة أن عليهم تلقي العلاج في منطقتهم. تقول: "لفيت بيهم على مستشفيات حكومية وخاصة، وكلهم كانوا بيطردوننا، كانوا بيقولوا: معندناش علاج أو استعداد لحالات زي عيالك".

وفي محاولة يائسة، توسلت لطبيب الوحدة الصحية في قريتها، فوافق على فحص ابنها، ولكن في الشارع، على كرسي بلاستيكي، قائلًا: "مش هدخلوا الوحدة، عندي موظفين وناس تانيين ما ذنبهمش حاجة".

على درب العذاب هذا كان قدر هذه المرأة. فبعد أن تدهورت حالة ابنتها الثانية، حملتها وعادت بها إلى المستعمرة، أملها الأخير بعد أن أغلقت كل الأبواب في وجهها. وهناك، واجهت صدمة أقسى. أبلغها مدير المستشفى بأن عليها أخذ ابنتها التي تركتها وشقيقتها التي أحضرت والمغادرة فورًا، مهددًا بكلمات كانت بمثابة حكم بالإعدام: "قدامك نص ساعة وإلا هرميكم في الشارع".

أمام هذا المصير المحتوم، اتخذت الأم قرارًا مستحيلًا. اختارت أن تترك الطفلتين داخل أسوار المستعمرة، ولو في مواجهة المجهول، على أن تسلمهما للموت في جنوب سيناء. خرجت وحيدة، مثقلة بالعجز، فيما بقيت الطفلتان تحت رحمة قرار إداري يفصل بين الحياة والموت.

اقرأ أيضًا: المرض الغامض بأسوان.. الصحافة المحلية ضحية "حكومة كله تمام"

في صباح اليوم التالي، تلقت الابنة التي وصلت بالأمس خبرًا بأن حالتها تقتضي بتر ذراعيها الاثنتين. ومُنعَت الأم من دخول المستعمرة نهائيًا بقرار من المدير.

وقفت الأم خارج الأسوار، عاجزة عن الوصول لابنتها التي تبحث عنها بعينيها الغارقتين في الرعب، وتهمس بصوت يملؤه الانكسار: "بنتي عايشة في رعب، وأنا واقفة بره هموت وأطمن عليها".

دكتور الوحدة الصحية في البلد كشف على ابني مريض الجذام في الشارع.. بعد ما اتوسلت له بالساعات (رسومات سلمى الطوبجي)

صفر حالات أم صفر إنسانية؟

في الوقت الذي كانت فيه هذه الأم تطوف بأطفالها على أبواب المستشفيات المغلقة، وتُطرد من الوحدات الصحية، وتُهدد بإلقاء بناتها في الشارع، كانت خطط وزارة الصحة تسير في اتجاه آخر تمامًا على الورق.

فمع بداية عام 2025، أعلن وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار، عن قرب القضاء على مرض الجذام في مصر. وقال: "الدولة في طريقها للقضاء على مرض الجذام نهائيًا".

وقد تكررت هذه التصريحات في 10 يونيو الماضي، حين أوضح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الدولة عازمة على القضاء على مرض الجذام كما نجحت في القضاء على أمراض أخرى، فيما أكد وزير الصحة تبني خطة للاكتشاف المبكر والعلاج، بهدف الوصول إلى صفر حالات بحلول 2030، وفق ما نقله موقع رئاسة الوزراء.

وكان الوزير قد كشف سابقًا عن خطة لإغلاق مستعمرة أبو زعبل ودمج المرضى في المجتمع ليتلقوا علاجهم في المستشفيات العامة. وأثار إعلانه غضبًا وتساؤلات لدى المرضى، بل والمجتمع على حد سواء: لماذا قررت الوزارة دمجهم في هذا التوقيت تحديدًا؟ وكيف يمكن تطبيق هذه الخطة بينما الواقع، كما وثقته شهادة أم أطفال سيناء، يؤكد أن المستشفيات ترفض استقبالهم، والمجتمع ينبذهم؟

"حياة".. وفاة على الهامش

لم تكن مأساة أم أطفال سيناء حالة فردية معزولة، بل هي انعكاس لسياسة ممنهجة من الرفض والإهمال، وثّقتها نهاية "حياة"، السيدة الخمسينية التي قضت سنوات عمرها داخل المستعمرة.

لم تكن "حياة" تعاني من المرض في حالته النشطة، لكنها، مثل كثيرين، تحمل آثاره المزمنة وتعيش في دائرة من الضعف الصحي.

في أيامها الأخيرة، تدهورت حالتها بشكل حاد؛ عانت من ضيق في التنفس وإرهاق شديد، وكانت تحتاج إلى تدخل عاجل ورعاية مركزة، وهو ما لا يتوفر داخل المستعمرة التي تفتقر لأبسط تجهيزات الطوارئ.

وفقًا لمصدر طبي من داخل المستعمرة - طلب في حديثه لـ فَكّر تاني عدم ذكر اسمه - نُقلت "حياة" إلى مستشفى الخانكة العام (أقرب مستشفى حكومي)، لكن الرفض كان هو الرد.

بمجرد أن عرفت الإدارة أن "الحالة جذام"، رفض المستشفى استقبالها. ورغم أن تقريرًا داخليًا - حصلت فَكّر تاني على نسخة منه - برر الرفض بـ"عدم وجود سرير عناية" لإخلاء المسؤولية، إلا أن المصدر والمرافقين أكدوا أن السبب الحقيقي كان وصمة المرض.

بعد ساعات من البحث عن سرير في مستشفيات أخرى دون جدوى، أُعيدت "حياة" إلى المستعمرة وهي في حالة شبه غيبوبة. لم تمكث طويلًا حتى لفظت أنفاسها الأخيرة في اليوم نفسه الذي عادت فيه، دون أن تحظى بأي تدخل طبي، أو حتى بفرصة للنجاة.

وفاة "حياة" تطرح سؤالًا دامغًا: ماذا يحدث عندما يحتاج مريض الجذام إلى علاج لا تملكه المستعمرة؟ هل هناك بديل حقيقي، أم أن الخروج من بوابتها هو مجرد خطوة نحو الموت على رصيف الإهمال؟

أم ممنوعة من دخول المستعمرة.. وبنتها تصرخ من الرعب وحدها وتبلغها ببتر أطرافها المتبقية (رسومات سلمى الطوبجي)

الشفاء ممكن.. والوصمة قاتلة

أمام واقع قاسٍ قوامه الرفض والنبذ، يقف العلم ليقدم حقيقة مختلفة تمامًا عن الجذام وأصحابه، حقيقة تجرد هذا الخوف من أي أساس منطقي، لتكشف أن الوصمة الاجتماعية هي مرض أشد خطورة من هذا الداء البكتيري.

فبحسب طبيبة متخصصة في علاج الجذام - تحفظت على ذكر اسمها - فإن هذا المرض المعروف طبيًا بـ "داء هانسن"، والذي تسببه بكتيريا Mycobacterium leprae، قابل للشفاء تمامًا عند اكتشافه مبكرًا، والمريض به يصبح غير معدٍ بعد أيام قليلة من بدء العلاج متعدد الأدوية، وهو برنامج علاجي فعال ومجاني تشرف عليه منظمة الصحة العالمية.

لكن، كيف ينتقل الجذام؟

توضح الطبيبة المتخصصة، في تصريحاتها لـ فَكّر تاني، أن الجذام ينتقل عبر الرذاذ التنفسي، لكنه يتطلب مخالطة مستمرة ولمدة زمنية طويلة مع مصاب غير معالج، مشيرةً إلى أن الغالبية العظمى من البشر (نحو 95%) لديهم مناعة طبيعية ضده، مما يجعل خطر العدوى به منخفضًا للغاية.

ورغم أن أعراضه قد تكون مقلقة - حيث يصيب الجلد والأعصاب الطرفية وقد يؤدي إلى تشوهات - إلا أن التشخيص المبكر والعلاج الذي يستمر من 6 إلى 12 شهرًا كفيل بالقضاء على البكتيريا المسببة له، بينما التأخر في التدخل العلاجي هو ما يؤدي إلى مضاعفات دائمة، و"الوعي هو أساس مواجهته".

إذًا، فالجذام ليس لعنة أبدية كما يصوره البعض. هو مرض يمكن السيطرة عليه وعلاجه بفعالية. وانطلاقًا من هذه الحقيقة، فإن رفض المستشفيات استقبال حالات مثل "حياة"، أو فحص طفل في الشارع، ليس إجراءً احترازيًا، بل هو قرار قائم على الجهل والتمييز.

جدار صمت رسمي.. ممنوع من التصريح

أمام هذه المآسي الموثقة، والأسئلة المفتوحة عن مصير مرضى الجذام في ظل خطط الدمج الحكومية غير واضحة المعالم، يبقى هناك جدار من الصمت الرسمي.

ففي محاولة للحصول على رد من المسؤول المباشر عن المستعمرة، تواصلت فَكّر تاني مع الدكتور أحمد سامي مدير مستعمرة الجذام. لكنه رفض التعليق، قائلًا في اتصال هاتفي مقتضب: "حضرتكِ عارفة الأوامر، ما أقدرش اتكلم من غير تصريح. هاتي تصريح من وزارة الصحة وأنا اتكلم معاكِ".

وعند سؤاله عما إذا كان الحديث الهاتفي أيضًا يتطلب تصريحًا، أكد أن هذا هو الوضع، وأنه لا يمكنه التحدث مع الصحافة دون إذن رسمي.

خلف الأسوار.. حكايات "البيت الأخير"

يبقى الصمت هو الرد الرسمي الوحيد على أزمة تتفاقم. لكن خلف هذه الأسوار التي يخططون لإزالتها، وخلف الأبواب المغلقة التي يرفض المسؤولون فتحها، هناك عالم كامل يرفض الدفن. عالم من الحكايات التي نقشتها خمسون عامًا من العزلة.

هناك، في "البيت الأخير" الذي لم يعرفوا سواه، تعيش "أم حسن" التي دخلت المستعمرة طفلة ولم تغادرها قط، و"ناصر" الذي حوّل العزلة إلى أسرة، فواجه بها وصمة تتوارثها الأجيال.

قصص هؤلاء ليست عن المرض.. وإنما عن الحياة في مواجهة النسيان.

وهذه رحلة قادمة، غوصًا في قلب مستعمرة الجذام، حيث حكايات من قضوا أعمارهم على هامش الخريطة، والإجابة على سؤال: ماذا يعني أن يُهدم بيتك الوحيد في عالم يرفض خروجك؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة