كيف تمت هندسة منظومة مراقبة الانتخابات في مصر؟

على مدار ما يزيد عن عقد من الزمن، تغيّر المشهد الانتخابي في مصر بصورة جذرية، خاصة فيما يتعلق بدور منظمات المجتمع المدني، المحلية والدولية في مراقبة الاستحقاقات الانتخابية.

ومنذ أول انتخابات بعد ثورة يناير 2011، التي شهدت مشاركة واسعة وغير مسبوقة، وحتى انتخابات مجلس الشيوخ 2025، تراجعت المشاركة النوعية، وغابت معظم الكيانات ذات الثقل، وحلّت محلها منظمات جديدة بلا تاريخ انتخابي يُذكر، في ظل تضييق سياسي وقانوني وأمني على العمل المدني المستقل.

ناخبة تدلى بصوتها
ناخبة تدلى بصوتها

صدمة الأرقام.. انهيار الحضور الرقابي

مصطفى علواني
مصطفى علواني

يكشف التحول الجذري مقارنة بسيطة بين الأرقام قبل وبعد عام 2014. يؤكد مصطفى علوان المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة رئيس مؤسسة “رايتس للاستشارات القانونية والتحكيم الدولي” وأحد المراقبين السابقين للانتخابات، أن أعداد المراقبين المعتمدين هوت بشكل كارثي من نحو 90 ألف مراقب في استحقاقات ما بعد ثورة يناير، إلى حوالي 10 آلاف مراقب فقط في أحدث الانتخابات، وهو ما يعكس غياب الحضور الميداني الواسع للمنظمات المستقلة.

هذا الانهيار في أعداد الأفراد تزامن مع تراجع حاد في عدد المنظمات نفسها. فبعد أن وصلت المشاركة إلى ذروتها بـ 73 منظمة (67 محلية و6 دولية)، تقلص العدد في انتخابات مجلس الشيوخ 2025 إلى 48 منظمة محلية و4 دولية، معظمها كيانات حديثة الظهور وبلا خبرة موثقة في هذا المجال شديد التخصص، حسب حديث علوان لـ فَكّر تاني.

وينتقد علوان أداء هذه المنظمات الجديدة، مضيفًا أن وجودها نفسه يفتقر للجدية. “حين تُسند مهمة المراقبة لمنظمة تعمل في التنمية الزراعية أو أخرى تركز على دمج الشباب، فهذا يفرغ الرقابة من مضمونها. الرقابة الانتخابية علم وممارسة تحتاج لخبرة وسجل مهني طويل، لا مجرد اسم على قائمة”.

رحلة السقوط.. شهادة أمين

في تصريحات خاصة لـ فَكّر تاني، يكشف ناصر أمين رئيس مؤسسة دعم العدالة بالمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، عن مسار طويل ومعقد لتجربة المجتمع المدني المصري.

ناصر أمين - تصوير محمد الراعي
ناصر أمين – تصوير محمد الراعي

ويوضح أن أول تجربة فعلية للمراقبة المستقلة بدأت عام 1995، حين شاركت خمس منظمات فقط في مهمة كانت جديدة تمامًا على الساحة، وأصدرت أول تقرير محلي عن مراقبة الانتخابات في تاريخ مصر، وسط مقاومة شديدة من الحكومة التي تعاملت بعدائية مع أي محاولة لكشف التزوير.

ويشير أمين إلى أن المشهد شهد تحولًا حاسمًا مع انتخابات 2005، حين أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارًا تاريخيًا بفرض الإشراف القضائي الكامل، مع وجود قاضٍ على كل صندوق.

ويصف أمين المرحلة الأولى من تلك الانتخابات بأنها كانت “من أنزه الانتخابات التي شهدتها مصر”، قبل أن تتراجع النزاهة تدريجيًا في المرحلتين الثانية والثالثة مع عودة معدلات التزوير.

وبعد انتخابات 2010 التي وصفها بأنها كانت “من أكثر الانتخابات تزويرًا في تاريخ البلاد”، جاءت انتخابات 2011-2012 البرلمانية التي أعقبت ثورة يناير لتمثل، في رأيه، “أهم وأنزه انتخابات في تاريخ مصر”.

لكن، وبحسب أمين، سرعان ما تغيرت المعادلة، وعادت الدولة إلى ممارسات ما قبل 1995، عبر وضع قواعد وإجراءات تفرّغ العملية الانتخابية من مضمونها وتؤدي عمليًا إلى “تزييف إرادة الناخبين”.

تشريح الانسحاب الكبير

كانت نقطة التحول الكارثية هي ما عُرف إعلاميًا بـ “القضية 173 لسنة 2011” الخاصة بالتمويل الأجنبي.

يكشف ناصر أمين أن هذه القضية استهدفت بشكل مباشر “جميع المنظمات المستقلة التي شاركت في مراقبة الانتخابات عبر العقود السابقة”، حيث تعرضت لتحقيقات وحملات تشهير وتجميد للأموال ومنع من السفر، وهو ما أدى فعليًا إلى إخراجها من المشهد.

ونتيجة لذلك، تم إقصاء هذه الكيانات بشكل شبه كامل. فبعد عام 2014، انسحبت 64 منظمة محلية من أصل 67 كانت فاعلة في المراقبة.

دار القضاء العالي
دار القضاء العالي

سجل الغياب.. هؤلاء تم إقصاؤها

لإدراك حجم الفراغ الذي حدث في المشهد الرقابي، لا يكفي ذكر الرقم “64”. هذه القائمة التي رصدتها فَكّر تاني توثق بالأسماء العمود الفقري للمجتمع المدني المصري الذي كان يقود مهمة المراقبة المستقلة قبل أن يتم إبعاده بشكل ممنهج بعد عام 2014.

وتمثل هذه الأسماء عقودًا من الخبرة المتراكمة التي اختفت فجأة من الساحة:

الجمعية العالمية القانونية لحقوق الإنسان
الجمعية المصرية للتنمية والدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة
الجمعية المصرية للتوعية والتنمية الشاملة
الجمعية المصرية للرقابة الشعبية وحقوق الإنسان
الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية
الجمعية المصرية للمشاركة والتنمية المستدامة
الجمعية المصرية لحقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية
الجمعية المصرية لنشر وتنمية الوعي القانوني
الجمعية الوطنية المصرية لحقوق الإنسان
الجمعية الدولية لحقوق الإنسان
الجمعية الدولية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد
جمعية أنا المصري للتنمية وحقوق الإنسان
جمعية أنصار حقوق الإنسان بالإسكندرية
جمعية الاعتصام
جمعية الافرو مصرية لحقوق الإنسان والتنمية
جمعية السادات للتنمية والرعاية الاجتماعية
جمعية الشرطة والشعب لمصر
جمعية الشهبة لرعاية حقوق أصحاب المعاشات
جمعية الضمير لحقوق الإنسان
جمعية الطليعة للتنمية والدراسات القانونية
جمعية العفو المصرية لحقوق الإنسان
جمعية المنتزة للتنمية الثقافية
جمعية المجلس الإقليمي لحقوق الإنسان
جمعية المستقبل السامي
جمعية النهوض بالريف المصري
جمعية الوئام للتوعية لحقوق الإنسان بميت غمر
جمعية الوحدة لحقوق الإنسان
جمعية بيت العائلة
جمعية بلا حدود لحقوق الإنسان والتنمية
جمعية تنمية حق المواطن المصري
جمعية حقوق الإنسان وحماية المستهلك
جمعية حقوق الإنسان لتنمية المجتمع بأسيوط
جمعية حقوقي لحقوق الأفراد ذوي الإعاقة
جمعية حريتي
جمعية رعاية العسكريين المتقاعدين ق.م. وأسرهم
جمعية رؤية وطن للدراسات القانونية وحقوق الإنسان
جمعية ساعد للتنمية وحقوق الإنسان
جمعية شموع لرعاية الحقوق الإنسانية وتنمية المجتمع
جمعية صوت مصر القديمة
جمعية عمال مصر للتنمية وحقوق الإنسان
جمعية فيرسيس الخيرية لتنمية المجتمع
جمعية كل المصريين
جمعية كل الناس للتنمية الشاملة بأسيوط
جمعية يلا نشارك للتنمية الاجتماعية
جمعية أسرة اليتيم للمساعدات الاجتماعية وحقوق الإنسان
عالم واحد للتنمية ورعاية المجتمع المدني
مؤسسة أبنى مصر لتنمية المجتمع والتدريب بسوهاج
مؤسسة رسائل الغد للتنمية الشاملة وحقوق الإنسان
مؤسسة العدالة للتنمية وحقوق الإنسان
مؤسسة المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنمية
مؤسسة المركز المصري لحقوق المرأة
مؤسسة حمورابي للتنمية وحقوق الإنسان
مؤسسة ناخب لدعم الديمقراطية من أجل التنمية
مصر العدالة للتنمية البشرية والتدريب وحقوق الإنسان
مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
مركز القاهرة لثقافة الديمقراطية
مركز سواسية لحقوق الإنسان ومناهضة التمييز
جمعية مركز الحريات والحصانات لحقوق الإنسان وتنمية المجتمع
جمعية المركز الدولي الإنمائي للدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة
المجلس الثوري العربي لحقوق الإنسان
المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
المنظمة الوطنية الدولية لحقوق الإنسان
منظمة مصر الحرة لحقوق الإنسان

“البدائل” تحت المجهر

في مقابل هذا الفراغ الهائل، شهدت انتخابات مجلس الشيوخ 2025 دخول 45 منظمة محلية جديدة إلى جانب المنظمات الثلاث المتبقية من الحرس القديم.

لكن هوية هذه “البدائل” تثير تساؤلات جدية، فأغلبها كيانات تعمل في مجالات بعيدة عن الرقابة الانتخابية، كالعمل التنموي أو تمكين الشباب، دون أي خبرة موثقة.

,من بين هذه الأسماء الجديدة: مؤسسة مجلس الشباب المصري للتنمية، ومؤسسة القادة للعلوم الإدارية، وجمعية شباب الجيل، ومؤسسة حياة كريمة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان (وهو جهة حكومية بطبيعته).

أما على الساحة الدولية، فقد حلت محل العمالقة الستة، أربع منظمات دولية جديدة، كشف بحث فَكّر تاني، أن ثلاثًا منها على الأقل لا تملك أي سجل يذكر في مراقبة الانتخابات خارج مصر:

مؤسسة “اليزيا للإغاثة” (Elizka Relief Foundation): منظمة غانية تركز على الزراعة وتكنولوجيا المعلومات، ولم يظهر لها نشاط انتخابي سوى المشاركة في ائتلاف “نزاهة” لمراقبة انتخابات مصر الرئاسية 2024.

منظمة EKO اليونانية: منظمة تركز على تمكين الشباب والتكامل الثقافي، ولم تشارك في أي إشراف على انتخابات في بلدها الأم، واقتصر سجلها على المشاركة ضمن ائتلاف دولي لمراقبة انتخابات مصر 2024.

“منتدى جالس” (Gelles Forum): منظمة أوغندية، ورغم أن تأسيسها يشمل متابعة الانتخابات، فإن نشاطها العملي الموثق اقتصر بالكامل على المشاركة في مراقبة استحقاقات انتخابية داخل مصر فقط منذ 2019.

المنظمة العربية لحقوق الإنسان: وهي الجهة الدولية الوحيدة بين الجدد التي تمتلك تاريخًا حقيقيًا في مراقبة انتخابات بدول عربية أخرى إلى جانب مصر، مثل الأردن والعراق.

يعلق ناصر أمين على هذه الظاهرة بأن الحكومة استعانت بكيانات “تدعي” الصفة الدولية لكنها بلا مصداقية، وبعضها تابع للدولة، مما يجعل صفتها “الدولية” شكلية فقط.

النتيجة.. غياب الثقة الشعبية

يتردد صدى هذا الغياب في تصريحات الفاعلين السياسيين والحقوقيين. يؤكد المهندس حسام الدين علي النائب الأول لرئيس حزب “الوعي” والنائب الأول لرئيس “كتلة الحوار”، أن “محدودية مشاركة مؤسسات المجتمع المدني تُضعف الثقة الشعبية في العملية الانتخابية”، واصفًا المتابعة الحالية بـ”السطحية للغاية”.

حسام الدين علي نائب رئيس حزب الوعي - فيس بوك الحزب
حسام الدين علي نائب رئيس حزب الوعي – فيس بوك الحزب

ويضيف في تصريحاته لـ فَكّر تاني، أن “معظم المنظمات الموجودة على الساحة المصرية الآن ذات طابع وطني رسمي، وهذا يعصف بنزاهة العملية الانتخابية”.

ومن جهته، يقدم المحامي مصطفى علوان شهادة شخصية من واقع خبرته كمراقب سابق، فيقول: “سبق أن شاركت في أكثر من استحقاق انتخابي، وكانت كافة الإجراءات تسير بسلاسة، من الحصول على التصاريح إلى الدخول للجان. كان هناك قدر من الاحترام المتبادل حتى عام 2014. لكن بعد ذلك، بدأ الأمر يتغير كليًا، وظهرت عراقيل لتقليص دورنا”.

ويشدد على أن إسناد المراقبة لكيانات غير متخصصة “يفرغ الرقابة من مضمونها، فالرقابة الانتخابية علم وممارسة تحتاج لخبرة وسجل مهني طويل، لا مجرد اسم على قائمة”.

ويوضح حسام الدين علي أن الظروف الحالية تختلف عن الماضي، قائلًا: “لسنا في مواجهة تهديدات إرهابية أو جماعات مسلحة تسعى لتعطيل اللجان، كما كان يحدث في فترات سابقة. النظام الحالي دعا إلى الحوار الوطني وأكد على التعددية، لكن ما نراه على الأرض أحيانًا يناقض تلك الدعوات، إذ يتم إقصاء الأطراف غير المؤيدة من المشهد الانتخابي”.

استعادة الثقة تبدأ بالرقابة والتمويل

ويتفق الخبراء على أن استعادة نزاهة أي عملية انتخابية مستقبلية مرهونة بتحقيق مطلبين أساسيين. المطلب الأول، كما يلخصه مصطفى علوان، هو إعادة فتح المجال العام أمام الرقابة المستقلة والجادة، لأن “انتخابات بلا رقابة هي مجرد عرض سياسي، لا يعكس إرادة الناس ولا يكسب ثقتهم”.

انتخابات الشيوخ 2025 (وكالات)
انتخابات الشيوخ 2025 (وكالات)

أما المطلب الثاني، فيطرحه المهندس حسام الدين علي كحل عملي لمأزق الخوف من تداعيات “قضية التمويل الأجنبي” الذي ما زال يلقي بظلاله على المجتمع المدني.

يقول: “البعض يخشى أن يقترب من هذا الملف حتى لا يتعرض للمساءلة”. ويقترح أن “يكون الحل في توفير تمويل داخلي، عبر منح أو دعم حكومي أو مجتمعي، حتى تتمكن المؤسسات المصرية من القيام بدورها، فلا يوجد ما يمنع ذلك”.

والدعوتان موجهتان بشكل واضح للهيئة الوطنية للانتخابات وكافة أجهزة الدولة، على اعتبار أن الرقابة الشفافة المدعومة محليًا هي الضمانة الأساسية لاستعادة ثقة المواطن في صندوق الانتخابات، وهي خطوة، كما يختتم حسام الدين، “تعود بالنفع على الجميع، سواء كانوا في الحكم أو المعارضة أو مستقلين”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة