حين سقط القناع عن “تمثيل المرأة” في “الشيوخ” بـ “صفر كبير”

بالنسبة لغادة البري، مرشحة حزب الجيل في الدقهلية، لم تكن الهزيمة في حد ذاتها صادمة، فلكل معركة انتخابية رابح وخاسر. الصدمة تجلت في الرقم الذي ظهر إلى جوار أسماء قائمة المرشحات على المقاعد الفردية في انتخابات مجلس الشيوخ: “صفر”.

تقول غادة، التي خاضت المنافسة وحصلت على “نسبة جيدة من الأصوات” حسب تعبيرها، إنها آمنت بدورها “كامرأة يمكن أن تقدم شيئًا للمجتمع”. لكن هذا الإيمان اصطدم بحقيقة أن “الناخبين حين أتيح لهم الاختيار بين انتخاب رجل أو امرأة”، كان قرارهم واضحًا، يؤكد واقع النساء في مصر.

نتيجة “غادة” لم تكن مجرد رقم في سجلات الهيئة الوطنية للانتخابات. كان مرآة عاكسة لثقافة جماعية لم تتبدل، انتهت بكل امرأة خاضت سباق الفردي إلى الخانة الفارغة نفسها، لتتحول خيبة الأمل من شعور فردي إلى ظاهرة سياسية تطرح أسئلة عميقة حول معنى التمكين النسائي في بلد كمصر.

انتخابات مجلس الشيوخ (وكالات)
انتخابات مجلس الشيوخ (وكالات)

الكوتة كواجهة دستورية

هذا الفشل الجماعي على مقاعد الفردي يضع نظام “الكوتا” نفسه تحت المجهر.

منى الشماخ
منى الشماخ

فبينما ضمن هذا النظام وصول 20 سيدة عبر القوائم المغلقة، إلا أنه كشف عن حقيقة أعمق وأكثر إثارة للقلق، تلخصها منى شماخ أمينة إعلام الحزب المصري الديمقراطي، بأن “تمثيل المرأة ما يزال رهين نظام الكوتا”.

تضيف أمينة إعلام المصري الديمقراطي، التي تتحفظ على العملية الانتخابية برمتها، أن الكوتا قد تكسر الحواجز الأولى، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن بيئة سياسية ناضجة.

والمشكلة، حسب تحليلها لـ فَكّر تاني، تبدأ من الأحزاب نفسها التي “تفتقر في معظمها إلى سياسات واضحة لتأهيل النساء وتمكينهن”، وتكتفي بترشيحهن على القوائم “للوفاء بالنسب الدستورية فقط دون إرادة حقيقية”، حيث يُحصر دورهن غالبًا في “أمانات المرأة” ذات الطابع الخدمي، لا السياسي.

كيف توزعت مقاعد “الكوتا” العشرين؟

فيما كانت نتيجة الفردي “صفرًا”، نجحت “الكوتا” بالفعل في إيصال 20 سيدة إلى المجلس عبر نظام القائمة. لكن نظرة فاحصة على الأرقام تكشف أن هذا النجاح كان محدودًا وموجهًا. فمن بين 424 مرشحًا على القائمة الوطنية، لم يتجاوز عدد النساء 50 سيدة، أي ما يقارب 12% فقط.

الأهم من ذلك هو خريطة توزيع المقاعد، التي أظهرت استحواذ الأحزاب الكبرى على حصة الأسد، مما يعزز فكرة استخدام الكوتا كأداة لتعزيز الحضور الحزبي أكثر منه تمكينًا حقيقيًا للنساء.

وقد انفرد حزب “مستقبل وطن” بـ 7 مقاعد، تلاه حزب “حماة وطن” بـ 4 مقاعد، بينما حصلت أحزاب أخرى مثل “المصري الديمقراطي” و”العدل” و”التجمع” على مقعد يتيم لكل منها، في حين غابت أحزاب مثل “الوفد” و”إرادة جيل” عن تقديم أي مرشحات من الأساس.

هذا التوزيع يؤكد أن الفوز كان حكرًا على من حظيت بدعم الأحزاب المهيمنة، وليس نتاجًا لمنافسة سياسية مفتوحة.

عندما تصبح المقاعد حكرًا على “رجال الأعمال”

داليا فكري القيادية بحزب المحافظين

إذا كانت الأحزاب قد فشلت في تقديم دعم حقيقي، فإن ساحة المنافسة الفردية كشفت عن خصم آخر أشد ضراوة: “متلازمة المال والسلطة”.

تصف داليا فكري عضو تنسيقية شباب الأحزاب، ما يحدث بأنه “حالة طمع من قبل الرجال” للاستحواذ على المقاعد. وتؤكد أن الاختيار لم يعد يتم على أساس الكفاءة، بل على أساس “المرضي عنه أو القادر على دفع مبالغ مالية كبيرة”.

نيفين فارس
نيفين فارس

وهذا ما تتفق معه أيضًا الدكتورة نيفين فارس، مرشحة حزب العدل التي فازت بمقعدها عبر القائمة، حيث ترى – في حديثها لـ فَكّر تاني – أن أحد الأسباب الرئيسية لفشل المرشحات في سباق الفردي هو “نقص التمويل”؛ فالسيدات ببساطة “لا يستطعن دعم حملاتهن الانتخابية مقارنة بالرجال”.

وتضيف داليا فكري أن النتيجة أصبحت واضحة: “كل رجل أعمال يرغب في حماية أمواله، يقوم بالترشح… أصبح البرلمان عبارة عن رجال أعمال يدافعون عن قوانين وتشريعات تحمي مصالحهم”.

خصم وصورة نمطية.. معركة نسائية “مزدوجة”

إلى جانب التحديات الحزبية والمالية، خاضت المرشحات معركة ثالثة غير متكافئة ضد التحيزات الاجتماعية. تؤكد الدكتورة نيفين فارس أن هناك “قيود اجتماعية ما تزال تحد من حرية المرأة”، بالإضافة إلى “بعض الأفكار المتعلقة بالتمييز ضد المرأة واعتقاد البعض أن تمثيلها السياسي شكلي فقط”.

هذه العقلية لم تقتصر على الناخبين، بل امتدت إلى داخل الكيانات السياسية نفسها. تكشف داليا فكري أن المنافسة كانت قوية “في محاولة لإسقاط المرأة، حتى بين المرشحين داخل الحزب الواحد”.

لقد وجدت المرشحات أنفسهن في مواجهة خصمين في آن واحد: المنافس السياسي في الدائرة، والصورة النمطية التي تحاول حصرهن في دور تكميلي.

من انتخابات المصريين في الخارج (وكالات)
من انتخابات المصريين في الخارج (وكالات)

فشلت بروفة “الشيوخ”.. هل ينجح “النواب”؟

لم تكن نتيجة “الصفر” مجرد إخفاق انتخابي، بل كشفًا لشبكة معقدة من العوائق: أحزاب تستخدم المرأة كواجهة دستورية، وسطوة للمال السياسي تحول دون المنافسة العادلة، وتحيزات مجتمعية تجعل من مجرد الترشح معركة مزدوجة.

وبينما طُويت صفحة انتخابات “الشيوخ” بأرقامها الصادمة، تظل العيون معلقة بالاستحقاق النيابي القادم. والسؤال الذي يفرضه هذا المشهد بكل قسوته هو: هل ستكون هذه النتائج مجرد بروفة هادئة لما هو قادم في “النواب”، أم أنها ستكون جرس الإنذار الكافي لإجبار الجميع، من أحزاب وناخبين ومشرعين، على مراجعة قواعد اللعبة قبل فوات الأوان؟ هذا ما ستُخبرنا به قادم الأيام.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة