في فسيفساء المشهد، تتوحَّد ملامح المأساة، وتتماهى كليًا مع سرديات الدراما الكلاسيكية، التي يطلق عليها المسرحيون، على سبيل التعريف الأكاديمي: نظرية “مثلث الصراع الدرامي”، وتقوم على أن أقوى القصص، وأحكمها حبكةً، هي التي توجد ثلاثة أطراف متشابكة فيها؛ ثلاثة تربط بينهم علاقة ما، تكون على الأغلب؛ علاقة صراع.
كذلك يُؤسس البناء الدرامي على الثلاثة؛ الطرف الأول، وهو البطل، والثاني المنافس أو المضاد، والثالث “محور التوتر”، سواءً كان عاقلًا أي شخص بعينه، أو غير عاقل، ومن ذلك أن يتمثَّل في ثروة أو كنز مثلًا، يروم نيله البطل وخصمه.
مشهد بائس
في مشهدنا المصري البائس، فإن ضلع المثلث الأول، يتجسَّد في مواطنة بلغت من العمر عتيًا، كسّرَ تعاقب السنين ظهرها فاحدودب وتقوَّس، أو بتعبير قرآني “نُكِّسَ في الأرض”، وحفر الزمان على محياها المتغضن أخاديد غائرة؛ أخاديد فقر وسوء تغذية وضعف وهوان على الناس، وقد عزز من ذلك، مظهرها الرث، إذ ارتدت جلبابًا بدا مهترئًا، أكل عليه الدهر وشرب.

والضلع الثاني؛ السيد المسؤول الكبير، محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، ذو البدلة الداكنة، والقميص الناصع الأنيق، والحذاء الأسود اللامع، والذي كان يفتتح أسواق الجملة بمنطقة الجمالية.
أما الضلع الثالث، فيتمثل في اللحم الأحمر، هذا البروتين الحيواني طيب المذاق، مشويًا أو مسلوقًا أو مُحمَّرًا، والذي بلغ متوسط سعر الكيلو جرام منه، على أقل تقدير 450 جنيهًا، لـ”القطعيات غير المتميزة”، أي ما يساوي نصف قيمة معاش “تكافل وكرامة”، بعد زيادته اعتبارًا من بداية يوليو الجاري.
معاش تكافل وكرامة الذي تتباهى به الدولة وتزدهي، ويتشدق بهلوانات الإعلام المرئي بأنه يأتي تأكيدًا لتعاطفها ووقوفها في ظهر الفئات المعدمة، أولئك الذين ينبغي أن يسددوا منه -بنظام الكارت المدفوع مقدمًا- فواتير الكهرباء والماء، المقطوعتين بالمناسبة في محافظة الجيزة، شبه كليًا، منذ أكثر من 36 ساعة، وحتى كتابة هذه السطور، كما عليهم أن ينفقوا من المبلغ ذاته على المواصلات، التي ترتفع أسعارها باضطراد، في إطار “الصب في المصلحة”، فضلًا عن متطلبات الحياة الأساسية الأخرى.
هذا المعاش العظيم الرحيم الجزيل، والبالغ أقل من عشرين دولارًا، يساوي في الأسواق، كيلو جرامين من اللحم “غير المتميز”.. ألا تُكبِّرون؟.
على أي حال، هي ظروفنا الاستثنائية، ومتى لم نعش في “الاستثنائي”؟
نحن نبني دولة جديدة “لانج”، لكنها دولة لن يراها المواطن المعدم، ولن يشم ريحها؛ دولة للصفوة ستقع خلف أسوار العاصمة الجديدة، والساحل “الشرير جدًا”، وستتجلى بكامل قوتها في العقارات التي تبلغ قيمة امتلاك وحدة منها، في “الكمباوندات المسيَّجة”، أرقامًا من البنكنوت ليست من ستة أصفار، ولا حتى من سبعة، بل من ثمانية أصفار.
عرض درامي على مسرح “الجمهورية الجديدة”
انتهت مقدمة المقال.. فهيا استعدوا، سيُرفع الستار عن المشهد، الذي يمثل ذروة الدراما المصرية البائسة، في الجمهورية الجديدة.
ها هي العجوز تمشي في الطرقات، تجر قدمين ثقيلتين، فإذا بها تبصر المحافظ مترجلًا، في أوج أناقته، وسط حراسه وهيلمانه، فتهرع إليه مستبشرةً.
لا يردها الرجل، ولم يتكفَّل رجال حراسته الشداد الغلاظ بصدها عنه، بل بشَّ وهشَّ مُرحبًا، فإذا بها تسأله: “عاوزة كيلو لحمة”.

لا يخلو مجتمع من فقراء، فحتى في دول الرفاه الاقتصادي، بقلب القارة العجوز، وفي البلدان التي تتبنى النيوليبرالية الاقتصادية، بمنتهى التطرف، قد تلتقي سائلًا محرومًا يرتجي ما يسد الرمق، غير أن هذا على الأرجح من مدمني المخدرات، الذين يتلقون مساعدات اجتماعية من الدولة “الرأسمالية”، فيبددونها على “المزاج”، غير أنه من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، أن تجد مسنًا يتسول طعامه.
الأمر في مصر ليس كذلك، ففي “الجمهورية الجديدة”، غدا منظرًا مألوفًا أن ينبش إنسان في حاويات القمامة، إلى جوار الحيوانات الضالة، وربما يدفعها فتدفعه، غير آبه بعضاتها وخمشاتها، حتى يجد كسرة خبز أو نحو ذلك، فينظفها من ما علق بقايا المخلفات، حتى يتبلَّغ بها.
وعودًا إلى المشهد الدرامي البائس، فإن المحافظ “صاحب القلب الحنون”، بارك الله فيه وعليه، لم يتردد في تلبية طلب العجوز، فإذا به يتأبّط ذراعها ويربت على كتفها برقة حانية: “حاضر هأجيب لك كيلو لحمة”.
لقد رقَّ قلبه يا ولداه، فتحرَّك من فوره لتلبية طلبها، كأنه عفريت من الجن خرج من الفانوس، على غرار “عفركوش” في فيلم إسماعيل ياسين الشهير، فهتف: “شبيك لبيك”.
وسرعان ما احتفى “إعلام السامسونج” بالموقف الإنساني النبيل؛ فإذا بموقع إلكتروني يعنوِّن المأساة: “المحافظ الإنسان”، ما يحدو إلى التساؤل عما إذا كان هنالك محافظون من غير بني آدم، وإذا بآخر يكتب “محافظ القاهرة يستجيب لطلب مسنة”، وعلى الفور التقطت برامج الـ”توك شو” الإشارة، فسُلَّطت الأضواء تسليطًا على نجم العرض؛ إنه المحافظ الرحيم ذو القلب “الأخضر” كما قلب “الخسَّاية” مع الاعتذار لزكية زكريا.
ربما يوحي المشهد دراميًا بشيء من ذلك، إذ ليست من مهام المحافظين أن يبتاعوا السلع للسائل والمحروم، لكنه كأي مشهد درامي، يشمل كما الرسائل الظاهرة، رسائل أخرى رمزية مستترة.
من رسائل المأساة المستترة أو المتستَّر عليها، أن عجوزًا مصرية، تقلَّصت أحلامها، وتصاغرت طموحاتها، وانخفضت أمانيها في هذا الحياة الدنيا، إلى حد أنها صارت تشتهي اللحم.
منطقيٌّ هنا أن يبحر السؤال كجذوة اللهيب في العروق: منذ متى لم تذق المسكينة اللحم؟
لا تستصغرن الأمر، فالنفس البشرية توَّاقة إلى ما تُحرم منه، فإذا كنت لم تختبر شعورها، ولم تكتوِ بما تكتوي به من الحرمان، ولم تقع تحت وطأة “العَوَّز” مثلها، فعلى الأقل لا تحكم عليها، ولا تحتقرن مبتغاها.
مشهد كتبه وحيد حامد قبل ثلاثة عقود
وليس خافيًا أن المفارقة تستدعي بكثير من الأسى، سيناريو فيلم “الإرهاب والكباب”، للراحل وحيد حامد، الذي يبدو أنه كان يستشرف المستقبل البائس لهذا الوطن، كما لو كان ينظره عبر كرة بلورية.
الفنتازيا في الفيلم الذي أداه ببراعة عادل إمام، تتجسّد حقيقةً بعد أكثر من ثلاثة عقود على إنتاج العمل، الذي يستحيل أن تجيزه الرقابة حاليًا!
فضلًا عن ذلك، فمن المسكوت عنه في المشهد الواقعي أيضًا، أن الإعلام الذي يُفترض منه إزاء هذه الحقيقة التراجيدية، أن يستقصي بغير مواربة، عن الأسباب التي أفضت إلى انهيار سقف أحلام سيدة فقيرة، إلى حد أنها تسأل شيئًا من اللحم، الذي أصبح لمن استطاع إليه سبيلًا.
من المقزز أن لا تُدان السياسات الاقتصادية، التي أوصلت عجوزًا في أرذل العمر، إلى أن “تحلم باللحم”، وشيء منحط أن يتحول الإعلام إلى “نبطشي أفراح” ينادي مهللًا مستعظمًا، حُسنَ صنيعِ السيد المحافظ الذي قدَّم “النقطة”؛ الرجل الكبير “اللي شرفنا ونوَّرنا عم المحافظين كلهم، ملك اللحمة الحمرا دون دهن وشغت”.
إلى جانب ذلك، يبقى الأكثر صفاقةً وغلظةً، أن ما فعله المحافظ، لم يخلُ من “مظهرية لزجة”، فالعدسات صوَّرت فوتوغرافيًا، وسجلت صوتًا وصورة، والمواقع الإخبارية، والصفحات على مواقع التواصل بثت بكثافة، والفضائيات أحرقت البخور، ودقت الطبول و”الصاجات”.

ليس نبشًا في ما تسرّه القلوب، ولا في ما تخفيه الضمائر، وليس مستساغًا بحال من الأحوال أن يقال إن المحافظ كان يستهدف “اللقطة”، لكن ما تأويل تصريحاته بأنه فعل ما فعل بوزاع إنساني؟
من الغريبً و”غير اللائق” أن يقول، كما نقلت عنه مواقع إخبارية: “ما قمت به ليس إلا موقفًا عفويًا نابعًا، من واجب إنساني قبل أن يكون وظيفيًا” مضيفًا “أقل حاجة أعملها لأهلنا.. نحن نسعى بكل جهد، لإدخال السرور على الناس، ونعمل للتخفيف عنهم قدر الإمكان”.
إذا كان صادقًا فيما يدعيه، وكان يتصدق تزلفًا لله عز وجل، أو يتصرَّف بوازع إنساني مجرد من الرياء، ففيمَّ التصوير و”التأريخ” إذن؟ ولماذا البث عبر جميع وسائل الإعلام هنا وهناك؟ أليس هذا تفاخرًا مذمومًا قبيحًا؟ ألا يجرح ذلك كرامة المرأة التي لا نعلم شيئًا عن أصلها وفصلها؟
منظومة عاجزة
هل الرسالة المتوخاة أن يبدو المواطن الفقير “عبيد إحسانات” المسؤولين الكبارـ الذين يتقاضون أجورهم في الأصل، من الضرائب التي تقصم ظهره؟
ليس المصريون “عبيد إحسانات” أحد، فالأصل أن الموظف مهما ارتفعت درجته الوظيفية، يعمل “خادمًا” للناس، وإذا كان المحافظ الذي ينتمي إلى منظومة سياسية حدت بعجوز، إلى أن تتمنى مذاق اللحم، قد ابتاع لها ما تشتهيه، فالأحرى أن يخجل من الموقف، لا أن يمشي في الأرض مرحًا، فيطلق التصريحات بأنه متصدق بار معطاء.
ثلاثية المواطنة واللحم والمحافظ، دراما سوداء، تحمل في طياتها الكثير من الرسائل المشينة، وتزدحم في متونها الرسائل المخزية، التي تُكسِّر القلب تكسيرًا، في الوقت الذي لا يبدو فيه، أن أحدًا من القائمين على أمور البلاد والعباد، مستعد لأن يراجع السياسات التي وسعت من دائرة الفقر، أو حتى أن يقرأ الرسائل، وهي رسائل ليست مؤلمة فحسب، بل مؤلمة وخطيرة، مهما عوملت بمنطق الحجب والمنع والتجاهل.

مقال رائع فعلا دراما سوداء …