في تصعيد لافت، أعلن الجيش السوداني في الرابع من أغسطس الجاري، امتلاكه "وثائق ومستندات تثبت تورط مرتزقة من جمهورية كولومبيا"، يقاتلون في صفوف قوات "الدعم السريع" في مدينة الفاشر. وأكدت الحكومة السودانية أنها قدمت هذه الأدلة إلى مجلس الأمن الدولي، محذرة من أن الصراع يتحول إلى "حرب إرهابية عابرة للحدود تدار بالوكالة".
عادت قضية المرتزقة الكولومبيين في السودان إلى الواجهة من جديد، مع إصدار الجيش بيانات رسمية تؤكد وجودهم وتكشف عن أدوارهم القتالية المتقدمة إلى جانب قوات "الدعم السريع"، في حرب دخلت عامها الثالث. ونشر الجيش مقاطع فيديو لمرتزقة كولومبيين قُتلوا في المعارك الأخيرة بالفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.
وإذا سقطت الفاشر، فإن قوات الدعم السريع ستسيطر على جميع أنحاء دارفور تقريبًا، وهي منطقة شاسعة متاخمة لليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان، مما يمهد الطريق لما يقول المحللون إنه قد يكون تقسيمًا فعليًا للسودان.
هذه الأحداث أعادت تسليط الضوء على شبكة دولية معقدة يُعتقد أن الإمارات تقف وراءها لتمويل وتسهيل هذه العمليات.

80 كولومبيًا في حصار الفاشر
كشفت "القوة المشتركة" للحركات المسلحة، التي تقاتل إلى جانب الجيش، تفاصيل أكثر دقة، مؤكدة مشاركة أكثر من 80 مرتزقًا من كولومبيا في الهجوم الأخير على الفاشر، إضافة إلى وجود جنسيات من تشاد وجنوب السودان.
وذكرت أن الدعم السريع استعان بهولاء المرتزقة لاستهداف كل من يحاول الخروج من الفاشر، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، في انتهاك للقوانين الدولية الإنسانية.
وأوضح متوكل أبوجا، وهو متحدث إعلامي باسم القوة المشتركة، لـ فَكّر تاني، أنه تم "تحييد عدد كبير من هؤلاء الكولومبيين، الذين كانوا مكلفين بتشغيل الطائرات المُسيّرة وتنسيق عمليات القصف المدفعي على الفاشر. وأشرفوا على تدريب أطفال للقتال بجوار الميليشيا الانقلابية".
"مرتزقة كولومبيا متورطين مع الميليشيا (الدعم السريع) منذ سبتمبر الماضي، حينما أتوا عبر بنغازي في ليبيا عبر طرق صحراوية ليشاركوا في المحاولة الفاشلة للسيطرة على الفاشر"، يشير أبوجا. ويلفت إلى مقتل ثلاثة منهم في أكتوبر الماضي وفرار آخرين حينها.

"ذئاب الصحراء" وجريمة تدريب الأطفال
كشف تحقيق جديد لموقع "لا سيلا باسيا" الكولومبي، عن تفاصيل صادمة حول هوية هؤلاء المرتزقة ودورهم. يُعرف هؤلاء المقاتلون، الذين يُقدر عددهم بأكثر من 400، باسم "ذئاب الصحراء"، وهم عسكريون كولومبيون سابقون.
والأخطر من المشاركة في القتال، هو تورطهم في جريمة حرب موثقة وهي تدريب الأطفال الجنود. ونقل التقرير عن مرتزق سابق يُدعى "سيزار" اعترافه بتدريب أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عامًا في معسكرات جنوب مدينة نيالا، معقل قوات "الدعم السريع".
وقد وصف تدريب الأطفال بأنه أمر "قبيح" و"مؤسف"، لكنه برر ذلك بالقول: "يجب تدريبهم، للأسف هذه هي الحرب". وأظهر البحث الذي أجراه فَكّر تاني على مواقع التواصل الاجتماعي انتشار صور بالفعل لأشخاص من المرتزقة الكولومبيين رفقة أطفال سودانية تحمل السلاح وأخرى تجري تدريبات بدنية.
وكثّفت قوات الدعم السريع من تجنيد الأطفال قسريًا في الأشهر الأخيرة بسبب النقص في قواتها النظامية، وتهدد بمهاجمة القرى التي لا ترسل رجالًا وأطفالًا للانضمام إليها. ويُعتبر تجنيد واستخدام الأطفال دون سن 15 عامًا جريمة حرب بموجب القانون الإنساني الدولي.
وصادقت كل من كولومبيا والسودان على البروتوكول الاختياري المتعلق بمشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة، والذي يحظر تجنيد أي شخص دون سن 18 عامًا تحت أي ظرف من الظروف.
وضمت معسكرات التدريب ما بين 1000 إلى 3000 سوداني للتدريب لفترة بين أربعة إلى خمسة أسابيع على تعلّم استخدام الأسلحة مثل البنادق الهجومية والمدافع الرشاشة وبنادق دراجونوف للقناصين، وقاذفات الصواريخ (RPG)، بالإضافة إلى فك وتركيب هذه الأسلحة.
ولخدمة هذه العمليات المعقدة، كشف موقع "أفريكا إنتلجنس"، عن تحول مطار بوصاصو في الصومال، الذي تديره شركة تابعة لصندوق أبوظبي للتنمية، الذي يرأسه مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، إلى حلقة وصل رئيسية في جسر جوي لنقل الأسلحة والمرتزقة إلى دارفور، عبر ليبيا، بعيدًا عن الرقابة الدولية.
تأتي هذه الاتهامات الجديدة بعد تقارير أفادت بأن الدعم السريع سلّم السيطرة على مخيم زمزم للنازحين إلى المرتزقة الكولومبيين. ويُعد المخيم من أكبر المخيمات في السودان ويقع في الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني في دارفور بأكملها.
وبعد أن استولت القوات شبه العسكرية على المخيم في 11 أبريل الماضي، بعد ثلاثة أيام من الهجمات التي أجبرت ما يقرب من نصف مليون شخص على الفرار، أصبح الموقع محتلاً "من قبل جماعات مسلحة ناطقة بالإسبانية"، بحسب المتحدث باسم المخيم، محمد خميس دودا. وهو ما أظهره مقطع فيديو لعدد من المرتزقة خلال تجولهم بسيارة داخل المعسكر بعد دماره.
وارتكبت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" وشقيقه عبد الرحيم، القائد الفعلي على الأرض، جرائم حرب بما في ذلك التطهير العرقي في دارفور والتجنيد القسري للقُصّر والاغتصاب الجماعي للنساء.

شبكة "الزعابي" الإماراتية: مركز عمليات يتجاوز تجنيد المرتزقة
ردت الإمارات على ادعاءات ما وصفتها بـ"سلطة بورتسودان"، قائلةً إنها "تفتقر إلى أي دليل، ولا تعدو كونها مناورات إعلامية هزيلة تهدف إلى تشتيت الانتباه عن مسؤولية هذه السلطة المباشرة في إطالة أمد هذه الحرب الأهلية التي امتدت إلى أكثر من عامين وإفشال كافة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق السلام في السودان".
رغم ذلك، تشير الأدلة إلى أن هذه العمليات لا يمكن أن تتم دون شبكة لوجستية وتمويلية معقدة. وهنا يبرز اسم الإمارات بشكل متكرر، رغم نفي أبوظبي الرسمي.
وفقاً لتحقيق "لا سيلا باسيا"، فإن العملية الدولية للمرتزقة تُدار بالشراكة مع شركة أمن إماراتية تدعى "مجموعة خدمات الأمن العالمية" (GSSG). وبحسب الوصف الموجود على موقعها الإلكتروني، فإن هذه الشركة هي "أول شركة أمنية خاصة في دولة الإمارات تحصل على ترخيص أمني مسلح".
وأرسلت الشركة مئات المرتزقة الكولومبيين إلى السودان عبر معسكرات مؤقتة داخل مطار بوصاصو. بعض هؤلاء المرتزقة كان لديهم خبرة سابقة في العمل ضمن قوات خفر السواحل المحلية التي أنشأتها الإمارات في ولاية بونتلاند الصومالية.
وتم تدريبهم على قيادة الطائرات بدون طيار (مثل طائرات بيرقدار تركية الصنع، أو CH-95/FH-95 الصينية) في قاعدة قرب أبو ظبي قبل دخولهم السودان.
يقود الشركة الإماراتي محمد حمدان الزعابي، الذي يُقدم نفسه وشركته كجزء من قطاع الأمن الخاص المتطور في الإمارات، وكرائد أعمال يتمتع بـ"رؤى عميقة" في سوق الخدمات الأمنية الإقليمية، ويقود فريقًا من الخبراء العسكريين والأمنيين لتقديم "حلول أمنية مستقبلية".
لكن يلعب دور أعمق يجعله شخصية محورية في تنفيذ أجندة خارجية حساسة للدولة الخليجية. إذ يُعتبر الزعابي المسؤول المباشر عن التعاقد مع الشركات الكولومبية الوسيطة، مثل شركة A4SI، التي تم تغيير اسمها لاحقًا إلى (Fenix)، وتملكها زوجة عقيد كولومبي متقاعد، يدعى ألفارو كويجانو، لتوريد مئات الجنود السابقين.
وخرج كويجانو من الجيش الكولومبي في العام 2007، بسبب علاقات مشبوهة مع عصابة مخدرات شهيرة في كولومبيا والتي أدت للقبض عليه لاحقًا. كما ارتبطت شركته بتأسيس لواء في الجيش الإماراتي من الجنود الكولومبيين؛ لحماية شخصيات إماراتية بارزة.
كما هناك شركة أخرى مرتبطة بكويجانو تُدعى Global Staffing S.A، مسجلة في بنما. ويُظهر موقعها نشر إعلانات توظيف لتجنيد مرتزقة في إفريقيا وآسيا.

وتشرف (GSSG) التي يرأسها الزعابي على كامل العملية اللوجستية، بدءًا من استقطاب المقاتلين في كولومبيا، مرورًا بتدريبهم في معسكرات مؤقتة قرب أبو ظبي ثم داخل مطار بوصاصو، حيث يُمنع المرتزقة من حمل هواتف مزودة بكاميرات وتتم مراجعة هواتفهم لمنع تسرب المعلومات، وصولًا إلى نقلهم عبر محطات عبور سرية من المطار إلى مناطق النزاع في السودان، وتحديدًا دارفور.
وكشفت شهادات سابقة للمرتزقة أنهم وقعوا عقودًا مع (GSSG) على أساس أنهم سيعملون في حراسة منشآت نفطية، لكنهم وجدوا أنفسهم على الخطوط الأمامية للقتال، مما يشير إلى أن الزعابي وشركته أداروا عملية توظيف قائمة على الخداع.
يقول لـ فَكّر تاني باحث متخصص في الشأن السوداني يتعاون مع مراكز أبحاث غربية تتلقى تمويلات إماراتية، وفضّل عدم ذكر اسمه، إن إدارة عملية عسكرية بهذا الحجم والسرية في الإمارات "أمر مستحيل دون موافقة وتنسيق على أعلى المستويات في جهاز الأمن القومي الإماراتي، وتحديدًا طحنون بن زايد".
"لا يمكن النظر إلى الزعابي وشركته ككيان خاص مستقل، بل كأداة تنفيذية لتنفيذ أهداف السياسة الخارجية الإماراتية التي تفضل استخدام أدوات غير رسمية لتجنب المساءلة المباشرة. هذا الأسلوب استُخدم سابقًا في نزاعات أخرى مثل اليمن وليبيا"، يضيف الباحث.
وكشفت "نيويورك تايمز" عام 2015، إرسال الإمارات أكثر من 400 جندي كولومبي كانوا يتدربون في معسكرات إماراتية، للقتال في حرب اليمن ضد الحوثيين؛ مقابل رواتب شهرية تصل إلى 7 آلاف دولار.
ولا يبدو أن علاقات الزعابي مقتصرة على السودان، ففي 24 يونيو الماضي، ظهر رفقة رئيس هيئة الأركان المشتركة لقوات الدفاع الشعبي الأوغندية. وصرح الزعابي بأن زيارته إلى أوغندا تهدف إلى "تنسيق تدريب الكوادر الإقليمية" دعمًا للسلام والاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.
كما ظهر اسمه عام 2019 في تقرير لـ"نيويورك تايمز"، زعم أنه مالك شركة أنتجت دعاية ضد الثورة السودانية آنذاك، ولصالح المجلس العسكري الانتقالي وتحديدًا قائد الدعم السريع، حميدتي. وكانت الشركة تُدار من مركز "تو فور54" للإنتاج السمعي والبصري، المملوك للحكومة الإماراتية في أبوظبي.

لماذا المرتزقة الكولومبيين تحديدًا؟
يشير الباحث في الشأن السوداني إلى أن تجدد ظهور المرتزقة الكولومبيين وتورطهم في جرائم حرب، وبأدوار متقدمة كتشغيل المسيّرات، "لا يمثل فقط انتهاكًا لسيادة السودان بل يؤشر على تدويل خطير للنزاع، ويُظهر كيف أن شبكات عابرة للحدود مدعومة ماليًا ولوجستيًا، قادرة على تأجيج الحروب وإطالة أمدها لتحقيق مصالح خارجية".
الاعتماد المكثف على المقاتلين الكولومبيين ليس صدفةً، بل يعود لمجموعة من العوامل منها أنهم "يتيحون لعملائهم إمكانية الإنكار المعقول، ويمكن التنصل منهم حال القبض عليهم أو قتلهم"، بحسب الباحث المتخصص في شؤون جماعات المرتزقة، شون ماكفيت.
ويقول ماكفيت لـ فَكّر تاني، إن هؤلاء المقاتلين "يأتون من قسم قوات العمليات الخاصة في الجيش الكولومبي، وهو قسم جيد جدًا ورخيص التوظيف". ويضيف أنهم "يحترمون التسلسل القيادي، وهم من قدامى المحاربين في حروب المخدرات والعصابات الطويلة في بلادهم، وقد تدرب العديد منهم على يد قوات خاصة تابعة للجيش الأمريكي. كما أنهم رخيصو الأجر فتكلفتهم ربع تكلفة المرتزقة الأمريكيين أو البريطانيين، لكنهم يقدمون أداءً مماثلاً".
والأهم أنهم "معروفون بطاعتهم للأوامر وولائهم المطلق لمن يدفع الراتب، دون أن يكون لهم أي مصلحة في السياسات المحلية للبلد الذي يقاتلون فيه، وهي خصائص تجعلهم أداة مثالية لمن يوظفهم".
لكن ماكفيت يحذر من أن "زيادة عدد المرتزقة تعني المزيد من عدم الاستقرار للجميع. إذ يُمكن للمرتزقة بدء أو إطالة أمد النزاعات المسلحة من أجل الربح. كما يمكن أن يتحولوا إلى مجرمين يمارسون السرقة والابتزاز في الفترات التي تلي انتهاء عقودهم".
وتصل رواتب المرتزقة الكولومبيين في السودان إلى متوسط 2600 دولار شهريًا وهو ما يمثل أضعاف رواتبهم في كولومبيا التي يصل المتوسط فيها إلى 400 دولار شهريًا. ورغم ذلك فقد اشتكوا من تأخر صرف أجزاء من رواتبهم.
يُقدر تقرير صادر عن "لوموند ديبلوماتيك" أن حوالي 10 آلاف مرتزق كولومبي قاتلوا في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، معظمهم جنود سابقون استأجرتهم الإمارات. كما قاتل المئات منهم مع القوات الأوكرانية ضد القوات الروسية.
وبحسب المجلس الأطلنطي، يُعد نشر المرتزقة الدوليين "علامة مميزة لعمليات الإمارات في صراعات إقليمية أخرى"، ودليل على "الشبكة الدولية الغامضة التي تغذي الصراع المتصاعد في السودان". ويُشير أن دعم الإمارات، بالإضافة إلى استثماراتها في التعدين والزراعة، هي محاولة محسوبة لتشكيل المسار السياسي والاقتصادي للسودان.
يتوقع ماكفيت أن تتحول الحروب إلى "خصخصة كبيرة" خلال العقود القادمة، وذلك بسبب تزايد "انتشار السلطة بين الجهات الفاعلة غير الحكومية في النظام الدولي". وأوضح أن كولومبيا تعتبر "متبنية مبكرة" للمرتزقة، مُرجحًا أن تستفيد من نمو هذه الصناعة، في الوقت الذي سيزداد فيه انتشار المرتزقة من البلدان الأخرى.
لكن العلاقة بين كولومبيا ودبي قد تكون أعمق من مجرد توظيف مرتزقة. فقد أثارت اتهامات الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو، مؤخرًا جدلاً واسعًا حول وجود محاولة انقلابية مما أسماهم "جماعة دبي"، وهي شبكة من كبار تجار المخدرات الكولومبيين تعمل من الإمارة وتُحرك عملياتها الإجرامية والسياسية من هناك.
ورغم أن مدير الشرطة الكولومبية صرح بأنه "لا توجد أدلة قاطعة" على وجود محاولة من هذا النوع حتى الآن، إلا أنه أكد وجود شخصيات مؤثرة في تجارة المخدرات تتمركز بالفعل في دبي، مما يوضح أن الإمارة أصبحت ملاذاً لشبكات متعددة، لا تقتصر فقط على الشركات الأمنية.
ونتيجة الحرب، التي تدعم الإمارات استمرارها، تفاقمت الأزمة الإنسانية في السودان لتصبح الأسوأ في العالم، مع حوالي 20 مليون شخص يعانون من الجوع، وحوالي 12 مليون نازح قسري. وما يُقدّر بـ 150 ألف قتيل.