في مقالي السابق "استقرار مصر يبدأ من هنا"، طرحتُ سؤالًا جوهريًا: كيف تُبنى الدول القوية؟ وكانت الإجابة التي حاولت تقديمها، هي أن الاستقرار لا يصنعه الاقتصاد وحده، ولا الأمن، ولا البنية التحتية، بل يبدأ من العلاقة بين المواطن ووطنه… علاقة تقوم على الانتماء الحقيقي والثقةالمتبادلة.
واليوم، نكمل هذا الطرح من زاوية لا تقل أهمية، بل هي أحد جذور الخلل في هذه العلاقة: كيف تؤدي اختلالات التقدير داخل المجتمع إلى اهتزاز الانتماء، وانهيار الثقة، وتراجع الإبداع؟
فالعلاقة بين الإنسان ووطنه لا تنفصل عن شعوره بمكانته، وقيمة ما يقدّمه، ومدى ما يُقابل به من تقدير وعدالة.
وعندما يرى المواطن أن الجهد يُهمّش، وأن القيمة يُزاح عنها، وأن الشهرة والسطحية تحل محل الكفاءة والإخلاص… يبدأ شعوره بالانتماء والتقدير في التآكل تدريجيًا.
اقرأ أيضًا: الإيجار القديم.. أزمة ممتدة بين العدالة والاستقرار
فجوة كبيرة
في مصر، باتت الفجوة في التقدير المعنوي والمادي بين أصحاب المهن الجوهرية، كالطبيب، والمعلم، والباحث، والقاضي، وبين نجوم الفن أوالرياضة أو صُنّاع التريند، فجوة صادمة.

لا يتوقف الأمر عند فارق الدخل، بل يتجاوزه إلى النفوذ، والاحترام، والرمزية. فمن يملك الشهرة يملك الصوت الأعلى، بينما من يزرع القيمة يُدفع إلى الهامش.
الأزمة ليست في نجاح لاعب أو فنان، بل في الرسالة التي يلتقطها المجتمع بأكمله: أن الجهد لم يعد طريقًا للنجاح، وأن العلم لم يعد مفتاحًا للمكانة، وأن الظهور على الشاشة أهم من التأثير في الواقع.
اقرأ أيضًا: خبراء قانون يقدمون سيناريوهات لحل أزمة "الإيجار القديم"
معايير جديدة
وهكذا، تتشكل معايير جديدة للقدوة.
لم يعد الطفل يرى قدوته في معلّم أوطبيب أو مهندس، بل في من يملك ملايين المتابعين، أو يتصدر محركات البحث.
يتكوّن وعيه على أن النجاح لا يحتاج إلى علم أو التزام، بل إلىانتشار، ومهارة في تسويق الذات.
ولأن القيم الحاكمة لأي مجتمع تنعكس مباشرة على سلوك أفراده، فقد بات من الطبيعي أن نرى تراجعًا في الإتقان، وفقدانًا للدافعية، وعزوفًا عن التميز في العمل.
فما الدافع للإبداع إذا كان لا يُقابل بتقدير؟ وماقيمة الإنجاز إذا غابت العدالة في الاعتراف به؟

ومع مرور الوقت، يتوسّع الأثر: فالكفاءات تهاجر بحثًا عن التقدير، ويتراجع الأداء المؤسسي بسبب غياب الحافز، وتنشأ أجيال ترى في التعليم عبئًا لا وسيلة للارتقاء، ويبدأ الانتماء في التآكل بصمت.
من يُعيد ترتيب القيم؟ مسؤولية الدولة والإعلام
جزء كبير من هذا الخلل يمكن معالجته، إذا توفرت الإرادة. فالدولة لا تملك فقط الموارد، بل تملك الأدوات التي تصنع النموذج وتشكّل وعي الأجيال: الإعلام، التعليم، الثقافة، الدراما، والسياسة العامة.
يمكن للإعلام الرسمي والخاص، إن أراد، أن يعيد الاعتبار للعقول والكفاءات، لا بالخطاب الإنشائي، بل بتصدير القدوة الحقيقية.
يمكن للدراما أن تعيد مكانة الطبيب والمعلم إلى الشاشة، وللبرامج الحوارية أن تحتفي بمن يُنجز لا بمن يَصرخ، وللمؤسسات التعليمية أن تربي أطفالها على أن “من يتعب يُكرَّم”.
لكن كل ذلك لن يحدث تلقائيًا.
الأمر يحتاج إلى رؤية واعية، وقرار واضح،وتوجيه منهجي يعيد ترتيب سلم القيم في المجتمع.
فالأمم لا تنهض فقط بالبنية التحتية، بل بالبنية القيمية التي تحدد من نحترم، ومن نقلّد، ومن نصنع منه قدوة.
اقرأ أيضًا : 63 مترًا من الذكريات.. و7 سنوات من الخوف (حكايات الإيجار القديم)
أهمية الإنصاف
إذا كنا نبحث عن استقرار حقيقي…
فعلينا أن ندرك أن هذا الاستقرار لا يُبنى بالإنشاءات وحدها، ولا يتحقق بالشعارات المؤقتة.
الاستقرار الحقيقي يبدأ من إنصاف الناس، ومن بناء علاقة تقوم على التقدير لا الإهمال، وعلى الاعتراف بالجهد لا الاحتفاء بالصخب.

إن كنا نريد دولة تُحترم من أبنائها، فلا بد أن يشعر كل مواطنأن له قيمة، وأن جهده لا يضيع، وأن مكانته لا تُحدَّد بمدى ظهوره، بل بمايُقدّمه فعليًا.
إذا أرادت الدولة أن تبني وطنًا يثق فيه أبناؤه، فلتبدأ بإعادة الاعتبار للقيمة الحقيقية… قيمة من يُعلّم، ومن يُعالج، ومنيُدافع، ومن يُنتج… لا من يتصدر المشهد فقط لأنه يُغنّي، أويلعب، أو يصنع التريند.
استقرار مصر يبدأ بالإنصاف.