لا لاتفاقية الغاز مع العدو

وفقًا لأستاذ السياسة الدولية بجامعة القاهرة، ورئيس مجلس الشعب الأسبق؛ الدكتور محمد كامل ليلة، فإن تعريف الأمن القومي، يتمثل في القدرة على التصدي للأخطار الخارجية والداخلية اليوم، ودرء وقوعها مستقبلًا.

ولا يتحقق الأمن القومي إلا بعدة مرتكزات تشمل العسكرية، فالدولة الآمنة هي القادرة على ردع أعدائها في الحروب، والمرتكزات الاقتصادية التي لا تتأتى إلا باستقرار الموارد، ناهيك عن الأمن السياسي والاجتماعي والمعلوماتي والبيئي إلى آخره.

اختزالًا لما سبق، وبعيدًا عن هذه الشق الأكاديمي، يغدو مناسبًا لمجاراة الحال، أن يُطرح السؤال: ما أخطر تهديد للأمن القومي المصري؟

الثابت يقينًا، من واقع اللحظة التاريخية "الطوفانية"، بكل ما للمصطلح من إيحاءات رمزية، وبالرجوع إلى دروس التاريخ، أن العدو الإسرائيلي هو الخطر الأشد تهديدًا لمصر أمس واليوم وغدًا.

تاريخيًا، لم تَخُض مصر أي حرب، على مدى العقود الثمانية الماضية، إلا لمواجهة إسرائيل؛ حرب 48، والعدوان الثلاثي 56، وحرب 67، وحرب الاستنزاف، وحرب السادس من أكتوبر.

وحتى حرب اليمن، كانت في أحد وجوهها حربًا غير مباشرة لمواجهة الأطماع الإسرائيلية في بسط الهيمنة بواسطة وكلاء إقليميين-صاروا مفضوحين اليوم- على مضيق باب المندب الاستراتيجي.

أما في الحاضر، فإسرائيل التي تحتل محور صلاح الدين، وترتكب أبشع جريمة إبادة جماعية في العصر الحديث، وتتبنى رسميًا مؤامرة تهجير الغزيِّين إلى سيناء، وتتبجح بذلك دون أدنى مراعاة لاتفاقية كامب ديفيد، تؤكد واقعيًا أن نيران عداءها للكنانة لن تنطفئ أبدًا.

مخاطر المشروع الصهيوني التوسعي

 هذه حقيقة لا تقبل القسمة على اثنين، ولا تحتاج توكيدًا من هنا، وشواهد من هناك؛ ما من خطر يحيق بنا، بل بالأمة العربية بأسرها، بقدر المشروع الصهيوني التوسعي.

لكن الدولة المصرية التي ترفع في وجوه مواطنيها لافتة الأمن القومي، فتطارد مدوِّنًا "فضفض بكلمتين" على التواصل الاجتماعي، وتعتقل صحفيًا أو رسام كاريكاتير لأنه عبَّر عن رأيه سلميًا، وترمي بمعارضيها في دوامات الحبس الاحتياطي، بتهم هلامية زئبقية، لا يبدو أنها تتعامل مع هذه الحقيقة، فإذا بها تمضي قدمًا في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع عدونا التاريخي.

في ما يتعلق بصفقة استيراد الغاز من العدو، بقيمة 35 مليار دولار، دع عنك الاعتبارات الأخلاقية، ومبادئ العروبة والدور المنوط بـ"تاج العلاء في مفرق الشرق"، والاتصال الحتمي بين الأمن في قطاع غزة المحاصر والمجوَّع وفي مصر، ولا تلتفت لدراسات استراتيجية، وأخرى في الجغرافيا السياسية، تؤكد ذلك وعلى رأسها دراسات الراحل الكبير جمال حمدان.

سأكلمك عن الأمن القومي المصري، في أضيق هوامشه، وانطلاقًا من فرضية خرافية، تلوكها ألسنة الحمقى أو المأجورين المدلسين، وينهق بها إعلاميو الفضائيات، من أن مصر التي سددت أثمانًا فادحة من دماء أبنائها، ومن مقدراتها الاقتصادية، لم يعد لها ناقة ولا جمل بأي شيء خارج حدودها.

إذا اعتبرنا أن هذه الرؤية الانكماشية، لا تفضي إلى ضياع هوية مصر الحضارية "أي كينونتها"، وذوبان شخصيتها المتفردة، فإن الصفقة من قبل ومن بعد، تضع أصابعنا تحت ضرس مجرم الحرب نتنياهو.

لا تقل لي إن هناك شروطًا جزائية تُلزم الطرفين، ونحو ذلك من تبريرات وهمية وعبثية، فدولة الاحتلال محض تنظيم إرهابي، تثبت جرائمه في الماضي والحاضر، أن هذه الرومانسية الحالمة، لا مكان لها في عالم لا يحترم المواثيق بل القوة.

هل تريد مثالًا على بلطجة إسرائيل دوليًا؟

انظر حملة التنكيل التي تشنها الصهيونية العالمية، ومعها إدارة مقاول البيت الأبيض، على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية؛ كريم خان، على خلفية تحقيقاته التي انتهت إلى ضرورة محاكمة مجرمي الحرب من ساسة تل أبيب.

إسرائيل لا تحفظ عهودها، ولا تحترم اتفاقياتها، وترمي بالقوانين في سلال القمامة.

ليس ادعاء منبت الصلة بالواقع، بل حقيقة يقررها الأب الروحي لدولة الاحتلال؛ بن جوريون شخصيًا، في مذكراته الموسومة: "بن جوريون.. يوميات شخصية".

يقول الإرهابي المؤسس بلغة صفيقة وقحة: "إن مصير إسرائيل لن يُحسم في قاعات الأمم المتحدة، بل على أرض المعركة"، وفي موضع آخر يُبدي استخفافه بالمواثيق الدولية: "القانون جيد حين يخدم مصالحنا، لكن إذا تعارض معها، فعلينا تجاوزه".

تلك على بلاطة هي عقيدة التنظيم الإرهابي الذي يُسمى زورًا "دولة إسرائيل"، فهل كان استيراد الغاز منها حتمًا مقضيًا؟ أليست الجزائر "الشقيقة" مثلًا أولى بهذه الاتفاقية؟ أليس غريبًا أن تُقدِم مصر على ذلك بالتزامن مع التصريحات الإسرائيلية والأمريكية بشأن مؤامرة تهجير الغزيين إلى سيناء؟

ما من منطق يُعلل منح العدو فرصة التحكم في إمدادات الطاقة، لأنه بغير أدنى شك، سيضغط بهذه الورقة مع أول خلاف سياسي.. والخلاف بل والمواجهة قادمة لا محالة، وقد تكون قاب قوسين أو أدنى.

التراجع عن الاتفاقية الآن، مهما كان مكلفًا، خير "وربما أرحم" من أن ترتهن إمدادات الطاقة حتى عام 2040 للعدو الذي يبدي البغضاء، وما يخفي صدره أكبر.

كانت هنالك بدائل، وما زالت هنالك بدائل، لكن إرادة ما "استسهلت" المضي قدمًا في إجراء ليس مستساغًا بأي ذريعة، ومرفوض بكل المعايير.

الطاقة الشمسية.. ثروة مصر المهدرة

من البدائل التي لم يؤخذ بها ولم تُراعَ، أن مصر مؤهلة لإنتاج الطاقة من الشمس، إذ تقع جغرافيًا في قلب الحزام الشمسي العالمي، الذي يتمتع بأعلى معدلات سطوع على وجه الأرض، وذلك بمتوسط إشراق ما بين تسع وإحدى عشر ساعة يوميًا.

هناك دراسات مصرية وعالمية تُقدِر أن استغلال 1% من الصحراء الغربية، الممتدة على مساحة ثلثي البلاد، سيحقق فائضًا من الطاقة يتيح تصديرها إلى أوروبا، وستساهم عوائد ذلك من النقد الأجنبي، في انتشال البلاد من أمواج الديون والفوائد التي تتخبّط فيها.

من تلك الدراسات، دراسات للمركز القومي للبحوث، أجريت تسعينيات القرن الماضي، وثانية لكلية الهندسة بجامعة القاهرة في الغضون ذاتها، وثالثة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2017، ورابعة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة عام 2018، وأيضًا -للمفارقة البائسة- دراسات للهيئة المصرية العامة للكهرباء عام 2019.

إلى جانب الصحراء الغربية، فإن أسوان تعد كنزًا شمسيًا، والدليل مجمع "بنبان" الذي يعد من أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في العالم.

كل الدراسات أجمعت على تعظيم مخرجات الاعتماد على الطاقة الشمسية، فانخفاض الرطوبة النسبية في المواقع المرشحة لتشييد المجمعات، يزيد من الأعمار الافتراضية للألواح، ويؤخر تعرضها للتآكل، كما إن قرب تلك المواقع من شبكات الضغط العالي يُسهِّل الدمج مع الشبكة القومية.

وفي ما يتصل بالعقبات الاقتصادية، فيمكن تقليلها عبر تصنيع الألواح الشمسية محليًا، مع مراعاة أن ذلك مشروع تنموي مستدام وكبير، وسيوفر عشرات الآلاف من فرص العمل.

المؤكد أن مشروعًا كهذا كان أجدى وأهم من تفريعة قناة السويس، أو العاصمة الإدارية، ونحو ذلك من "الإنجازات الخرسانية" غير الإنتاجية، لكن فات أوان هذا الكلام، والوقت ليس وقت البكاء على اللبن المسكوب.

المطلوب والحتمي والمفروض أن نبدأ الآن، قبل ألا يكون هناك آن.

هنالك مشروعات كبرى أعلنت الدولة أنها بصدد تنفيذها منذ عام 2018، منها مجمع للطاقة الشمسية في الواحات الغربية وغرب المنيا، وآخر في واحة الفرافرة، لكن جميعها "معطلة".

لدينا البدائل، ولا بد أن نستثمرها استثمارًا رشيدًا، في إطار مشروع وطني واقعي يتوخى صون استقلالية قرارنا، باعتباره مرادفًا لأمننا القومي.

خطيئة تقليص مساحات زراعة القمح

لماذا نهدر المتاح بين أيادينا من فرص سانحة؟

بجانب البيروقراطية المصرية العتيدة والمفسدة، أخشى أن السبب يكمن في مؤامرة سوداء، ترمي إلى عرقلة مسيرة مصر نحو الاستقلالية، على غرار ما اقترفه المخلوع مبارك، حين قلَّص مساحات زراعة القمح، بذريعة أن الفراولة أجدى اقتصاديًا، فإذا بنا نستورد "لقمة العيش"، وإذا بأمننا "القومي الغذائي" يرتهن اليوم، بمتغيرات حرب روسيا وأوكرانيا شمالي الكرة الأرضية.

إذا كان المؤكد بداهةً أن من لا يملك غذاءه، لا يملك قراره، فإن من لا يملك الطاقة أيضًا، يستحيل أن يملك قراره، لأن الطاقة وببساطة شديدة، هي الزراعة والصناعة وحياة الناس أيضًا، فما بالنا إذا كان عدونا هو الذي يملك أن يمنحنا أو يمنعنا إياها؟

لا للاتفاقية، نقولها إبراءً للذمة، ونقولها حرصًا على أمن بلدنا القومي التي لا نملك ولا نريد عنها بديلا، وما من شيء أعز وأغلى منها.

لا للاتفاقية نجهر بها، لأن مصر الرائدة؛ قائدة أمتها، لا ينبغي مهما بلغت وطأة الضغوط، أن توطد علاقاتها بسافكي دماء الأشقاء.

لا للاتفاقية، بكل المعايير الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والبرجماتية والقومية والأخلاقية والإنسانية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة