روشتة صندوق النقد.. لمصلحة من؟

مع اقتراب مصر من مراجعتين حاسمتين، قبل نهاية أكتوبر المقبل، لبرنامجها الاقتصادي، تضعها شروط صندوق النقد الدولي الصارمة في مسار تصادمي مباشر مع تحذيرات خبراء من أن "روشتة" الإنقاذ، التي تصاغ على أرض أمريكية، قد تتحول إلى وصفة لركود اقتصادي يخنق الاستثمار ويهدد المكاسب التي تحققت بشق الأنفس.

ما يريده صندوق النقد الآن

في قلب هذا المشهد المعُقد اقتصاديًا، تتمحور مطالب الصندوق، التي يصفها بأنها حيوية لاستدامة الاقتصاد، حول أربعة محاور رئيسية كشرط لاستكمال صرف شرائح القرض البالغة قيمته 8 مليارات دولار، والذي لم تتسلم منه مصر سوى 3.5 مليار حتى الآن:

- التحرير الكامل لسعر الصرف: ترك قيمة الجنيه لقوى العرض والطلب في السوق دون تدخل من البنك المركزي، لضمان مرونة مستدامة تعكس القيمة الحقيقية للعملة.

- سياسة نقدية متشددة: الإبقاء على سياسة انكماشية عبر أسعار فائدة مرتفعة، بهدف كبح جماح التضخم وضمان استقراره عند مستويات منخفضة على المدى الطويل.

- إصلاحات هيكلية عميقة: تسريع وتيرة برنامج الطروحات الحكومية لتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتعزيز المنافسة العادلة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون قاطرة النمو.

- الحوكمة والشفافية: تطبيق معايير صارمة للحوكمة في إدارة أصول الدولة والشركات العامة، وضمان شفافية مالية كاملة، خاصة للجهات غير المدرجة في الموازنة العامة.-

- توسيع شبكات الحماية الاجتماعية: الإسراع في تنفيذ برامج الدعم الموجهة لتخفيف الأثر الحتمي للإصلاحات الاقتصادية على الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.

شعار صندوق النقد (وكالات)
شعار صندوق النقد (وكالات)

كيف استجابت القاهرة؟

استجابةً لهذه المطالب، وفي محاولة لإظهار حسن النية قبل المراجعات المرتقبة، بدأت الحكومة المصرية بالفعل في تنفيذ سلسلة من الإجراءات المؤجلة.

على الصعيد المالي، شملت الإجراءات تعديلات واسعة على قانون القيمة المضافة، أبرزها إخضاع أعمال المقاولات للسعر العام للضريبة (14%) بدلًا من ضريبة الجدول المخفضة (5%).

كما استحدثت ضريبة بنسبة 1% على القيمة البيعية أو الإيجارية للوحدات التجارية كالمولات، وفرضت ضريبة بنسبة 10% على البترول الخام تتحملها هيئة البترول، إلى جانب تعديل شرائح ضريبة الدخل وزيادة الضريبة القطعية على السجائر.

وفي الملف الذي يعتبره الصندوق النقطة الجوهرية، اتخذت الحكومة خطوات فعلية لتنشيط برنامج الطروحات، حيث بدأت في قيد شركتي "الوطنية لبيع المنتجات البترولية" (وطنية) و"الوطنية لتعبئة المياه الطبيعية" (صافي) في البورصة، تمهيدًا لبيع حصص أقلية منهما.

وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة أوسع لطرح ما لا يقل عن 10 شركات خلال العام المالي الحالي، بينها أربع شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، ما يعيد الزخم لملف لم يشهد حراكًا ملموسًا منذ طرح حصة من المصرف المتحد نهاية عام 2024.

ملكية الدولة كانت نقطة جوهرية في إرجاء الصندوق صرف الشريحة الخامسة من القرض، وهو أمر لا يخفيه؛ إذ يؤكد مسؤولوه دائمًا أن استمرار هيمنة القطاع العام على الاقتصاد يمثل مشكلة، وأن تقدم الحكومة المصرية كان محدودًا في الحد من دور الشركات المملوكة للدولة.

ما يخشاه المراقبون

على الرغم من استجابة الحكومة، يرتفع صوت التحذير من خبراء اقتصاديين بارزين يرون في إصرار صندوق النقد على سياسة التشديد النقدي "فخًا" يعيق النمو الحقيقي. وتتركز هذه التحفظات على أن الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة، بينما يهدف نظريًا لكبح التضخم، له آثار سلبية حادة على أرض الواقع.

عالية المهدي عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق (وكالات)
عالية المهدي عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق (وكالات)

تقود د. عالية المهدي عميدة كلية السياسة والاقتصاد سابقًا، هذا الرأي المنتقد، موضحةً - في حديثها لـ فكر تاني - أن الفائدة المرتفعة تؤدي إلى ثلاث نتائج مدمرة:

- ارتفاع تكلفة الدين والاستثمار: فهي ترفع تكلفة الاقتراض على الحكومة، مما يضخم مصروفات خدمة الدين في الموازنة، وفي الوقت نفسه ترفع تكلفة الاستثمار أمام القطاع الخاص، مما يدفعه لرفع الأسعار (وهو ما يزيد التضخم) ويقلل من قدرته على المنافسة وخلق فرص عمل تحتاجها البلاد بشدة.

- تآكل الحصيلة الدولارية: تجذب الفائدة المرتفعة الأموال الساخنة (استثمارات الأجانب في أدوات الدين)، مما يزيد من التزامات مصر الخارجية بالعملة الصعبة ويستنزف الحصيلة الدولارية عند خروج هذه الأموال.

- فجوة غير منطقية: تؤكد المهدي أن الفجوة الشاسعة بين سعر فائدة الإقراض (24.5%) ومعدل التضخم (11.4%) تخلق سعر فائدة حقيقيًّا يقارب 13%، وهو رقم "مرتفع بكل المعايير الدولية" ويثبط أي استثمار منتج.

هاني توفيق
هاني توفيق

وهذه المخاوف يدعمها الواقع، حيث أظهرت البيانات استمرار تدهور القطاع الخاص غير النفطي في مصر، الذي سجل انكماشًا للشهر الرابع على التوالي في يونيو، متأثرًا بضعف الطلب والانخفاض الحاد في النشاط الشرائي.

ويصف هاني توفيق الخبير الاقتصادي رئيس الجمعية المصرية للاستثمار المباشر سابقًا، في تصريحاته لـ فكر تاني، الوضع بأن سعر الفائدة الحقيقي في مصر هو "الأعلى عالميًا"، ويرى أن الحل ليس في استمرار هذا النهج، بل في "خفض طباعة النقود وتقليل الفائدة جذريًا".

ويقترح توفيق حلًا لمعضلة اعتماد شريحة من المصريين على عوائد البنوك، يتمثل في "حصر المستحقين بدقة وتعويضهم بحزم مالية" تُموَّل من الوفر الذي سيتحقق في فاتورة خدمة الدين الحكومي.

برنامج للإصلاح أم الضغط المباشر؟

بعيدًا عن الجدل الدائر حول السياسة النقدية، تكشف تقارير صندوق النقد نفسه عن حجم التحديات الهيكلية التي تواجه مصر.

مصطفى عادل الخبير الاقتصادي
مصطفى عادل الخبير الاقتصادي

يوضح مصطفى عادل الخبير الاقتصادي مستشار غرفة التجارة الكندية في الشرق الأوسط، في حديثه لـ فكر تاني، أن تقرير الصندوق الأخير يرسم صورة معقدة للمستقبل؛ فبينما يتوقع انخفاض نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي من 46% حاليًا إلى 34% بحلول عام 2030، فإنه يتوقع أيضًا أن القيمة المطلقة لهذا الدين ستستمر في الارتفاع، لتصل من 162.7 مليار دولار في العام المالي الحالي إلى 202 مليار دولار بحلول 2029-2030.

وفي خطوة تعكس حجم الضغوط المالية، تعهدت الحكومة المصرية، بحسب الصندوق، بتوجيه كامل الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتوقعة هذا العام، والبالغة نحو 3 مليارات دولار، لسداد الديون العامة مباشرةً، في محاولة لمعالجة أي عجز في تحقيق الفائض الأولي المستهدف.

ويشير عادل إلى أن دور الصندوق قد تحول من مجرد تقديم "برنامج إصلاح" إلى ممارسة "إلزام" مباشر، حيث يطالب بتوسيع القاعدة الضريبية، والتخلص التدريجي من دعم الطاقة، وزيادة الرقابة على كيانات اقتصادية كبرى خارج الموازنة مثل الهيئة المصرية العامة للبترول وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

ولا يغفل تقرير الصندوق، رغم إشادته بالخطوات المصرية، الإشارة إلى مخاطر خارجية لا تزال قائمة، وعلى رأسها التوترات الإقليمية التي قد تؤثر سلبًا على إيرادات حيوية من قطاعي السياحة وقناة السويس، بالإضافة إلى عبء الدين العام الذي يتجاوز 92% من الناتج المحلي، مما يتطلب استمرار سياسة مالية شديدة الانضباط لسنوات قادمة.

مصريان يسيران في اتجاه معاكس أمام مكتب صرافة (وكالات)
مصريان يسيران في اتجاه معاكس أمام مكتب صرافة (وكالات)

خطة إنقاذ حقيقية أم استعمارية اقتصادية؟

تتكشف العلاقة بين مصر وصندوق النقد الدولي في صورة مفارقة معقدة: فبينما يصر الصندوق على مرونة سعر الصرف كضمانة أساسية، يأتي تقييم بنك استثماري عالمي بحجم "جولدمان ساكس" ليؤكد أن الجنيه المصري يُتداول حاليًا بأقل من قيمته العادلة بنحو 30%، مما يثير تساؤلات جوهرية حول الهدف النهائي من هذه السياسة.

ويدافع الصندوق عن رؤيته بالإشارة إلى مؤشرات إيجابية ملموسة، مثل جذب تدفقات رأسمالية تجاوزت 13 مليار دولار بعد تحرير سعر الصرف في مارس 2024، وتراجع التضخم من ذروته عند 35%، ونجاح الحكومة في طرح أصول بقيمة 3.5 مليار دولار.

لكن هذه المكاسب تصطدم بواقع اقتصادي لا يزال يئن تحت وطأة الفائدة المرتفعة وتحديات خدمة دين عام ضخم.

وعليه، يظل السؤال المحوري مطروحًا: هل تمثل روشتة الصندوق مسارًا حقيقيًا نحو تعافٍ اقتصادي مستدام، أم أنها في جوهرها مجرد آلية لضمان قدرة البلاد على خدمة ديونها؟ وهو التساؤل الذي يلخصه الخبير هاني توفيق في وصفه لهذه المؤسسات بأنها "استعمارية اقتصادية".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة