بيوت الثقافة أضواء تتوهج.. فلا توصدوا عليها أبوابكم

قاعة كبيرة بمبنى إدارة جامعة المنوفية في مدينة شبين الكوم، تضم صغارًا تلمع عيونهم، يحلمون بالقادم.

تتعالى أصوات التصفيق والغناء.

للتو، بدأت رسميًا مظاهر الاحتفاء بإعلان جائزة عبد الفتاح صبري للقصة القصيرة المحلية؛ منصة محلية صُممت لتليق بالحكايات الصغيرة، وأفكار واعية بدأت تنتبه لها مؤسسات مثل بيوت الثقافة والجامعة وجمعيات أهلية في المنوفية، وبمباركة من وزارة الشباب والرياضة، وبالطبع مؤسس الجائزة الذي آمن بدور الإبداع في نفوس الصغار وحرارة نصوصهم وصدقها.

على الرغم من هذا الاحتفاء؛ يبقى سؤال عالق كغصة في كواليسه: ما مصير بيوت الثقافة التي خرج منها هؤلاء المبدعون؟ هل توقف المشوار لهم عند نيل الجوائز فقط؟ كيف يستمرون في حضور الورش والتعلم والتثقيف أكثر إذا لم يكن هناك بيتٌ يسعهم في محيطهم؟

احتفاء بالضوء

“عبد الفتاح صبري” هي جائزة تحتضن النشء في محافظة المنوفية، تمد يدها للمواهب من أبناء بيوت وقصور الثقافة في المراكز والقرى، وكذلك المكتبات.

لم تأتِ الجائزة احتفاءً بالسرد فحسب، بل جاءت لترسخ رسالة نبيلة، مفادها أن للمكان حقًا في الذاكرة، وللإبداع نصيب، فهي دعوة للاحتفاء بالضوء؛ كما يقول القاص والروائي والناقد عبد الفتاح صبري، مؤسس الجائزة لـ فكّر تاني.

إنها دعوة للاحتفاء بالضوء وبما كتبه الجيل، وما يمهد له القادمون؛ تلك كانت الرؤية التي حملها في صدره منذ بدأ التفكير في هذه الجائزة، كما أنه أراد أن يجعل قسمًا فيها للجمهورية كلها هذا العام لأنه رأى إقبالًا عليها من المحافظات الأخرى.

آمن عبد الفتاح صبري بمركزية المحافظات في ثقافتها أيضًا، وقرر بهذه الجائزة خوض حرب ناعمة ذات هدف استراتيجي، وهو الدفاع عن حق الأقاليم في اختيار حياتها الثقافية بعيدًا عن القاهرة، وكشف مركزيتها والتفاف المثقفين حولها، مصداقًا لقوله الدائم: “من حق الهامش أن يحلم ولو بقلم”.

يعلق صبري على قرار غلق بيوت الثقافة في المنوفية وفي أي محافظة بأنه “جريمة”، فكل بيت من هذه البيوت مهما صغرت سعته، إلا أن السعة التي يمنحها لنفوس الصغار أكبر من قرار يُتخذ بعد لحظات من اجتماع لكبار المسؤولين، والذين غالبًا ما يكونون في حِلٍّ بعد ذلك من تبعات سوء الأحوال.

ويؤكد صبري أن حياته خارج البلاد علمته جيدًا معنى أن يهتم بنشء بلاده وتنمية مواهبهم، فعقولهم أكبر دومًا من أعمارهم، وهو بيده يقدم شيئًا صغيرًا مثل تلك الجائزة التي تحفزهم على العمل والبحث عن أنفسهم وسط “الوحوش”، يعلمهم بهذه الجائزة المحلية معنى أن يتقوا تلك المواهب ويحافظوا عليها.

من وسط مائة مُكرَّم، كان هناك أربعون شخصًا ينتمون إلى بيوت الثقافة المقرر إغلاقها في المنوفية، وثلاثة فائزين بفئات من الجوائز أيضًا. وقد قدم بيت ثقافة الشهداء أكثر المتميزين في هذه الجائزة، وبيت ثقافة سرس الليان، وبيت ثقافة ميت أبو الكوم، وبيت ثقافة الروضة، وبيت ثقافة بركة السبع، وبيت ثقافة أشمون، وبيت ثقافة قويسنا، وبيت ثقافة منوف.

بدأت هذه الأزمة مع إعلان هيئة قصور الثقافة إغلاق 123 بيتًا ومكتبة ثقافية مؤجرة بالمحافظات، مع إعادة توزيع العاملين بها، تنفيذًا لقرار مجلس إدارتها وموافقة وزير الثقافة في مايو الماضي.

الحقيقة في صورتها الطبيعية

تعبر منة وحيد شعبان، 14 عامًا، عن سعادتها للفوز بجائزة عبد الفتاح صبري، فئة القصص الموجهة لليافعين أقل من خمسة عشر عامًا، ولكنها بحزنٍ دفينٍ كسا وجهها تختبر مشاعر الحرمان مع الفرحة لأول مرة في حياتها، فهي بنت مدينة الشهداء بمحافظة المنوفية، وستُحرم في الأيام القادمة من رافد من أهم روافد الثقافة فيها، وهو بيت ثقافة الشهداء.

“اكتشفت موهبتي من ورشة في بيت ثقافة الشهداء، كنت ساعتها لسه عندي 9 سنين، ومكنتش فاهمة يعني إيه كتابة قصة، لكن لما والدتي شجعتني كانت النتيجة النهاردة إني فائزة بالمركز الأول في الدورة التالتة من جائزة عبد الفتاح صبري”.

تتعجب منة كثيرًا من أحوال الثقافة بمصر، ورغم كونها صغيرة في السن لكنها ببصيرتها الحادة تدرك جيدًا معنى أن يُغلق بيت ثقافة في بيئة محلية كالمنوفية، تدرك مدى المعاناة التي ستعيشها بعد الآن: “هنقعد على المصاطب بقى والناس تتكلم علينا.. مفيش بديل”.

كتبت قصة عن الحقيقة، تحت عنوان “مرآة الحقيقة”، وكان الدافع الأساسي لها هو أصدقاؤها الذين خذلوها لأنهم لم يكونوا واضحين منذ البداية وهي تعاملت معهم بحقيقتها. تقول منة إنها لم تأتِ بجديد في القصة غير أنها عبرت عن مدى شجوها من أصدقاء العالم الافتراضي؛ الآمال المنسوجة بـ”إضافة صديق” والمنتهية بـ”حظر”.

هالها أن تعيش التجربة كاملة أكثر من مرة لأنها فقط صادقة وحقيقية في عالم أصبح الصدق فيه «وسام شرف». هي الآن تعتقد أن حال الثقافة في المنوفية مثل حال أصدقائها الافتراضيين تمامًا، مفتقرة إلى الصدق والحقيقة، وهو ما تتأكد منه كل يوم حينما تقرأ تصريحًا للوزير.

قرار إغلاق 120 بيت ثقافة ومكتبة مؤجرة في المحافظات، بدعاوى “عدم النشاط” أو “ترشيد الإنفاق” أو “حاجة المالكين لإعادة المباني”، اعتبره المثقفون اعتداءً صارخًا على الأدب والفن، وطالبوا بإلغائه، دون جدوى إلى الآن.

أثناء هذا الجدل القائم حتى الآن على دور بيوت الثقافة بين أصحابها والوزارة المفترض أن تدافع عن الثقافة، أتى فوز المشاركين المنتمين لهذه البيوت دليلًا عمليًا، ليتكرر التساؤل في أذهان الجميع: إذا كانت هذه البيوت ميتة كما يُشاع، فمن أين خرج هؤلاء إذن؟ يتمنى الفائزون أن تكون جائزتهم أقوى من قرار غلق البيوت التي آوتهم ونصرتهم وصدقتهم حين كفرت عوالمهم بهم.

أين المهمشون؟

تخرج رحمة عبد الله من بيتها كل يوم في الثامنة، تستقل ميكروباصًا من سنتريس حتى بيت ثقافة أشمون، تحضر تدريبات وورش الكتابة الإبداعية في مجال القصة القصيرة.

“أحلم بأن أصبح روائية لا قاصّة، أكتب عن أحلام ريف المنوفية في جيلي. عن تنمر من نوع آخر أصبحوا يستخدمون فيه الذكاء الاصطناعي!”؛ تحكي رحمة بمرارة، فهي قصيرة، وجادة جدًا في حياتها رغم أعوامها الستة عشر.

تتنمر عليها صديقاتها عن طريق استخدام ChatGPT، يصفن شكلها له، فيساعدهن على الوصف بطريقة لاذعة، ويطورن هن الحكايات.

هذا كان دافعها الرئيسي للانتقال كل صباح إلى هناك، حيث أصدقاء الكتب والأدب أكثر نقاءً من الواقع.

تلتفت في طريقها إلى أشمون إلى الفُرادى على الطرق، هؤلاء أكثر من يشغلون بالها، لأنها مثلهم، تعانق نفسها وحلمها وتحمل على عاتقها إيصال صوتهم، وهكذا خرجت “المهمشون” إلى النور؛ قصة قصيرة كتبتها لأول مرة في حياتها رغم أنها ليست المشاركة بها في الجائزة.

“اتعلمت أحب نفسي، في ورش القصة القصيرة في بيت ثقافة أشمون حسيت إن روحي بترد لي، حسيت إن ليا قيمة، وكأن الكتابة دي علاج نفسي ليا، وبتخلي خيالي يتفتح على حاجات يمكن عمري ما أحلم بس أوصل لها في حياتي، بتخليني عندي إحساس، ولما بألف قصص، بحس إني بفضى من جوايا، بتحرر”، تحكي لـ فَكّر تاني.

أظهرت دراسة للمركز الديموغرافي أن التوسع في المراكز الثقافية المحلية بمصر خلال خمس سنوات عزز التنمية الثقافية وساهم في تقليص الفجوة بين المركز والهامش.

بيوت الثقافة “مش نايمة”

هذا بالضبط ما أكده عمر القاضي، 17 عامًا، والذي فاز بقصة تحت عنوان “ساعة اليقين السادسة” وهو منتمِ لبيت ثقافة سرس الليان.

يشير، في حديثه لـ فكّر تاني، أنه لولا هذا البيت ما ظهرت كتابته للنور، ويستنكر: “عايزين يقفلوا بيت ثقافة هو النزهة الوحيدة لينا ليه؟ بنتعلم ونلعب ونبدع وبنكتشف نفسنا بدل ما نضيعها!”.

يحاول عمر كل يوم منذ علمه بخبر إغلاق البيوت أن يشبع من جدران البيت أكثر، يلمس حوائطه ويحتضن مقاعده، يطّلع في مكتبته بشغف وهو الذي يحفظها عن ظهر قلب، يَعِدُها كل يوم – رغم علمه بأن القائمين عليها لن يتركوها – بأنه سيأتي يوم لن يكون لهم من الأمر شيء.

“اتعلمت إزاي أكتب قصة، ولقيت نفسي بتجه للواقعية أكتر في الكتابة، مزاجي كان في الرعب، فلقيت إن العالم اللي بنعيشه دلوقتي فاق الرعب بمراحل فعلًا”، بوجه متغضن يحكي.

يفتخر القاضي بقصته وبالجائزة التي نالها عنها، فهي تسد فراغًا ثقافيًا واسعًا لا تشمله الجوائز المركزية في الدولة، كما أن تلك الجائزة تمنح النشء مثله الفرصة في الظهور، وفي التعبير عن أحلامهم ومعرفة معنى التنافس الشريف، خاصةً مع لجنة تحكيم تضم نقادًا كبارًا مثل الدكتور عادل درغام، والدكتور هيثم الحاج علي.

“بيوت الثقافة في المنوفية مش نايمة والله”؛ فهي – كما يقول – تعمل في حدود الموارد المتاحة التي توفرها الدولة، وتتحدى الإهمال المؤسسي، ولكن فوزهم في هذه المسابقة هو برهان ورد على من يقولون إنه “لا ثقافة في بيوت الثقافة”.

حلول مقترحة

تشير دراسة بحثية تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة إلى أن أندية الأدب في قصور وبيوت الثقافة تلعب دورًا مهمًا في اكتشاف كتاب جدد وشباب، ينتمون إلى المناطق الفقيرة في الريف، وهي توفر لهم فرصًا غير تنافسية تساعدهم في التعلم الذاتي وتؤهلهم للجوائز المحلية حتى يصلوا إلى المركزية.

“إذا تم غلق بيوت الثقافة وتهجير الشباب منها حقًا، وإيقاف الأنشطة التي تمثل لهؤلاء الشباب معنى جوهريًا لا يفهمه إلا من خرج من نفس الظروف، فمَن يحمل صوت الناس في الريف؟”؛ يقول المهندس قطب حبيب رئيس نادي الأدب المركزي بالمنوفية، أثناء حديثه لـ فكّر تاني.

الدكتور قطب حبيب

ويؤكد حبيب أن الثقافة في المنوفية تشهد حركة واسعة، رغم التضييقات التي تتعرض لها بيوت الثقافة في القرى والمراكز في الفترة الأخيرة، وهو ما ساهم في تطلعات الشباب في المحافظة لأن يكون لهم جائزة تمثلهم وترضي شغفهم؛ يتطلعون لمن يحمل همهم ويعبر عن أمنياتهم البسيطة بالبقاء في محافظتهم دون الانتقال لتحقيقها في العاصمة.

ويشير إلى أن بيوت الثقافة في القرى تؤدي دورًا محوريًا مهمًا، ويشترك الأطفال في نوادي الأدب فيها، ويتعلمون النشاطات المختلفة من فن القص والحكايات وكتابة الرسائل أيضًا، وهو ما يعمل عليه منذ فترة توليه هذا المنصب.

ويعلق على أزمة غلق البيوت بأن إعادة هيكلتها ضرورة، وليس غلقها، واقتراحه للحل هو دمج أنشطة هذه البيوت مع أنشطة مراكز الشباب التابعة لوزارة الشباب والرياضة في المحافظات، فتتكثف الأنشطة وتمنح الشباب والأطفال ما لم يستطيعوا أخذه وحدهم دون أي رعاية بعد إغلاق هذه البيوت.

أضواء تتوهج.. لا توصدوا عليها أبوابكم

لقد تحول التصفيق الذي حظي به شباب المنوفية الفائزون إلى صدى مرير، يتردد في مواجهة الصمت الذي يهدد بإغلاق الأبواب التي رعت أحلامهم.

لم تعد القضية مجرد جدل إداري حول “ترشيد النفقات” أو “فاعلية النشاط”، وإنما استفتاء حقيقي على قيمة الإبداع في الأقاليم، وعلى مدى جدية الدولة في احتضان طاقات شبابها في الهامش.

إن شهادات منة ورحمة وعمر، إلى جانب عشرات الموهوبين الآخرين، تقدم برهانًا حيًا ودليلًا دامغًا يفوق في قوته أي تقرير بيروقراطي. فوزهم ليس مجرد نجاح فردي، بل هو شهادة حياة لتلك البيوت التي وُصفت بـ”الموت”. وبينما تُطرح حلول عملية كإعادة الهيكلة أو الدمج، يظل شبح القفل النهائي يخيم على المشهد.

ويبقى السؤال الأخير ليس فقط “من أغلق بيوت الثقافة؟”، بل الأهم: ما الذي نغلقه معها؟ هل هي مجرد مبانٍ مستأجرة، أم أنها أحلام جيل كامل، وقصص لم تُكتب بعد، وأصوات تنتظر فرصة لتصل إلى النور؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد، بشكل أو بآخر، ملامح المستقبل الثقافي لمصر بأكملها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة