تثير انتخابات مجلس الشيوخ المقبلة حالة من السخط الشعبي، وهي تأتي في ظل أعباء اقتصادية متزايدة وتضخم يثقل كاهل المصريين، وأسئلة مُلحة عن جدواها، يلخصها بدوي السويسي -اسم مستعار- بقوله: “أكتر أيام بكرهها هى الـ5 أيام، اللى قبل التصويت.. عشان بشوف المرشحين في الشوارع، وأكتر سنين باحبها هي فترة الدورة البرلمانية نفسها عشان مش باشوف منهم ولا واحد”.
هذا الشعور بالنفور يتزامن مع تكلفة باهظة لهذه الاستحقاقات؛ فوفقًا لمركز “رع” للدراسات، كلّفت انتخابات 2020 مليارًا ونصف المليار جنيه، بينما يُتوقع أن تصل تكلفة الدورة الحالية إلى مليار جنيه، في ظل تراجع عدد المرشحين من 787 إلى 424 مرشحًا.
قوانين “مُفصّلة” تُغلق باب المنافسة
يعزو معارضون هذا العزوف الشعبي إلى ما يعتبرونه عيوبًا جوهرية في القوانين المنظمة للعملية الانتخابية. إذ يرى طلعت خليل عضو مجلس النواب الأسبق، أن “قانون الانتخابات مفصل على مقاس الموالاة والمؤلفة قلوبهم”، معتبرًا أن ما يجري ليس انتخابات حقيقية بل “شبه انتخابات”.

ويحدد خليل، في حديثه لـ فَكّر تاني، أبرز هذه العيوب في نقطتين: الأولى هي اعتماد نظام “القائمة المطلقة المغلقة”، والثانية هي “اتساع الدوائر على المقاعد الفردية” لتشمل كل محافظة كدائرة انتخابية واحدة، وهو ما يرى أنه “أفسح المجال أمام أحزاب السلطة والموالاة فقط”.

ويعزز هذا الطرح وليد العماري المتحدث الإعلامي للحركة المدنية، الذي يؤكد – في تصريحاته لـ فَكّر تاني – أن الانتخابات “محسومة مقدمًا” بسبب هذا التمييز القانوني، موضحًا أن الفوز في ظل هذه الظروف لم يعد يعتمد على قوة البرنامج السياسي، بل على القدرة على تقديم “العطايا والهدايا”، حيث أن “أي مواطن عادي لو أراد النزول والمشاركة في تلك الانتخابات مستحيل يقدر يغطي محافظته”.
مجلس “للوجاهة” بصلاحيات غائبة
لا يقتصر الجدل على قوانين الانتخابات، بل يمتد ليطال القيمة الفعلية لمجلس الشيوخ نفسه. يرى مجدي عبد الحميد المتحدث الرسمي السابق للحركة المدنية، أن المجلس ليس “غرفة ثانية للبرلمان” بالمعنى الحقيقي، كونه “دون أي مهام تشريعية أو اختصاصات”.

ويذهب عبد الحميد، في طرحه الذي يعرضه عبر فَكّر تاني، إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن المجلس “تم اختراعه ليترضية بعض الناس بلا أي مهام ولا فاعلية، وفقط لكي يحصلون على حصانة”.

ويفصّل عبد الحميد تركيبة المجلس المكون من 300 عضو، حيث يتم تعيين 100 منهم بقرار رئاسي، ويفوز 100 آخرون عبر قائمة مطلقة وحيدة، بينما يتنافس على المئة المتبقين من وصفهم بـ”أصحاب رأس المال” في دوائر واسعة، ليخلص إلى أن المجلس تحول إلى “مكان للوجاهة الاجتماعية”.
وتؤكد هذا الرأي الدكتورة كريمة الحفناوي القيادية بالحزب الاشتراكي المصري، التي ترى أن الانتخابات “محسومة مقدمًا” وتجري فعليًا “بالتزكية”، واصفةً – في حديثها لـ فَكّر تاني – المجلس بأنه “لا قيمة له سوى أنه للوجاهة الاجتماعية، وتبادل المصالح مع السلطة التنفيذية”.
بينما تختتم بأن ما يجري ليس سوى “شكليات لاستكمال الصورة”.
تراجع الإقبال.. ظاهرة عالمية بخصوصية مصرية
في مقابل الآراء التي تُحمّل النظام الانتخابي كامل المسؤولية، تقدم الدكتورة غادة موسى أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، رؤية أكثر شمولية، موضحةً أن “العالم بأسره، وليس مصر فقط، يشهد تراجعًا في الإقبال علي التصويت”.
تربط غادة هذه الظاهرة العالمية، التي يُطلق عليها (voter’s turnout)، بحالة من الإحباط العام لدى المواطن الذي “يدفع ضرائب ورسومًا، ولا يجد مقابل ما يدفعه من خدمات جيدة”.

ورغم ذلك، تؤكد أستاذة العلوم السياسية لـ فَكّر تاني، وجود خصوصية مصرية في هذا العزوف، مشيرةً إلى أن نسبة المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ (الشورى سابقًا) لم تتجاوز “14% من إجمالي من لهم حق الانتخاب على أقصى تقدير منذ الألفية الثالثة”. وتعلل ذلك بأن صلاحياته الاستشارية البحتة لا تجذب اهتمام الناخبين بقدر سلطات مجلس النواب التشريعية والرقابية.
وتلخص الدكتورة غادة المعضلة في سؤال محوري: “كيف نريد من المواطن أن يشارك في انتخابات لمجلس لا يعلم عنه الكثير؟”، مقترحةً العمل على تغيير قانون المجلس وتكثيف التغطية الإعلامية لأنشطته كسبيل لـ “تحريك المياه الراكدة” ورفع نسبة المشاركة، التي تعتبرها المحك الرئيسي لمشروعية أي مجلس منتخب.
صوت الشارع.. بين الإجبار واليأس
وبعيدًا عن التحليلات السياسية، يكشف النزول إلى الشارع عن هوة عميقة من انعدام الثقة والإحباط. ففي وسط القاهرة، تبدو انتخابات مجلس الشيوخ حدثًا لا يثير اهتمام معظم المواطنين. وإن كان الأمر بالنسبة للبعض، يُمثل تحولًا إلى كابوس.
يروي جابر عبد المولى (اسم مستعار)، وهو بائع متجول، يقول: “أنا واقف على الفرش بتاعي ومرة وحدة لقيت أمين شرطة ومعاه اتنين شكلهم يخض، قاللي هات بطاقتك يا ابن ….، خدها وادالي ورقة… وقاللي لو ما رحتش تنتخب وتاخدلك 300 جنيه، يا إما مش هاتفرش تاني هنا”.
هذه الشهادة تكشف عن وجه آخر للعملية الانتخابية، وجه قائم على الترهيب والترغيب لضمان المشاركة، بعيدًا عن أي قناعة سياسية.

وعلى الجانب الآخر، هناك يأس متجذر من أي تغيير محتمل، يجسده “أبو ليلى” (اسم مستعار)، الرجل السبعيني الذي يعيش في الشارع منذ زلزال 92.
يتذكر “أبو ليلى” تجربته المريرة مع نائب دائرته آنذاك قائلًا: “زهقوني في عيشتي كل يوم تعالى بكرة وتعالى الأسبوع الجي، لحد ما حرمت أبص على يفط الانتخابات، ورميت حمولي على الله”.
يقول “أبو ليلى” ملخصًا مأساة الكثيرين: “ما بيعملولناش حاجة، ومش بنشوفهم، حتى في الكوارث، نروح ننتخبهم ليه؟”.
هل بقي لصناديق الاقتراع معنى؟
تقف انتخابات مجلس الشيوخ على مفترق طرق حاد. فمن جهة، ترسم شهادات الشارع، كقصة “أبو ليلى” وإجبار “جابر”، صورة قاتمة لشرخ عميق في الثقة بين المواطن والمؤسسة التشريعية، يغذيه واقع اقتصادي مرير وتاريخ من الوعود غير المنجزة. ومن جهة أخرى، تعزز التحليلات السياسية فكرة أن الإطار القانوني القائم، بـ”قائمته المطلقة” ودوائره الواسعة، قد حوّل المجلس بالفعل إلى ساحة “للوجاهة الاجتماعية” أكثر منه هيئة رقابية فاعلة.

والمفارقة أن الدعوة للمشاركة تأتي من قلب هذه العملية التي يصفها البعض بالصورية. فعلى لسان عبد الناصر قنديل، الذي يشارك حزبه (التجمع) ضمن قائمة الموالاة نفسها، تتحول الدعوة للتصويت إلى شكل من أشكال المقاومة ضد ما يوصف بـ”تقاعس المعارضة”، ويتحول المشهد المعقد برمته إلى اختبار عملي واحد: هل ستتمكن القائمة الوحيدة من تجاوز عتبة الـ 5% من أصوات الناخبين لتضمن شرعيتها، أم أنها ستفشل في ذلك؟
وهكذا يبقى السؤال معلقًا في الأفق: هل يمكن للمشاركة، حتى وإن بدت رمزية، أن تكون بالفعل “درسًا للجميع” وتُحدث فارقًا، أم أن صوت الناخبين قد تلاشى بالفعل في فراغ سياسي أوسع؟
