كانت رائحة الخميرة تملأ البيت. تقف "أم صالح" أمام الفرن البلدي، ويداها تغوصان في العجين الأبيض اللزج. كانت الشمس تخترق نافذة المطبخ الصغيرة، وترسم مربعًا من ضوء على الأرضية الترابية، يلعب فيه الغبار كأنه نجوم صغيرة. كان كل شيء في مكانه: هدوء الظهيرة، صوت الدجاجات في الحوش، وابنها الصغير "أحمد" يلعب بقطعة من خشب بالخارج. كانت لحظة عادية، من تلك اللحظات التي لا يلتفت إليها أحد.
اندفع أحمد إلى حوش البيت بعينين زائغتين ووجه شاحب، يتلاحق نَفَسه في صدره الصغير صعودًا وهبوطًا، يتلفّت حوله كمن يبحث عن طوق نجاة، يفتّش بعينيه عن أمه. التقت عيناه بعينيها، فارتجفت نظرتها من الرعب. توقف فجأة، كأن الزمن تجمّد داخله. عقل الطفل الذي لم يتجاوز السابعة لم يستوعب بعد ما سمعه، لكنه تجاوز عمره بلحظة. لم ينطق بكلمة، فقط.. رفع يده المرتجفة وأشار نحو الشارع.
تجمدت يدا أم صالح في العجين. سقطت قطعة منه على جلبابها الأسود، سألت بصوت حاول أن يبقى ثابتًا لكنه خرج مهزوزًا: "فيه إيه؟ مين؟". انفجر الطفل في بكاء مكتوم، وخرجت الكلمات من بين شهقاته كأنها شظايا زجاج: "صالح.. عمي بيقول.. صالح.. ضربوه بالنار عند راس الترعة".
لم تصرخ. في البداية، لم تفعل. سقطت على ركبتيها ببطء، كأن ثقل العالم كله هبط فوق كتفيها. نظرت إلى يديها الملطختين بالدقيق، ثم إلى البقعة البيضاء على ثوبها. صمت مهيب دام لثوانٍ معدودة، صمت أثقل من كل ضجيج العالم. ثم انطلق من حنجرتها صراخ لم يكن صوتًا بشريًا، بل أقدم، صوت وُلد من باطن الأرض. عواء طويل ممزق، حمل بين طياته كل الحب الذي منحته، وكل الخوف الذي كتمته، وكل المستقبل الذي حلمت به واندثر الآن عند رأس الترعة.
بدأ البيت يمتلئ برجال العائلة. لم تحمل وجوههم الحزن، بل تصلّبت عليها قسوة باردة. أحاط بها عم زوجها، ووضع يده الخشنة على كتفها بقوة لم تكن للمواساة، بل للتثبيت. قال بصوت أجش كأنه صخر يحتك بصخر: "نشّفي دموعك.. دم صالح مش هيروح هدر".
في تلك اللحظة، تحولت "أم صالح".. فلم تعد الأم التي تعجن الخبز، جففت دموعها فجأة، وتصلب نظرها، وانغرست في عينيها نظرة أخرى، نظرة تحمل دينًا جديدًا كتب بالدم. البقعة البيضاء على ثوبها لم تعد طحينًا، بل بدت كأنها رماد.
انتهت لحظة حزنها، وبدأت للتو سنوات طويلة من الثأر.

"مش عاوزة حد يتوجع في قلبه على ضناه تاني" هكذا قالت ابنة قرية أبوتشت، نوال سيد علي وهي في الستين من عمرها، عندما قررت التنازل عن دم نجلها لوقف نزيف الثأر، بعد أن عاشت الفقد كاملًا. لم تشأ أن تُورث وجعها لأم أخرى، فاكتفت بوجعها ووقفت في وجه الموروث وحدها.
تلك الجملة وحدها تختصر حكاية ممتدة من الدم تعود إلى عام 1920، حين بدأ الصعيد يسيل دمًا لأسباب قد تكون تافهة، أو تتعلق بالقبيلة والعائلة والسلطة والشرف. وعلى مدار قرن، ظلّ الثأر جزءًا من معادلة الحياة والموت، وكما كانت المرأة ذات يوم محرضة على الانتقام، أصبحت اليوم من تسعى لإطفاء ناره.
ترصد فكّر تاني، مبادرات نسائية في صعيد مصر تهدف إلى وقف دوائر الدم، وتستعرض تأثيرها المتفاوت بين النجاح والفشل، إلى جانب دور الدولة في التعامل مع هذا الإرث الثقيل.
صعيديات يتصدّرن المصالحة
في السنوات العشر الأخيرة تزايدت بشكل ملحوظ مبادرات تقودها النساء أو تشارك فيها، للحد من الخصومات الثأرية. وشُكلت لجان عديدة لهذا الغرض، بعضها اعتُبر غطاءً أمنيًا لتمرير المصالحات دون صدام مباشر مع الرافضين لها من داخل المجتمعات المحلية.
ويرى أحمد سعد جريو مدير عام بمديرية التربية والتعليم بمحافظة قنا وعضو لجنة التراث الثقافي بالمجلس الأعلى للثقافة، أن المواجهة تبدأ من الجذور. ويؤكد في تصريحه لـ فكّر تاني، أن مبادرته جاءت من قناعة تربوية، حين جعل من رسالته لنيل الدكتوراه مدخلًا لفهم هذه الظاهرة ووضع حلول تربوية لها، والتي حملت عنوان: "استراتيجية مقترحة لتطوير الحوار التربوي في مواجهة مخاطر الثأر في ضوء رؤية مصر 2030"، وصدر عنها كتاب بمركز البحوث الجنائية.
تهدف هذه الدراسة إلى التعرف على الإطار الفكري لثقافة الثأر، والكشف عن أبعادها التربوية، وتقديم آليات لتطوير الحوار التربوي في مدارس جنوب الصعيد، بما يسهم في تفكيك هذه الثقافة من داخل البيت والمدرسة والمجتمع. ويؤكد جريو أن ثقافة الثأر ترفض الحوار بطبيعتها، بل تنمي العنف داخل الأسر والمجتمعات. ويصف المجتمع المحلي في كثير من قرى الجنوب بأنه بيئة مغلقة تُغذي هذا الفكر، وتورث أبناءها رفض الاختلاف وكراهية التسامح.
اقرأ أيضًا:عاملات البنزين.. يَكسرن قاعدة "البقاء للأقوى"
"بحر من الدم تزينه رصاصات الغدر"
في بعض بيوت الصعيد، لا صوت يعلو فوق صوت السلاح، حتى لو كان ثمنه ملايين الجنيهات. هناك قرى بأكملها تُعرف إعلاميًا باسم "قرى الدم والنار"، أصبحت حيازة السلاح أولى من توفير الطعام، وأعداد القتلى والمصابين في الخصومات الثأرية كافية لتحوّل أي منطقة إلى ساحة حرب لا تنتهي.
في إحدى ليالي عام 2010، وبينما كان أهل نجع "معلي" بقرية الحجيرات في قنا يشيعون فقيدًا، تحوّل سرادق العزاء إلى ساحة معركة استمرت لساعتين. سبع جثث بينها سيدة، وخمسة مصابين، وكهرباء مقطوعة عمدًا لمحاصرة الدم الذي تحوّل إلى بحيرة.
عُرفت الواقعة إعلاميًا بـ"مذبحة العزاء"، وألهمت لاحقًا أحداث فيلم الجزيرة. ومنذ تلك اللحظة، تغيّرت قواعد اللعبة؛ لم تعد هناك خطوط حمراء في عُرف الثأر، لا نساء ولا أطفال ولا حتى حُرمة جنازة.
مذابح من ذاكرة الصعيد
لم تكن مذبحة سرادق العزاء إلا واحدة من سلسلة مذابح دموية هزت الصعيد، ودفعت الدولة والمجتمع إلى إعادة التفكير في كيفية كسر دوائر الثأر المتكررة. ففي عام 2008، وقعت مذبحة بيت علام بمحافظة سوهاج بين عائلتي بيت عبدالحليم والحناشات، بعد فشل القصاص القانوني. وعلى مدار شهور، تصاعد التوتر حتى اجتاحت الدماء المنطقة في أغسطس من العام نفسه، وأسفرت المذبحة عن مقتل 22 شخصًا وإصابة 3 آخرين.
لاحقًا، حكمت المحكمة بإعدام 6 من المتهمين داخل سجن قنا، وحُكم بالمؤبد على 6 آخرين، بينما توفي اثنان داخل السجن، وأُسقطت التهم عن ثلاثة، وأُدين أربعة آخرون بالأشغال الشاقة المؤبدة.
وفي عام 2015، استيقظ مركز فرشوط بمحافظة قنا على فاجعة عُرفت إعلاميًا بـ"مذبحة السحالوة والمخالفة"، راح ضحيتها 17 شخصًا، بينهم أطفال. تحوّل النزاع إلى معركة كرّ وفر، وتوقفت الحياة تمامًا في مركز يضم أكثر من 250 ألف نسمة، موزعين على 7 قرى و25 نجعًا وعزبة. أغلقت المحال، وتوقفت الأسواق، وأعلن الحداد غير الرسمي.

وفي عام 2017، تجددت الدماء في قرية كوم هتيم بأبوتشت شمال قنا، في مذبحة دموية بين قبيلتي العرب والهوارة، وهما من أكبر قبائل الصعيد. الجديد أن الضحايا لم يكونوا رجالًا فقط؛ فقد سقطت سيدات في المعركة، ما شكّل صدمة في مجتمع اعتاد إقصاء النساء عن هذه المعارك، حتى من مقاعد الضحايا.
هنا كان لا بد من تدخّل، وهنا.. بدأت النساء في رسم المشهد من جديد.
اقرأ أيضًا:عاملة موسمية.. ورود تذبُل على نصبة شاي أمام محطة مترو
نساء يبدأن صفحة جديدة
في ذروة الغضب، اختارت أماني أبو سحلي، التي فقدت ابنها في خصومة ثأرية، أن تعفو عن القاتل، رغم رفض عائلتها. خطوتها الشجاعة دفعت بمبادرات عديدة إلى النور، مثل "صعيد بلا ثأر" و"التسامح والعفو"، وحملت النساء على أكتافها مسؤولية كسر السلسلة.
تقول صفاء عسران مؤسسة مبادرة "صعيد بلا ثأر" لـ فكّر تاني: "النزيف لم يعد يُحتمل، قتلى ومصابون، محكومون جنائيًا، وأرامل، ومطلقات، وأيتام... خراب على البلاد والعباد. لا استثمار ولا تنمية، لا أمان ولا حياة".

وفي السياق نفسه، كانت وزيرة التضامن الاجتماعي الدكتورة نيفين القباج، قد أكدت خلال كلمتها بمؤتمر إطلاق مبادرة "درع التسامح" في أسوان عام 2023، أن الثأر لم يعد مقتصرًا على الرصاص والسلاح الأبيض، بل دخل حيز الجريمة الإلكترونية، حيث تُشعل منشورات الفيسبوك وصور مفبركة وشائعات العائلات، نيرانًا جديدة في مجتمع مشتعل أصلًا.
وأوضحت أن أغلب نزاعات الثأر المعاصرة لا تتعلق بالشرف فقط، بل تشمل خلافات على المناصب أو الأراضي أو حتى "لعب الأطفال"، وأن السلم الاجتماعي صار هشًا تحت ضغط الكراهية المتوارثة والمغذاة رقميًا.
مبادرات مشروطة ومشاهد زائفة
في سياق آخر، يشير الباحث الاجتماعي عاطف محمد إلى أن عددًا كبيرًا من المبادرات التي أطلقت في ملف الثأر ليست سوى حملات دعائية تفتقر للمصداقية، هدفها الترويج الإعلامي أو كسب شعبية سياسية، أملًا في مقعد برلماني أو ظهور بارز في المشهد المحلي.
ويضيف الباحث الإجتماعي في حديثه مع فكّر تاني، أن القليل فقط من هذه المبادرات أحدث أثرًا حقيقيًا، مستشهدًا بفترة تولي اللواء عبدالحليم الهجان منصب محافظ قنا، حين وصلت نسب المصالحات إلى أكثر من 100 حالة. ومع انتشار جائحة كورونا، تراجعت تلك المبادرات، لكن الدم لم يتوقف عن النزيف، بل عادت أسواق السلاح إلى الواجهة، كما حدث في واقعة كوم هتيم، التي قُدرت فيها صفقات السلاح بملايين الجنيهات.
ومن جانبه، يرى الدكتور علي الدين القصبي أستاذ علم الاجتماع بجامعة جنوب الوادي، أن الجهود الشعبية -حين تكون صادقة- يمكنها أن تُحدث فرقًا حقيقيًا، عبر الاستثمار في رأس المال البشري. فالتنمية المستدامة لا تُبنى فقط على مشروعات الطرق والكباري، بل على تأسيس وعي مجتمعي قادر على كسر دائرة الدم، خاصة حين يتعلق الأمر بملف شديد الحساسية كالثأر.
اقرأ أيضًا:لماذا انحسر الظل النسائي على أسوار "الشيوخ"؟
طبيب تحت تهديد السلاح
يروي الدكتور صابر محمد طبيب في أحد مستشفيات مركز نقادة، لـ فكّر تاني، كيف تحوّلت غرفة العمليات ذات يوم إلى ساحة مواجهة. بعد دخول مريض مصاب بطلق ناري، فوجئ الفريق الطبي بمجموعة مسلحة تُهددهم داخل غرفة العمليات، مطالبين بإجراء الجراحة فورًا ثم تسليم المصاب لهم حيًا. أجريت العملية وسط فوهات البنادق، وتمكنوا من خطف المصاب بعد الإفاقة، إلا أن الشرطة كانت في انتظارهم عند البوابة. أُلقي القبض على البعض، بينما فرّ آخرون، ومنذ ذلك الحين تقدم بعض العاملين بطلبات للتقاعد المبكر أو الانتقال إلى مستشفيات أخرى، خوفًا من انتقام محتمل.

وفي مواجهة موجات الدم، يبرز صوت الدين في محاولة أخيرة لكبح جماح العنف. يقول الشيخ محمد عبدالمعطي، عضو لجنة المصالحات لـ فكّر تاني: "لعب الأزهر الشريف دورًا حاسمًا في بعض المصالحات الكبرى، خصوصًا بقرية كوم هتيم، حيث دُفعت الدية وأُبرمت اتفاقيات صلح رسمية بعد تدخل رجال الدين".
ويشير إلى أن بعض العائلات تقبل العفو رغم صدور حكم بالإدانة، في محاولة لوقف دائرة الانتقام. إلا أن الخطر لا ينتهي دومًا؛ ففي إحدى الوقائع، قُتل أحد الخارجين من السجن بعد قضاء محكوميته، خلال عودته إلى قريته، برفقة نساء عائلته.
هنا ظهرت إشكالية جديدة: دية المرأة. ففي كثير من المصالحات، طُرحت فكرة دفع دية للنساء، بعد أن دخلن -عنوة- إلى دائرة الثأر ضحايا لا فاعلات.

لذا فإن الدولة، وحدها، دون وسطاء مصالح وهميين أو مبادرات فردية ذات نفع سياسي، هي القادرة على إدارة هذا الملف الحساس، بقيادة مدنية لا أمنية، وبدعم من مؤسسات التعليم والدين والقانون والمجتمع المدني، فحين تتحوّل المبادرات إلى منصات انتخابية أو أبواب خلفية لكسب النفوذ، يُغلق باب العفو، وتُفتح أبواب الدم.
الصور مُولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي