في بيتنا رجل.. الحدود الوهمية بين القفص والوسام

من بين الأفلام التي لا أتردد في متابعتها كلما صادفتها على شاشة التلفاز، يظل فيلم “في بيتنا رجل” حاضرًا في قلبي وذاكرتي، وهو مأخوذ عن رواية الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، وهو من الأفلام التي تأثرت بها كثيرًا أثناء فترة الجامعة، خصوصًا القيم العظيمة التي يقدمها هذا الفيلم، الذي يتكرر عرضه كثيرًا خصوصًا مع الأسبوع الأخير من شهر يوليو كل عام حيث تبدأ الاحتفالات بحركة يوليو 1952.

تأخذنا الرواية إلى عالم الشاب الثائر إبراهيم حمدي، طالب الحقوق الذي جسّده عمر الشريف، المنخرط في العمل السري ضد الاحتلال البريطاني، والمتصادم مع السلطة المصرية آنذاك، ومع جهاز البوليس السياسي الذي كان يطارد المناضلين كذئب يتعقب فريسته.

يشارك إبراهيم في المظاهرات، يحرض عليها ويخطط لها، حتى يسقط صديقه محمود شهيدًا في إحداها، فيقرر أن ينتقم باغتيال رئيس الوزراء الذي يراه خائنًا.

وحين يقع في قبضة السلطة، يذوق مرارة التعذيب في السجن، قبل أن يمنحه ممرض متعاطف طوق نجاة، فيهرب إلى بيت صديقه محيي زاهر (حسن يوسف)، الشاب البعيد عن السياسة، لتبدأ الحكاية في بيت أسرة تحتضن المناضل، ورغم خوفهم من فكرة الارتباط بالعمل السياسي وإيثارهم للسلامة بشكل عام، إلا أن وطنيتهم تظهر في ذلك الموقف، ويحتضنون الشاب الثائر ويقومون بحمايته.

كان الفيلم لوحة فنية شارك في رسمها عمالقة الشاشة المصرية: رشدي أباظة، وحسن يوسف، وزبيدة ثروت، وزهرة العلا، وحسين رياض.

ولم يكن الأمر بعيدًا عن اهتمام دولة يوليو، التي رأت في العمل تجسيدًا لنضال الشعب ضد الحقبة الملكية الممزوجة بظل الاستعمار وفساد النخبة وغياب العدالة الاجتماعية، ولهذا جاء الإنتاج السينمائي في تلك الفترة غنيًا بالقصص التي تروي مقاومة الإنجليز والقصر.

أتذكر أنه في عام 2014، وأنا خلف أسوار السجن، قرأت مقالًا قديمًا عن الرواية، أشار فيه كاتبه إلى الانتقادات التي وُجِّهت لإحسان عبد القدوس بعد نشرها، بزعم أن شخصية إبراهيم تحمل سمات الشيوعية.

الهجوم جاء من أقلام رأت في الشيوعية فكرًا دخيلًا على مصر، ومن تيارات محافظة اعتبرتها خطرًا على الدين والقيم الاجتماعية، بل وحتى من كُتّابٍ مقربين من نظام يوليو، الذي كان حينها في مواجهة مفتوحة مع التنظيمات الشيوعية السرية.

اتهمه البعض بالترويج للفكر الشيوعي عبر بطل الرواية، بينما دافع إحسان مؤكدًا أن غايته كانت تصوير الواقع الاجتماعي والسياسي كما هو، بجميع تناقضاته، بما في ذلك دور التنظيمات الشيوعية الذي كان لها دور قبل 1952 في مقاومة الاستعمار والإقطاع، دون أن يعني ذلك تبنيه لهذه الأفكار.

ولكن تم تدارك هذا الأمر عند صناعة الفيلم بعد ذلك، فظهر إبراهيم والتنظيم السري كمناضلين وطنيين بدون لون إيديولوجي أو سياسي، مثل العديد من الأفلام التي تم إنتاجها في فترة الخمسينيات والستينيات لتتحدث عن العهد الملكي والاستعمار والنضال ضدهم بدافع وطني، ودور البوليس السري أو القلم السياسي في مطاردة الوطنيين والتنكيل بهم.

صورة نادرة من انتفاضة طلاب و طالبات جامعة القاهرة في 13 نوفمبر سنة 1935 (وكالات)
صورة نادرة من انتفاضة طلاب و طالبات جامعة القاهرة في 13 نوفمبر سنة 1935 (متداولة)

ولكن ذلك يثير بعض الملاحظات؛ الأولى حول كيف كانت الاغتيالات السياسية تُصوَّر حينها كأعمال نضالية؟

يرى البعض أنه في ذلك الوقت كان العنف السياسي والاغتيالات أمرًا مشروعًا ووسيلةً دارجةً للتغيير، قبل انتشار فكرة إمكانية التغيير السلمي وتداول السلطة بشكل ديمقراطي ودون عنف، فالوضع السياسي وصل إلى انسداد عميق في نهاية الأربعينيات حتى أدى في النهاية للانقلاب أو حركة الضباط في 23 يوليو 1952.

أتذكر أيضًا في عام 2011 قرأت مقالًا طويلًا من جزئين في جريدة المصري اليوم للكاتب الكبير الدكتور ميلاد حنا، عن تطور الجهاز الأمني الخاص منذ عهد الخديوي إسماعيل أواخر القرن الـ19 عندما تم إنشاء قسم مخصوص في البوليس لتأمين إقامة الأجانب في مصر ولمواجهة المؤامرات ضد الخديوي، إلى دوره في تعقب أنصار عرابي أو من شاركوا في هوجة عرابي في عهد توفيق، إلى أن تم اغتيال رئيس الوزراء المصري بطرس غالي في بدايات القرن الـ20، فتم إنشاء القلم المخصوص تحت إدارة الحاكم البريطاني، والذي حمل عدة أسماء بعد ذلك مثل الخدمة السرية والقلم السياسي، والبوليس السياسي، وكانت في البداية بإدارة إنجليزية ثم مشتركة إلى أن أصبحت بإدارة مصرية ولكن تحت إمرة القصر والإنجليز.

ويذكر الدكتور ميلاد حنا في مقالته أنه في عام 1924 استخدم الملك فؤاد مكتب البوليس السياسي لإبطال مؤامرات الخديوي عباس الذي تم خلعه، وامتد نشاط هذا القسم لتركيا وأوروبا لمتابعة المتورطين في تلك المؤامرات الخارجية ضد الملك.

وكان للبوليس السياسي كذلك نشاط كبير في متابعة ومحاصرة الحركات الشيوعية، وكذلك أي حركات وطنية تعمل على تنفيذ اغتيالات أو أعمال عنف ضد الإنجليز، كما عمل ذلك القسم على تعقب المتعاطفين مع الألمان في فترة الحرب العالمية الثانية، واستخدم البوليس السياسي وسائل التعذيب وكل الوسائل الوحشية ضد الوطنيين والمناضلين المصريين أيًّا كان انتماؤهم، وكذلك تلفيق التهم والقضايا، بهدف حماية النظام وحماية الدولة وجلالة الملك، وأيضًا كان هناك ارتباط بالحكومات المتوالية؛ حيث كان من في السلطة يستخدم البوليس السياسي للتنكيل بخصومه السياسيين.

الضباط الأحرار يتوسطهم قائدهم اللواء محمد نجيب (وكالات)
الضباط الأحرار يتوسطهم قائدهم اللواء محمد نجيب (وكالات)

يذكر أيضًا الدكتور ميلاد حنا أن ضباط يوليو قاموا بإلغاء ذلك القسم الذي نكّل بالمناضلين سابقًا، ولكن سرعان ما أعادوهم للخدمة مرةً أخرى للاستعانة بمعلوماتهم لمواجهة بقايا الأحزاب السياسية التي تم حلها، ثم لمواجهة التنظيمات الشيوعية وجماعة الإخوان بعد عام 1954، وعمل القسم بعد ذلك تحت اسم المباحث العامة ثم مباحث أمن الدولة ثم جهاز أمن الدولة حتى عام 2011.

الملاحظة الثالثة أن قطاعات واسعة من الناس، في ذلك الزمن، كانت تفضّل الابتعاد عن أي موقف سياسي معارض للسلطة، وكأنها تمشي “جنب الحيط أو داخل الحيط”، أما المناضلون فظلوا دائمًا أقلية، قلة يراها البعض (من بعيد) بعين الإعجاب لما تحمله من جرأة، بينما ينظر إليها آخرون بريبة أو نفور، خشية أن يجلب الاقتراب منهم سخط البوليس السياسي أو فقدان الامتيازات، أو خشية التورط في شبهة لا يد له فيها، وكثيرًا ما كان اللوم يتوجه لا إلى السلطة أو الاحتلال، بل إلى هؤلاء الذين ضحوا بأعمارهم في سبيل قضية. كانت العبارة المألوفة على الألسن: “إحنا مالنا بالسياسة يا بني… خلينا في حالنا”، خلينا جنب الحيط، و”من خاف سَلِمَ”، جملٌ سمعناها في أكثر من عمل فني تناول تلك الحقبة وما بعدها، وكأنها تلخيص لفلسفة الخوف الجماعي.

الملاحظة الرابعة هي اختلاف التصنيف حسب زاوية النظر، أو حسب الموقع في مدرجات التشجيع؛ فما فعله إبراهيم في فيلم “في بيتنا رجل”، يُعَدُّ وفق قانون اليوم جريمةً كاملة الأركان، كما كان بالمناسبة يُعَدُّ جريمةً في زمن الملكية، لكن الفارق أن قواعد ومعايير ما بعد يوليو 1952 اعتبرت أن كل الأنشطة التي وُجِّهت ضد القصر وحكوماته تُعَدُّ نضالًا وطنيًّا، بينما الفعل نفسه في العهود اللاحقة يُصنَّفُ إرهابًا.
فالمعايير تتبدل مع تبدل الأنظمة، فلو أن ضباط يوليو أقاموا نظامَ حكمٍ شيوعيًّا لما انتقد أحدٌ كاتبَنا إحسانَ عبد القدوس في تلميحه بأن بطل الرواية شيوعيٌّ.

الأمر ذاته تكرر بعد ثورة يناير، حين صعد شباب الثورة إلى منصة البطولة باعتراف الدولة، ثم أُنزِلوا منها بقسوة حين تغيّر المزاج السياسي، فصاروا بين عشية وضحاها خونةً أو متمردين، تطاردهم الاتهامات ويلاحقهم الانتقام طوال حياتهم.

وهكذا يعلّمنا التاريخ أن البطولات ليست مطلقةً، وأن الشرعية ليست إلا مرآة تعكس الضوء القادم من قصر الحكم، فما يُرفع اليوم على أكتاف الجماهير قد يُساق غدًا إلى قفص الاتهام، وما يُسمَّى خيانةً في زمن، قد يُصبح وسامًا في زمن آخر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة