"هاتصوّت ولّا تدفع".. تغريم المتخلفين عن الانتخابات يثير جدلًا

"هايغرّمونا عشان ما روحناش انتخبنا حدّ.. إحنا ما شوفناهوش طول عمرنا؟ أيوا شفنا يُفط، بتقول إن فيه انتخابات، لكن ما نعرفش همّ مين دول، ما شفناش صحاب اليفط دي، ولا حتى نعرف دي انتخابات إيه"؛ يقول علي الصعيدي (اسم مستعار) لـ فَكّر تاني.

تنص المادة 57، بحسب آخر تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية التي أقرّها مجلس النواب في يوليو 2020، على أن يُعاقب بغرامة لا تجاوز 500 جنيه، كل من كان اسمه مُقيّدًا بقاعدة بيانات الناخبين، وتخلّف بغير عذر عن الإدلاء بصوته في الانتخاب أو الاستفتاء.

وبدأ التصويت في انتخابات مجلس الشيوخ يومي 1 و2 أغسطس في الخارج، في ظل إقبال يتراوح بين الضعيف والمتوسط، بينما انطلق التصويت داخل مصر اليوم الإثنين 4 والثلاثاء 5 أغسطس الجاري.

وكانت الهيئة الوطنية للانتخابات قد دعت المواطنين إلى المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ 2025، من خلال موقعها وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت فيديوهات تحت عنوان "لازم تعرف"، لتوعية المواطنين بدورهم في الانتخابات، وما يجب عليهم فعله لمباشرة حقوقهم السياسية.

تطبيق "العقوبة" شبه المستحيل

رغم أن التهديد بالغرامة المالية يبدو رادعًا من الناحية النظرية، فإنه يصطدم بواقع يجعل تطبيقه شبه مستحيل. هذا ما يؤكده الدكتور محمد طه عليوة القيادي بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وأحد المرشحين لعضوية مجلس الشيوخ، الذي يقول إن القانون قائم بالفعل، لكن اتساع قاعدة المتخلفين عن التصويت يحول دون إنفاذه.

في حديثه لـ فَكّر تاني، يشرح عليوة الأبعاد العملية لهذه المعضلة بالأرقام، مشيرًا إلى أن نسبة المشاركة في أفضل الظروف لا تتجاوز 30%، باستثناء اللحظات التاريخية كأيام ثورة يناير التي وصلت فيها المشاركة إلى 60%. ويضيف أنه حتى في تلك الفترة الاستثنائية، ظل 40% من الناخبين متخلفين، بينما يتوقع أن تصل نسبة العزوف في الوقت الحالي إلى ما بين 60% و70% من إجمالي الكتلة التصويتية.

هذه الضخامة العددية، بحسب عليوة، تجعل من المستحيل عمليًا أن تباشر النيابة العامة إجراءات تحريك الدعوى الجنائية ضد ملايين المواطنين.
وهو يستبعد أن تثقل النيابة كاهل المحاكم بما قد يصل إلى "15 مليون محضر"، مما يؤدي في النهاية إلى تجميد العقوبة فعليًا.

ويخلص المرشح لعضوية مجلس الشيوخ إلى أن مواجهة عزوف الناخبين لا تكون بالغرامات، بل تتطلب حلولًا أعمق ترتكز على "جدية المشهد السياسي"؛ عبر إعادة بناء ثقة المواطنين في جدوى العملية السياسية برمتها، من أحزاب ومرشحين وانتخابات، لجعل المشاركة خيارًا نابعًا من الاقتناع لا من الخوف من العقوبة.

بين الإلزام القانوني والحق في الامتناع

من منظور حقوقي ديمقراطي، يواجه القانون انتقادات أكثر حدة، إذ تعتبره الدكتورة كريمة الحفناوي القيادية بالحزب الاشتراكي المصري، "قانونًا مجحفًا" يتعارض مع جوهر العملية الانتخابية القائمة على الحرية. وفي رأيها، لا يمكن الحديث عن انتخابات حقيقية في ظل وجود ما يشبه الإجبار على المشاركة.

كريمة الحفناوي
كريمة الحفناوي

تذهب الحفناوي، في تصريحاتها لـ فَكّر تاني، إلى ما هو أبعد من مجرد انتقاد القانون، لتضع الامتناع عن التصويت في إطار "حرية الرأي والتعبير". وتوضح وجهة نظرها قائلة: "الامتناع عن التصويت يندرج تحت حرية الرأي. في الأمم المتحدة حينما ينتهي التصويت على أي قرار، يُعلن عدد الموافقين والمعارضين والممتنعين".

وتضيف أن الامتناع عن التصويت ليس مجرد تخلف سلبي، بل هو موقف سياسي فاعل يُعتبر بمثابة "رفض للعملية برمتها". وبالتالي، ترى أن هذا الرفض هو رأي يستحق الاحترام في أي نظام ديمقراطي، لا أن يُقابل بعقوبة قانونية "لا تمت للديمقراطية بصلة"، على حد تعبيرها. وبهذا، يتحول العزوف من مشكلة إجرائية إلى موقف سياسي له دلالاته.

أداة ضغط قديمة وقوانين "استبدادية"

من زاوية قانونية حقوقية، يرى المحامي محسن بهنسي أن التلويح بهذه الغرامة ليس إلا أداة ضغط متكررة وفقدت تأثيرها.

محسن بهنسي
محسن بهنسي

يقول في حديثه لـ فَكّر تاني: "في كل انتخابات نقول مثل هذا الكلام، حتى نجبر المقاطعين على المشاركة... ولم ينفذ هذا القانون"، مؤكدًا أن المبدأ الأساسي هو أن المشاركة من عدمها تقع ضمن دائرة الحرية الشخصية للمواطن.

ينتقل بهنسي إلى نقد أكثر جذرية، واصفًا هذه التشريعات بأنها "قوانين استبدادية لا يوجد بلد في العالم يسن مثلها"، مشيرًا إلى أن تكرار النقاش حولها أصبح "مملًا" في ظل غياب مناخ عام للحريات، على حد وصفه.

ويعود بهنسي إلى النقطة التي بدأ بها التقرير، ليقدم تفسيرًا مباشرًا للعزوف الشعبي الذي يعكسه تساؤل "علي الصعيدي". إذ يرى أن الناس لا تشارك لأنها "لم ترَ شيئًا من المرشحين السابقين أو الحاليين، بل لم ترَ المرشحين أنفسهم ولا تعرفهم حتى تذهب للتصويت لهم".

وبهذا، تكتمل الدائرة التي تصور فجوة عميقة ومتجذرة بين المواطن والعملية السياسية برمتها، حيث يصبح القانون في وادٍ، وواقع الناس واقتناعهم في وادٍ آخر.

قانون يصطدم بالواقع الاقتصادي

يُضاف إلى هذه الرؤى صوتٌ قانوني آخر للدكتور علي أيوب المحامي بالنقض ومدير مركز ابن أيوب للدفاع عن الحقوق والحريات، الذي يصف قانون الغرامة بأنه لا يعدو كونه "حبرًا على ورق"، مؤكدًا أنه لم يُطبَّق فعليًا في أي وقت سابق، فضلًا عن كونه مخالفًا لقواعد الديمقراطية.

على أيوب
على أيوب

ورغم ذلك، يلفت أيوب - في تصريحاته لـ فَكّر تاني - الانتباه إلى مفارقة قانونية، وهي أن هذا التشريع، على الرغم من عيوبه وعدم تفعيله، لم يتم الطعن على دستوريته إلى الآن، ليظل قائمًا في نصوص القانون دون أن يجد طريقه إلى حيز التنفيذ.

لكن أيوب يطرح بُعدًا جديدًا في رفضه للقانون، يتجاوز المبدأ الديمقراطي إلى الواقع المعيشي للمواطنين. ويعرب عن رأيه الشخصي بضرورة "عدم فرض أي عقوبات أو غرامات مالية على المتخلفين عن التصويت"، مبررًا ذلك بشكل مباشر بـ"الأزمة المالية التي نعيشها، وارتفاع الأسعار".

"الامتناع" كمشاركة سياسية مشروعة

من منظور أكاديمي متخصص، تقدم الدكتورة غادة موسى أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة نائبة رئيس حزب الوعي، تقييمًا حاسمًا للقانون، واصفةً إياه بأنه "غير دستوري وغير قابل للتطبيق".

غادة موسى
غادة موسى

وفي حديثها لـ فَكّر تاني، تضيف أن التلويح به في كل استحقاق انتخابي أصبح نهجًا متوقعًا.

وترتقي الدكتورة غادة بالنقاش إلى مستوى تحليلي أعمق، حيث تعتبر أن "عدم المشاركة هو تعبير عن المشاركة" في حد ذاته، أو أنه نتيجة لوجود "ثقافة سياسية تدفع الناخب نحو العزوف".

وبهذا، هي لا ترى الامتناع فراغًا أو لامبالاة، بل موقفًا له جذوره وأسبابه التي يجب فهمها لا معاقبتها.

وتفكك أستاذة العلوم السياسية المفارقة الكامنة في طبيعة المشاركة؛ فصحيح أنها "واجب وطني وحق دستوري"، ولكن كونها "حقًا" يعني أن للمواطن كامل الحرية في أن يختار عدم ممارسته، خصوصًا "أن لديه من المبررات ما يجعله يعزف عن المشاركة".

وتخلص إلى أنه "من غير المعقول أو القانوني أن يدفع المواطن غرامة على إرادته الحرة المستقلة وعلى اختياراته". وبدلًا من هذا المسار العقابي، تقترح الحل الأكثر منطقية وجدوى، وهو توجيه الموارد نحو "الإنفاق على برامج توعية سليمة" قادرة على معالجة أسباب العزوف من جذورها، بدلاً من التعامل مع أعراضه.

بين الترغيب الرسمي ودعوات المقاطعة

في مواجهة هذا الجدل، تتحرك الهيئة الوطنية للانتخابات على مسارين: الأول تقني، عبر إطلاق تطبيق إلكتروني وتجهيز الكشوف الانتخابية بدقة لضمان سلاسة الإجراءات.

والثاني خطابي، حيث يؤكد المستشار أحمد بنداري مدير جهازها التنفيذي، أن توجه الهيئة هو "التوعية لا الترهيب"، في محاولة لطمأنة الشارع بأن الهدف هو الحث على المشاركة وليس العقاب.

المستشار أحمد بنداري مدير الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات
المستشار أحمد بنداري مدير الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات

ويدعم هذا التوجه الرسمي دعوة 35 حزبًا سياسيًا، في مقدمتها أحزاب مثل مستقبل وطن وحماة الوطن والوعي، التي حثت المواطنين في بيانات رسمية على المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ 2025، في محاولة لإضفاء زخم سياسي على العملية الانتخابية.

ولكن في المقابل، وعلى النقيض تمامًا، تقف أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية التي لم تكتفِ بانتقاد القانون، بل دعت صراحةً إلى مقاطعة الانتخابات برمتها.

تستند دعوة هذه الأحزاب إلى حجة جوهرية وهي أن مجلس الشيوخ، بحسب وصفها، هو "مجلس بلا أي صلاحيات أو اختصاصات" ويمثل "زائدة تشريعية" لا فائدة منها. وبهذا، يتجاوز موقفها مجرد الاعتراض على الغرامة ليطال جدوى المؤسسة المنتخَبة نفسها، ما يغذي بشكل مباشر شعور اللامبالاة والعزوف لدى قطاعات واسعة من المواطنين.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة