"أنا غني وفقير.. الاتنين سوا". بهذه الكلمات الأربع، التي تحمل في طياتها تناقض عمرٍ بأكمله، وضع "مالك" - اسم مستعار - حقيقته كاملة أمام الرجل الذي تقدم لخطبة ابنته. اعتراف صريح، بلا تزيين أو تجميل، يختزل قصة شاب مصري حُبس بين ما يملكه على الورق وما يعيشه في الواقع مع الإيجار.
تردد "مالك" طويلًا قبل أن يخطو نحو بيتها. قلبه لم يكن خائفًا من الحب، بل من ثقل الأعباء التي لا ترحم، فراتبه كموظف حكومي بالكاد يسد الرمق ولا يفيض منه شيء. يقتطع صاحب الشقة نصف هذا الراتب، ثمنًا لعقد إيجار جديد لا تتجاوز مدته السنتين، تجديده مرهون دائمًا برضا المالك ونسبة زيادة سنوية تلتهم أي أمل في ادخار.

حياتنا في "الكراتين"
جاء "مالك" إلى القاهرة من قنا وهو في الرابعة والعشرين من عمره، يحمل في حقيبته أحلامًا صغيرة بحجم الاستقرار، لكن رياح العاصمة كانت تأخذه من عمل إلى آخر، ومن شقة مؤقتة إلى أخرى. كل وظيفة كان يلتحق بها بالكاد تغطي إيجاره ومصاريفه. لم يكن في حياته متسع لادخار قرش واحد، ولا مساحة ليشعر بالأمان.
ولا تزال رحلة تنقله تلك في القاهرة ترسم خريطة من القلق المستمر: بدأ في حي المرج، ثم انتقل إلى الخصوص، ومنها حط رحاله في عزبة النخل، ليعود ويستقر مؤقتًا في المرج الجديدة.

في كل مرة، يُفرغ حياته في كراتين، يحمل أثاثه الذي تهالك من كثرة النقل، ويبدأ من جديد في مكان لا يعرف فيه أحدًا. السكن المؤقت لم يعد حالة طارئة، تحوّل بمرور السنوات إلى نمط حياة قسري.
"عمري ما حسّيت إني في بيتي"، يقولها "مالك" بنبرة يختلط فيها العجز بالمرارة، "البيت اللي أقدر أقول عليه بتاعي، عمري ما فتحت بابه بإيدي".
حتى بعد أن استقر نسبيًا وتزوج في التاسعة والعشرين من عمره، لم يمنحه القدر فرصة لالتقاط أنفاسه. "ربنا رزقني ببنت على طول، ما لحقتش حتى أفرح بيها من كتر ما أنا مشغول بالإيجار، والتنقل، والخوف من نهاية العقد". كل طاقته الذهنية والجسدية كانت موجهة نحو معركة واحدة: كيف يوفر لزوجته وابنته سقفًا آمنًا. "عايز أوفّر لها أوضة، لعب، استقرار… بس أنا حتى مش قادر أضمن لها مكان ما نسيبوش بعد سنة".
"مالك" يملك إرثًا، لكنه على الورق، بينما حياته الفعلية حبيسة كراتين تنتظر محطة قادمة.
مالك على الورق
لطالما هرب "مالك" من سؤال يطارده في كل تجمع عائلي أو لقاء مع صديق. سؤال يبدو بسيطًا وبريئًا، لكن وقعه على قلبه كوقع حجر: "لماذا لا تسكن في بيتك؟".
يرد دومًا بابتسامة منهكة وبعض كلمات تسخر من واقعه: "هو على الورق بيتنا اه… لكن في الحقيقة، إحنا لا نعرف عنه حاجة".
هنا تكمن جذور المأساة. فـ "مالك" ليس شابًا يبدأ من الصفر، بل وريث شرعي لجزء من تعب والده الذي قضى سنوات عمره في الغربة ليبني بيتًا لأبنائه في القاهرة.
قبل أن يرحل الأب، كان يزور العاصمة من وقت لآخر، لا ليسكن، بل ليمر عليه ويتفقده من الخارج، كأنه يطمئن على حلمٍ لم يكتمل. وحين مات الأب، ورث "مالك" مع أخيه وأخته دورًا كاملًا في عقار مكون من ثلاثة أدوار بحي شبرا، كل دور يضم شقتين. لكنها ثروة مغلقة في وجهه، لا يملك مفاتيحها إلا على الورق.

المشكلة تكمن في أن العقار المكون من 6 شقق مؤجر بالكامل بنظام "الإيجار القديم". يقول "مالك" بدهشة لم تفارقه منذ سنوات: "الشقق بتاعتنا، اللي المفروض نسكن فيها، ساكنين فيها ناس بيدفعوا أجرة أقل من تمن طبق فول".
في كل شهر، تصله حصته من هذا الإيراد الضئيل، مبلغ لا يتجاوز أجرة "توصيلة مواصلات" واحدة داخل القاهرة. "اللي بييجي من الإيجارات كلها ما يكملش حتى تمن تذكرة من القاهرة لقنا"، حيث تقيم والدته التي كانت تحاول تحصيل هذه "الملاليم" بعد وفاة زوجها، لكنها كانت بالكاد تنجح.
هذا القانون العتيق لا يجمّد الإيجارات عند قيم زهيدة فحسب، بل يخلق واقعًا مشوهًا يجعل المالك غريبًا والمستأجر هو صاحب اليد العليا، كما يرى "مالك" وغيره من المُلاك في مثل حالته. "المفاتيح في الدُرج، لكن الأبواب ما بتتفتحش، ولو فكرت تقرب… تُتهم بإنك بتعتدي على السكان. ولو فكرت تصلّح… تبقى بتغيّر معالم الوضع القانوني. ولو حاولت تسكن… تبقى بتطرد الناس الغلابة".
اقرأ أيضًا: 63 مترًا من الذكريات.. و7 سنوات من الخوف (حكايات الإيجار القديم)
محبوس بين مرارين
يزداد هذا الوضع تعقيدًا مع اكتشاف أن من بين المستأجرين الأصليين في العقار، لم يتبق سوى شخص واحد فقط. أما البقية، فهم ورثة ورثة، بعضهم لا يقيم في هذه الشقق أصلًا. "عندنا شقتين مقفولين من سنين، أصحابها سايبينها بس في الورق. ييجوا كل فترة يفتحوا النور، يشغّلوا الميّة، ويسيبوا لمبة منوّرة ساعة، ويرجعوا يقفلوها تاني... بس عشان يثبتوا إنهم موجودين. يعني لا ساكنين ولا سايبينها، لا عايشين فيها ولا سايبيني أعيش".
والأغرب، كما يروي "مالك"، هو ظاهرة "الإيجار من الباطن" التي تحول المستأجر الأصلي إلى مالك فعلي. "الشقة بتتأجر من تحت الترابيزة بـ 3 أو 4 آلاف جنيه، لكن اللي يوصلنا منها 7 جنيه... 10 جنيه! يعني اللي بيكسب هو اللي ورث عقد الإيجار، مش اللي ورث البيت".
هذا الوضع لا ينطبق على شقة واحدة تركها والده مؤجرة بمبلغ 3 آلاف جنيه شهريًا لـ"تسند والدته"، وهي حالة استثنائية في العقار.
عندما تُفتح أبواب التقديم في مشروعات الإسكان الاجتماعي التي تطرحها الدولة، يشعر "مالك" وكأن حلمًا يمر أمام عينيه، لكنه لا يجرؤ حتى على اللحاق به. "نفسي أقدّم، زي أي شاب بيبدأ حياته، بس أنا مش مؤهَّل. مش لأن دخلي كبير، بالعكس، مرتبي بالكاد يكفي، لكن لأن على الورق، أنا مالك. عندي شقق باسمي، بإرث شرعي".
هذا السطر في السجلات الرسمية يكفي لرفضه من أول خطوة، ليصبح محبوسًا بين واقعين: مالك لا يسكن، ومحتاج لا اعتراف بحاجته.
طوق النجاة "مخروم"
عندما ضاقت بـ "مالك" كل السُبل في القاهرة، وتراكمت عليه ضغوط الإيجار والتنقل، خطر بباله ما يفعله الكثيرون من أبناء جيله: السفر.
أن يحمل نفسه ويرحل إلى الخليج، أو أي بلد آخر يفتح له بابًا للرزق، بعيدًا عن بيت مغلق وأبواب موصدة. "فكّرت... قلت يمكن السفر يكون طوق نجاة. زي ناس كتير سافروا، اشتغلوا، وبنوا نفسهم، واشتروا شقق. قلت يمكن أرجع بعد كام سنة أقدر أشتري شقة لمراتي وبنتي".
لكن هذا الحلم، كغيره من الأحلام، لم يكد يولد حتى مات مبكرًا.
ينظر "مالك" إلى يديه وكأنه يحصي ما يملك، ثم يهز رأسه بيأس: "أنا ماقدرش… حتى تمن تذكرة الطيارة مش متوفر. ولا عندي عقد عمل، ولا واسطة تفتح لي طريق. وأنا بدفع إيجار كل شهر، وعفشي بيتهالك، والمرتب يدوب يغطي اللي لازم يتدفع، يبقى هسافر بإيه؟ وأروح فين؟ ومعايا إيه؟".
لم يكن المال هو العائق الوحيد. كانت هناك نظرة صغيرة من عينَي طفلته، ويدها التي تتشبث بأطراف قميصه كلما عاد إلى المنزل.
يكمل بصوت أقرب إلى الاعتذار: "أسيب بنتي؟ أسيب مراتي؟ أسيبهم لوحدهم في شقة إيجارها عالي، وأنا مش ضامن بكرة؟". يسكت للحظة قبل أن ينطق جملته الحاسمة التي تلخص مأزقه: "يعني حتى حلم الهروب… مش لينا. زيه زي البيت، زي الإسكان، زي الأمل… كلهم موجودين حوالينا، بس مش لينا".
يا مين يعيش
هذا الشعور بالعجز المطلق هو ما جعله يتعلق بخيط رفيع من الأمل عندما بدأ مجلس النواب في مناقشة تعديلات قانون الإيجار القديم. "كنت مبسوط... قلت خلاص، أخيرًا البلد هتفكر فينا، إحنا كمان لينا صوت". لكن الفرحة لم تدم طويلًا، وسرعان ما أعادت التعديلات المقترحة شعور الانتظار الثقيل إلى صدره. "يعني هستنى 7 سنين تاني، وأنا بلفّ من شقة لشقة، وعفشي بيتكسر مع كل نقلة؟".
هو لا يرفض الحل، لكنه يتساءل عن عدالته. "حتى الإيجارات الجديدة اللي المفروض يدفعوها، مقارنة باللي بندفعه إحنا كمستأجرين في إيجار جديد، لا تساوي شيء".
تمنى "مالك" أن يجد القانون حلًا وسطًا، يراعي الساكن، لكنه لا ينسى المالك الذي يعيش غريبًا في شوارع مدينته بينما يملك فيها بيتين. "أنا مش عايز أظلم حد… بس عايز حقي. عاوز أسكن في بيت أنا ومراتي من غير ما نخاف من بكرة، من غير ما نعدّ الأيام حسب مدة العقد".
ع اللي جالنا في القانون
الأمل الذي تعلّق به "مالك" وأمثاله من الملاك، تحوّل في النهاية إلى نص قانوني أثار جدلًا واسعًا عند صدوره. فبينما يراه البعض خطوة ضرورية لإنهاء وضع استمر لعقود، اعتبره آخرون، ومن بينهم أصوات عديدة في المعارضة المصرية، حلًا منقوصًا قد يخلق أزمات اجتماعية أعمق من تلك التي يسعى لحلها، لأنه لم يوازن بشكل عادل بين حقوق المالك والمستأجر.

وبتحليل بسيط لبنود هذا القانون يتضح كيف يجد كل طرف نفسه في معادلة جديدة ومعقدة:
- ساعة رملية لسبع سنوات: القانون يضع نهاية حتمية للعقود السكنية بعد سبع سنوات (المادة 2)، وهو ما يمثل للمالك وعدًا بالتحرير لكنه مؤجل. هذا التاريخ المحدد يترجم، في حياة "مالك"، إلى سبع سنوات أخرى من التنقل بين الشقق المؤجرة، ومن "حياة الكراتين" التي تهلك أثاثه وتستنزف استقراره النفسي، بينما هو لفئة كبيرة من المستأجرين مؤقت عد تنازلي على موعد تشريدهم.
- محاولة لردم الهوة المالية: لمعالجة شكوى الملاك من الإيجارات الزهيدة، يرفع القانون القيمة الإيجارية بشكل كبير، حيث تزيد لتصل إلى عشرة أو عشرين ضعفًا، مع حد أدنى يتراوح بين 250 و1000 جنيه شهريًا حسب المنطقة (المادة 4)، بالإضافة إلى زيادة سنوية بنسبة 15% (المادة 6). ورغم أن هذا ينقل الإيجار من خانة "الملاليم" إلى مبالغ ملموسة، إلا أنه يظل، من وجهة نظر "مالك" وملاك غيره، بعيدًا عن واقع الإيجارات الجديدة التي يدفعها هو. كما أنه في الوقت ذاته يمثل عبئًا مضاعفًا على مستأجرين من الفئات الدنيا بالكاد يقتاتون على معاشات لا تُذكر.
- خروج يترك عبء الترميم للمالك: يجسد القانون مخاوف "مالك" الكبرى بشأن العدالة عند الإخلاء. فبينما تلتزم الدولة بتوفير "وحدة سكنية بديلة" للمستأجر قبل انتهاء مدة السبع سنوات (المادة 8)، لا يوجد نص موازٍ لدعم المالك في ترميم ملكه المستخدم سنوات طوال.
- بنود لمواجهة التحايل: في محاولة لمعالجة شكاوى "مالك" المتكررة من "الشقق المقفولة" التي لا يسكنها ورثة المستأجرين، أو ظاهرة "الإيجار من الباطن"، يمنح القانون المالك حق طلب الإخلاء إذا ثبت أن الوحدة مغلقة لأكثر من عام، أو أن المستأجر يمتلك وحدة بديلة صالحة للاستخدام (المادة 7). هذه البنود تمنح المالك أداة قانونية، لكنها تضعه في نفس الوقت أمام تحدي إثبات هذه الحالات في ساحات المحاكم.
اقرأ أيضًا: بعيدًا عن المالك والمستأجر.. إنهاء الإيجار القديم "كله مكاسب" للحكومة
ايش تاخد الريح
القلق الأكبر الذي يؤرقه الآن ليس فقط طول فترة الانتظار، بل ما سيأتي بعدها. يسأل بصوت تخنقه المرارة: "طب لما يسيبوا الشقق بعد كل السنين دي… هل البيت ده لسه يصلح لينا؟ السكان طول عمرهم ما بيعملوش فيه أي صيانة. ما بيدفعوش حاجة، وما بيصلحوش حاة، وإحنا، اللي المفروض نكون ملاك، هنرجع لبيوت متهالكة، جدرانها متشققة، ومواسيرها بايظة، وهنبدأ نصلّح من الصفر".
ينفعل قليلًا وهو يكمل: "يعني اللي قعد مرتاح طول عمره، ما شلش هم الصيانة، هيمشي بعد 7 سنين على شقة الدولة هتساعده فيها، واللي قعد بره بيته سنين… هيرجع يصلّح ويدفع من جيبه. فين العدل في ده؟". يخفض صوته كأنه يخاطب قانونًا لا يسمعه: "أنا مش ضد إنهم يلاقوا مكان يعيشوا فيه بكرامة، بس طب إحنا؟ اللي استنينا، واللي تحملنا، الدولة فكرت تسهّل علينا إزاي؟ ولا إحنا خلاص… مجرد أرقام في طابور الانتظار؟".
قصة "مالك" ليست مجرد صراع على أمتار مربعة، بل هي بحث عن العدالة المفقودة، وعن معنى الانتماء. "أنا جاي من بلد فيها الاستقرار جزء من الطين اللي بنبني به بيوتنا… مش ممكن أقبل إني أفضل في دوّامة الإيجار، واللي ساكن في بيتي ما يعرفش حتى شكلي".
ينظر أمامه كمن يقف أمام باب لا يُفتح، ويهمس بكلمات تختزل كل شيء: "اللي زينا... مش بس ما يملكش بيت، ما يملكش حتى حلم يهرب بيه".