الدولار.. كلمة السر في أزمة الأجور بمصر

رغم رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص بمصر ست مرات في خمس سنوات، وزيادة رواتب العاملين بالحكومة سبع مرات خلال الفترة ذاتها، احتل متوسط الرواتب في مصر مرتبة متدنية عالميًا في استطلاع جديد شمل 126 دولة حول العالم.

بحسب  استطلاع  NUMBEO، وهي قاعدة بيانات متخصصة في دراسات تكلفة المعيشة وجودة الحياة في العالم.حلت مصر  بالمرتبة الـ  123 من بين 126 دولة فيما يتعلق بمتوسط دخل الفرد الذي بلغ  146.7 دولار شهرياً، بما يعادل 7335 جنيًها.

تلت مصر في التصنيف ثلاثة دول فقط هي نيجيريا وسوريا وكوبا، وسبقتها دول مثل الكاميرون التي يبلغ فيها متوسط الدخل 164.90 دولار، وباكستان بمتوسط 187.60 دولار، وأوغندا 190.15 دولار، وغانا بمتوسط 200.60 دولار، وإثيوبيا 201,4 دولار، وكينيا 350.18  دولار، زيمبابوي 384.13 دولار، وتنزاينا 306.9 دولار، ورواندا 243.2 دولار.

وزير المالية أحمد كوجك
وزير المالية أحمد كوجك

رفع الحد الأدنى للأجور.. لماذا لم يتحسن الترتيب؟

تواكبت تلك الزيادات مع تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فعلي سبيل المثال رفعت الحكومة بدءا من يوليو الحالي الأجور لـ 7 آلاف جنيه وفي الوقت ذاته تراجع الراتب حال تقييمه بالدولار عن الفترة التي تم إجراء استطلاع NUMBEO فيها ليبلغ 1415 دولار اي أنه قل 30 دولارًا.

وخسر الجنيه المصري ثلث قيمته في مقابل الدولار في 6 مارس 2024.، حينما وقعت الحكومة في مارس من العام الماضي اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي  وافق بموجبه على زيادة قرضه الممنوح للقاهرة من ثلاثة مليارات دولار إلى ثمانية، ليقفز سعر الدولار حينها إلى  49,5 جنيه في 6 مارس مقابل 30,8 جنيه في 5 مارس.

الجنيه المصري مقابل الدولار (الصورة: شترستوك، فيكتوريا فيفكو)
الجنيه المصري مقابل الدولار (الصورة: شترستوك، فيكتوريا فيفكو)

وشهد الحد الأدنى للأجور للعاملين بالحكومة ٧ زيادات متتالية منذ فبراير 2019 بدءا من 1200 جنيه إلى 2000 جنيه في 2019 ثم  2400 جنيه في 2021،  ف2700 جنيه خلال  يناير 2022 قبل أن يتم زيادته مرتين في 2023 إلى 3500 و4000 جنيه في مارس وسبتمبر على الترتيب، ثم رفعه خلال مارس 2024 إلى 6000 جنيه، وأخيرا تم رفعه إلى 7 آلاف جنيه.

كما قرر المجلس القومى زيادة الحد الأدنى للعاملين بالقطاع الخاص إلى 7000 جنيه بدءا من مارس الماضي  مقابل 6000 جنيه.، وكانت تلك الزيادة هى السادسة التى يقرها المجلس خلال الخمس سنوات الأخيرة.

ورفع المجلس الأجور  فى يناير 2022 لمستوى 2400 جنيه فـ 2700 في يناير 2023، قبل رفعه إلى 3000 جنيه فى يوليو 2023، ثم 3500 جنيه فى يناير 2024، وبعدها 6 آلاف جنيه مايو الماضى 2024، وأخيرا 7000 جنيه اعتبارًا من مارس 2025، في المقابل شهدت تلك الفترات ارتفاعات بسعر الصرف الدولار بوتيرة أسرع.

أزمة الأجور

بحسب آخر بيانات الجهازالمركزيللتعبئةوالإحصاء فإن متوسط الأجر النقدي الأسبوعي بالجنيه في القطاع العام والأعمال العام والخاص عام 2012، كان أعلى راتب أسبوعي من نصيب المعلومات والاتصالات بإجمالي 2087 جنيها يليه التعدين والمحاجر بنحو 1929 جنيها ثم إمدادات الكهرباء والغاز والتكييف 1896 جنيها والإمداد المائي والصرف الصحي 1344 جنيها والعقارات والتأجير 1271 جنيها، والأنشطة العلمية والتقنية المتخصصة 1214 جنيها.

حال تحويل تلك الراواتب بالدولار مابين عام 2012 والعام الحالي، يتبين أن راتب العامل  الأسبوع في قطاع المعلومات والاتصالات كان حوالي 88.63 دولار، ونفس الراتب الأسبوعي لو تم قياسه بسعر الدولار الحاليي يتحول إلى 24.24 دولار.

الجنيه مقابل العملة الأجنبية (وكالات)
الجنيه مقابل العملة الأجنبية (وكالات)

مع بدء تنفيذ موازنة العام المالى الحالي ٢٠٢٥/ ٢٠٢٦، قررت المالية زيادة الحد الأدنى للرواتب إلى 7 آلاف جنيه، مع صرف زيادة العلاوة الدورية ١٠٪ للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية و١٥٪ لغير المخاطبين بحد أدنى ١٥٠ جنيهًا شهريًا، وزيادة علاوة «غلاء المعيشة» من ٦٠٠ جنيه إلى ألف جنيه، وزيادة الحافز الإضافي ٣٠٠ جنيه لكل الدرجات الوظيفية من «السادسة» حتى «الممتازة».

انعكاس الزيادة الأخيرة على تحسن ترتيب مصر عالميًا فيما يتعلق بالراتب مرهونة باستمرار استقرار سعر الصرف أيضًا، وحال أوضاع العمالة في البلدان ذاتها في استطلاع NUMBEO، خاصة أن الدول الثلاث التالية لمصر  تتضمن نيجيريا 127.81 دولار وسوريا 46.85 دولار وكوبا 35.64 دولار، مؤشرات الرواتب أقل بكثر عن مصر صاحبة المرتبة الـ 123 في الدول التي شملها الاستطلاع ولا تتضمن كل دول العالم.

الأجور في مصر.. معضلة مستمرة

الباحث الاقتصادي حازم حسنين يرى أهمية التعديل التدريجي لهيكل الأجور والمرتبات، بحيث يعكس مستوًى معيشيًّا لائقًا للعاملين وحمايةً اجتماعيةً أعلى، في سياق رؤى الإصلاح التشريعي والمؤسسي، مضيفا أن كثرة التشريعات والقرارات تؤدي إلى عدم وضوح تعريف الأجور، ومن ثم صعوبة تحقيق العدالة في توزيعها، وتعثر استخدامها أداةً للسياسة الاقتصادية والاجتماعية بصورة أفضل.

يقول حسنين إن إجمالي قيمة الأجور المدفوعة في الاقتصاد المصري تشكِّل نحو 30% من الناتج المحلى الإجمالي، ما يمثِّل خللًا هيكليًّا في التوزيع الأوَّليِّ للدخل يصب في مصلحة أصحاب الأعمال ورءوس الأموال والأصول (الأرباح والفوائد والريع) وفي غير صالح العمال

يشير الباحث إلى مصر عانت لثلاثة عقود من إعادة تركيب مكونات الأجور لصالح الأجور المتغيرة التي استحوذت على 80% من إجمالي الأجر ما أوجد صعوبات في الاعتماد على متوسطات بداية ونهاية الدرجة المالية كما لا تعبر عن الأنصبة النسبية لكل مجموعة وظيفية أو شاغلي وظيفة معينة .

كما يوجد تضارب أيضًا بين ما يحصل عليه العاملبالواقع والأجر الذي يؤمن عليه به، وتعقدت عملية تحديد الأجر وخالفت النظم الحديثة التي تعتمد على رقم واحد للأجر، يمثل كل ما يتقضاها العامل خلال مدة معينة، بحسب حسنين.

تلجأ بعض المؤسسات في مصر حاليا إلى عدم دفع مستحقات العامل لديها لدى التأمينات الاجتماعية لسنوات لتعيد تسديدها دفعة واحدة قبل خروجه على المعاش، بدعوى استثمار تلك المبالغ في أنشطة ربحية، وعدم حاجة العامل صغير السن إليها.

 خلط كبير بين الحد الأدنى والأجر

علاوة على ذلك، يوجد خلط كبير بين مفهوم الحد الأدني للأجر الذي يمثل حد الكفاف الذي يكفي العامل لإعالة نفسه وأسرته وبين مستويات الأجر الي تشير إلى هيكل الأجور المرتبك بوظائف مختلفة وسلم وظيفي متدريج يتناسب مع المؤهلات وطبيعة العمل وانتاجية العامل وخبرته، بحسب حسنين.

الفريق مهندس كامل الوزير نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل (وكالات)
الفريق مهندس كامل الوزير نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل (وكالات)

لكن من ناحية ثانية، يخدم انخفاض الأجور حال تقييمها بالدولار سياسة الحكومة في جذب الاستثمار من الخارج، إذ يقول وزيرالاستثمار إن الأجور في مصر تعتبر تنافسية جدًا مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، مما يجعل مصر سوقًا مثالية للمستثمرين الباحثين عن إنتاجية عالية بتكلفة معقولة، ويجعل الكوادر المصرية الخيار الأول للعديد من الأسواق العالمية.

كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل، يؤكد على الفكرة ذاتها حينما يؤكد أن العمالة بمصر أجورها أقل من الأجور في تركيا وغيرها، لكنه رفض وصف العمالة الفنية المصرية بأنها عمالة «رخيصة» الأجر وعزا الفرق في الأجر لتكاليف الحياة عموما إذ قال:"الإسكان أقل من تركيا، والأكل والشرب والمياه أقل من تركيا، والمواصلات أقل من تركيا، فبالتالي مرتبات العمل تبقى أقل شوية من تركيا».

هل نحتاج سياسة رشيدة للأجور؟

بحسب دراسة للدكتور للدكتور سمير رضوان، وزير المالية الأسبق، فإن السياسة الرشيدة للأجور لابد أن تأخذ بعينالاعتبار ثلاثية الأجور والأسعار والإنتاجية، فلا يمكن الحديث عن أي من المتغيرات الثلاثة بمعزل عن المتعيرات الأخرى، وضرورة إنشاء أو تدعيم البيانات الخاصة بالمفاوضات الجماعية وكذلك المؤسسات المنوط بها إدارة سوق العمل وفض المنازعات.

بحسب الدراسة فإن مراعاة الضغوط التضخمية التي تحدث مع رفع الأجور يجب أن يؤخدفي الحسبان، لأن زيادة الأجور بنسبة 10% تؤدي معها لارتفاع التضخم بنحو 3 نقاط، وهو ما جعل الكثير من الخبراء يطالبون بأن تكون زيادة الرواتب مرتبطة بمستوى التضخم وليس رقما تحدد وزارة المالية.

لكن وزارة المالية تؤكد أنها تراعي التضخم في حساباتها لزيادة الأجور، وهو ما حدث في الزيادة الأخيرة التي فاقت بنسبة التضخم كثيرًا كما تعمل باستمرار على تحسين دخول العاملين بالدولة واستهداف التضخم بالتعاون مع البنك المركزي، بحسب مسئول بالوزارة.

من أهم مشكلات الأحور في مصرغياب العدالة الاجتماعية في الجهة الواحدة، فتوجد تفاوتات في بند الأجور المتغيرة في الوزارة الواحدة، فالفرق بين متوسط أعلى وأقل أجر شهري يصل لأكثر من 30 ضعفًا، بجانب إعادة النظر في العلاقة بين الإنتاجية والراتب، كمدخل لتصحيح الاختلالات.

ويجود تفاوت ملحوظ بين نسب زيادات متوسط الأجور في الأنشطة الأقتصادية المختلفة، في الربع الأول من العام الماضي،ما يُعبر عن خلل في سياسة الأجور، إّذ تراوحت الزيادات بين 5.5%، لقطاع خدمات أفراد الخدمة المنزلية للأسر، وحتى 61.7% لـ"الصحة وأنشطة العمل الاجتماعي"، فيما حقق "النقل والتخزين" تراجعًا بنسبة 2.7%.

البنك المركزي
البنك المركزي

في حين حققت قطاعات،مثل "الوساطة المالية والتأمين" زيادة بنسبة 61.2%،و"الأنشطة الإدارية وخدمات الدعم" 50.7%،و"الإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي" 40.9%،بلغت نسبة الزيادة في أنشطة مثل "الزراعة واستغلال الغابات" 17.8%، و"العلمية والتقنية المتخصصة" 28.1%.

يضيف المسئول بوزارة المالية أن الحكومة واجهت الاختلالات في الأجور بفرض الحد الأقصى للأجور الذي يمثل 35 مثل الحد الأدنى اي أن الحد الأقصى للأجر في أي جهة حكومية لا يجب أن يزيد على 245 ألف جنيه.

كانت الاختلالات في الأجور داخل الوزارات فجة في الفترة قبل صدور الحد الأقصي للأجور عام 2014، فجملة المكافآت في وزارة الماليةكانت نحو 525% من الأساسي، بينما تصل إلى 1000% في قطاع مكتب الوزير والضرائب العامة وتنخفض لـ 900% في الجمارك وتنخفض لـ 600% في مصلحة سك العملة و650% لهيئة الخدمات الحكومية والضرائب العقارية،وفي وزارة التجارة والصناعة توجد الاختلالات ذاتها، إذ تحصل مصلحة الكيمياء على مكافآت 207% وهيئة الكفاية الانتاجية 168% و600% في التجارة و575% للتمثيل التجاري

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة