من ورقة ضغط لأخرى مهملة.. عمال "بلبن" في مهب ريح الفصل

قبل أربعة أشهر فقط من انتهاء عقده السنوي محدد المدة، وجد عمر، أحد العاملين في فرع سلسلة حلويات "بلبن" بالقاهرة، نفسه أمام خيارين: إما التوقيع على استقالة إجبارية مقابل الحصول على راتب شهر يوليو، أو خسارة كل شيء.

يقول عمر، مستعيدًا الحوار الذي دار بينه وبين الإدارة: "لما رفضت أمضي على الاستقالة، قالولي مش هتقبض وبرضو مش هتفضل في الشغل، وأنا عندي بيت وعيال ومقدرش أقعد يوم من غير فلوس".

تحت وطأة هذا التهديد المباشر، اضطر عمر للتوقيع على الإقرار، ليحصل على راتب شهر يوليو وثلاثة أيام عمل فقط من شهر أغسطس، ويصبح واحدًا من مئات الموظفين الذين وجدوا أنفسهم خارج الشركة بشكل مفاجئ رغم وجود عقود سارية.

مأساة عمر لم تكن حالة فردية، بل تكشف عن أزمة أوسع. فبحسب شهادات متعددة اطلعت عليها فَكّر تاني، تواجه شركة "بلبن"، المملوكة لرجل الأعمال مؤمن عادل، اتهامات بفصل أكثر من 1500 عامل بشكل ممنهج على مستوى فروعها داخل مصر وخارجها.

وتأتي هذه الإجراءات بعد أشهر قليلة من أزمة أخرى، حين ناشد صاحب الشركة الرأي العام والحكومة في أبريل الماضي لإنقاذ "25 ألف أسرة" يعتمد مصيرها على استمرار عمل الشركة، عقب قرار حكومي بغلق عدد من فروعها لأسباب صحية.

تتذرع الإدارة الحالية بالتعثر المالي كسبب للفصل الجماعي، وهو ما ينفيه العمال، مشيرين إلى أن الشركة تواصل افتتاح فروع جديدة بالتزامن مع التخلص منهم، وهو أمر يثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء تشريد مئات الأسر التي كانت يومًا ورقة ضغط لكسب التعاطف.

لا عامل يبقى لعام

يؤكد عمر أن ما حدث معه هو نمط متكرر في جميع الفروع، حيث تقوم الإدارة بفصل نصف قوة العمل في كل فرع تقريبًا. وهو ما حدث مع محمد خيرت، أحد المفصولين من فرع القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، الذي أُجبر هو وخمسة من زملائه على توقيع استقالة مقابل راتب شهر يوليو فقط أيضًا.

يروي خيرت أن الإدارة لم تفصله مباشرة، بل حاولت أولًا نقله بشكل تعسفي إلى فرع في الإسكندرية، وعندما رفض هذا القرار، كان الفصل هو العقاب الفوري.

يشير في حديثه لـ فَكّر تاني، إلى أن ظروف العمل كانت قاسية بالفعل، حيث لا تتجاوز رواتبهم 6500 جنيه مقابل 10 ساعات عمل يوميًا، وأن الشركة لم تقم بواجبها في التأمين عليه هو وزملاؤه.

ويؤكد خيرت أن سياسة "الباب الدوار" هي القاعدة وليست الاستثناء: "الإدارة دائمًا ما تفصل عمالًا وتستبدلهم بآخرين، وهذا حدث كثيرًا حتى قبل أزمة الغلق، ونادرًا ما يوجد فريق عمل تخطى السنة داخل الشركة".

هذه السياسة في التعامل مع العمال أكدها أيضًا عامل آخر، رفض ذكر اسمه، موضحًا أن "التصفية مستمرة منذ شهرين".

وفي محاولة للحصول على تعليق، تواصلت فَكّر تاني مع وليد حواش، مدير فرع القناطر الخيرية، الذي أبلغ العمال بقرار الفصل. وجاء رده بأن "القرارات تأتي من الإدارة، وهي المنوط بها الرد"، وأصر على أنه لا يملك أي وسيلة للتواصل مع مسؤولي الإدارة.

مذبحة بلبن في عُمان

لم تقتصر أزمة الفصل على فروع مصر، بل امتدت لتشمل موظفين في الخارج تعرضوا لمواقف أكثر تعقيدًا. يقول محمد، الذي يروي قصة حلمه الذي تحول إلى كابوس: "أنا طلع عين أهلي علشان أسافر، واستلفت من طوب الأرض، وفي الآخر وصلت لأبشع صور تعاملهم معايا".

بعد وصوله سلطنة عُمان، عمل في أماكن مختلفة قبل أن تلتقطه شركة "بلبن". بعد 3 أشهر، أقنعته الإدارة بنقل الكفالة عليهم ووصفوه بأنه "ابن الشركة"، ليتم نقله إلى فرع "وهمي" التابع لهم.

يستكمل محمد قصته المليئة بالوعود المكسورة: "بعد سنة في الشركة، نزل قرار بغلق الفرع وأننا سنتنقل لفرع جديد في الإمارات، وبدأوا بالفعل يستخرجون لنا التأشيرات وحددوا ميعاد السفر". ثم جاءت الصدمة: "فجأة قالوا لنا مافيش سفر للإمارات وهتنزلوا مصر فترة صغيرة.. فات شهر ونصف حتى انتهت تأشيرة الإمارات، ثم أرسلوا لنا رسالة بأن موضوع الإمارات اتقفل ومفيش شغل".

لم يحصل محمد وزملاؤه سوى على مستحقات سنة واحدة، رغم أن إقامتهم كانت سارية لمدة سنتين، ليجد نفسه غارقًا في الديون وعاجزًا عن إعالة أسرته.

من ورقة ضغط إلى ورقة توت

وفي شهادة أخرى، كشف عامل رفض ذكر اسمه أنه فُصل تعسفيًا أثناء قضائه إجازته السنوية في مصر في مارس الماضي. بعد أن أنفق مبالغ كبيرة على تجهيز أوراقه استعدادًا للعودة، تم إبلاغه بإلغاء سفره وأن كل ما سيحصل عليه هو بدل 21 يوم إجازة و100 ريال ثمن تذكرة طيران.

وحتى كتابة هذا التقرير، لم تتلقَ فَكّر تاني أي رد من مسؤول الموارد البشرية في الشركة بعد التواصل معه للتعليق على فصل 15 عاملًا من فرع السلطنة.

تعود جذور الأزمة الحالية إلى 15 أبريل الماضي، عندما أصدر المهندس عادل النجار، محافظ الجيزة، قرارًا بغلق 12 منشأة تابعة للسلسلة في أحياء العجوزة والعمرانية وجنوب الجيزة والوراق وإمبابة والسادس من أكتوبر والشيخ زايد، بعد بلاغات عن حالات تسمم غذائي تكررت لاحقًا في فروع السعودية.

مؤمن عادل صاحب محلات بلبن

في ذلك الوقت، ظهر صاحب الشركة مؤمن عادل في برنامج "الحكاية" مع الإعلامي عمرو أديب، مناشدًا السلطات بالقول: "أناشدكم الله يكرمكم إحنا داخلين على عيد العمال وأيام مفترجه، عندنا عمال قاعدة في بيوتها وبيسألونا إحنا قفلنا ليه، والعمال مش عارفه مصيرهم، وأنا مش عارف هنفتح إمتى، أي حاجة تتطلب مني هنفذها، لدينا التزامات تجاه 25 ألف أسرة، العمال دي قاعدين في بيوتهم".

وبعد تدخل رئاسي، أعلنت الشركة في 25 أبريل عن إعادة فتح فروعها تحت إشراف الجهات المعنية، لتبدأ قصة نجاح "بلبن" التي انطلقت عام 2019 بفرع صغير لتصل إلى 110 فروع في مصر وفروع أخرى في 9 دول عربية، بـ 25 ألف عامل، موزعين على عدد من العلامات التجارية التابعة مثل: وهمي، وكرم الشام، وكنافة وبسبوسة، وعم شلتت، وبهيج، لكن هذه القصة تحمل الآن وجهًا آخر لمئات العمال المفصولين.

عالق في الغربة

تتجسد ذروة المأساة في قصة عامل آخر لا يزال عالقًا في سلطنة عمان. بعد أن أقنعته الشركة بنقل إقامته عليها واستقدم أسرته للعيش معه، أبلغته الإدارة بالاستغناء عنه وطالبته بإخلاء السكن التابع للشركة. وعندما أبلغهم أنه لا يملك مالًا لاستئجار مكان بديل، استدعوا له الشرطة التي طردته.

في تواصله مع فَكّر تاني، بدا العامل فاقدًا للأمل، غاضبًا، وفي حالة نفسية سيئة. تساءل بمرارة عن جدوى الحديث، وهل يمكن لكلماته أن تغير من قرار الإدارة التي تركته وأسرته بلا عمل أو مأوى في بلد غريب. قصة تلك وقصص المفصولين تعسفيًا مثله تترك السؤال مفتوحًا حول مصير عمال وأسرهم كانوا يومًا درعًا للشركة في أزمتها، وأصبحوا اليوم ضحية، كيف تحول هؤلاء من ورقة ضغط إلى ورقة توت أسقطتها الشركة لتكمل مسيرها بضحايا جدد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة