تسليح المساعدات.. سؤال عن مؤسسة غزة “الإنسانية”؟

في خضم أزمة إنسانية خانقة يمر بها قطاع غزة، أثارت مبادرة “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، عاصفة من الانتقادات، بعد اتهامات بتقويض مبادئ العمل الإنساني وتحويل المساعدات إلى أداة تخدم أجندات عسكرية.

بعد انطلاق عملياتها عقب حصارٍ إسرائيلي للمساعدات استمر 11 أسبوعًا، زعمت المؤسسة توزيع 52 مليون وجبة خلال خمسة أسابيع. لكن هذا الرقم لم يكن كافيًا لطمأنة المنظمات الدولية، إذ وقّعت أكثر من 170 منظمة غير حكومية بيانًا يطالب بحل المؤسسة، مشيرة إلى انتهاكها لمعايير الحياد والاستقلال والنزاهة.

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وصف النظام الجديد بأنه “غير آمن بطبيعته”، في إشارة إلى عمليات توزيع المساعدات التي تقتصر على أربعة مواقع، جميعها تحت السيطرة الإسرائيلية وتديرها شركات أمن أمريكية وقوات جيش الاحتلال.

هذه المواقع لا تشمل شمال القطاع المعزول خلف “ممر نتساريم” العسكري، مما يضطر السكان لعبور مناطق خطرة يوميًا للوصول إلى المساعدات. وتشير تقارير موثقة إلى استشهاد نحو 773 فلسطينيا وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين، وتوثيق 39 مفقودًا، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى وصف الممرات بأنها “مصائد موت”.

كذلك، تخشى وكالات الأمم المتحدة من استخدام هذه الآلية كوسيلة لفرض تهجير قسري من شمال غزة إلى جنوبها، حيث لا تغطي المساعدات سوى شريحة محدودة من السكان. وقد تفاقمت هذه المخاوف بعد نشر صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية شهادات لجنود يؤكدون استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين في محيط مراكز التوزيع، وهو ما فتح الباب لتحقيقات عسكرية داخلية.

ورغم التنديد الدولي، صادقت الولايات المتحدة على تمويل جديد للمؤسسة بقيمة 30 مليون دولار، بالتوازي مع جهود دبلوماسية تقودها واشنطن للتوصل إلى هدنة. وفيما أعلنت حركة حماس أنها تدرس مقترحات جديدة لوقف إطلاق النار، زعم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب أن إسرائيل وافقت على هدنة مدتها 60 يومًا، وسط مناخ إقليمي ودولي يتسم بانعدام الثقة وتشظي المواقف.

لكن يبقى السؤال الجوهري: هل تمثل مؤسسة غزة الإنسانية استجابة فعلية لاحتياجات السكان، أم أداة لتكريس السيطرة العسكرية من خلال غطاء إنساني؟

هذا السؤال حاول المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) الإجابة عليه باستقراء تحليلي شارك فيه عدد من الباحثين والخبراء المعنيين بملف الشرق الأوسط، سلطوا فيه الضوء على السياق السياسي والأمني للمبادرة، وأبعادها الجيوسياسية، ومدى توافقها مع القانون الدولي الإنساني.

تلاعب سياسي ومؤشر خطير على المجاعة

يرى ماتيو فيلا، الزميل الباحث الأول والرئيس المشارك لمختبر البيانات في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، أن نمط إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة يكشف عن تلاعب سياسي منهجي، وليس استجابة للاحتياجات الفعلية على الأرض.

ماتيو فيلا
ماتيو فيلا

ويؤكد أن ادعاءات إسرائيل بإدارة المساعدات بفاعلية تتناقض مع تقييمات المراقبين الدوليين التي تصنف الوضع في القطاع كأزمة إنسانية متفاقمة.

ويشير فيلا إلى أن تدفق المساعدات شهد تذبذبًا حادًا يتماشى مع الأجندات السياسية أكثر من المتطلبات الإنسانية. ففي الأشهر الأولى من الصراع، أدت الكميات الشحيحة من الغذاء إلى إصدار الأمم المتحدة أول تحذير من المجاعة.

ورغم أن إسرائيل عمدت لاحقًا إلى زيادة مؤقتة في الإمدادات، إلا أنها سرعان ما تراجعت مجددًا، مما استدعى تحذيرًا ثانيًا في أواخر عام 2024.

وحتى الزيادة التي تزامنت مع وقف إطلاق النار كانت مؤقتة وذات دوافع سياسية، لتتدهور الأوضاع مجددًا مع استئناف القتال في مارس.

ويوضح أن المشهد الحالي هو الأكثر خطورة، حيث أصبحت المساعدات محدودة للغاية وتخضع لإدارة “مؤسسة غزة الإنسانية” الأمريكية تحت إشراف إسرائيلي مباشر، بدلًا من الآليات الأممية.

ونتيجة لهذا التحول، خلص فيلا إلى أن خطر المجاعة قد عاد إلى “مستوى حرج”، وأن تحذيرات الأمم المتحدة مبررة بالكامل. وهو يشدد على أن الزيادات المؤقتة في المساعدات هي وحدها ما حال دون وقوع كارثة غذائية شاملة، محذرًا من أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور ما لم تسمح إسرائيل بزيادة جوهرية ومستدامة في حجم الإمدادات.

“مؤسسة غزة الإنسانية” واجهة لـ “عسكرة الإغاثة”

يطرح محمد السوسي، الزميل الأول في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بالدوحة، تساؤلات جوهرية حول شرعية “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، معتبرًا أنها ليست أكثر من واجهة لـ”فضاء أمني” (Securitised Space) يديره عسكريون سابقون، وليس عملية إنسانية حقيقية.

محمد السوسي
محمد السوسي

يبني السوسي تحليله على حصيلة الضحايا المروعة، في محيط مواقع توزيع المساعدات التابعة للمؤسسة، وهي المواقع التي وصفها مسؤولو الأمم المتحدة بـ”مصائد للموت”.
ويتساءل السوسي: كيف يمكن لمؤسسة تدّعي خدمة المدنيين الجائعين أن تبرر استمرار عملها على مرأى من هذا العنف الممنهج؟

ويشير السوسي إلى أن مشاهدة الجنود الإسرائيليين وهم يقتلون الفلسطينيين عند نقاط التوزيع لا يقوض المعايير الإنسانية فحسب، بل يعمل على “تطبيع” هذه الأفعال.

ويزيد من شكه في طبيعة العملية كون القائمين عليها هم ضباط عسكريون ومسؤولو استخبارات سابقون من الولايات المتحدة وأوروبا، مما يعزز فرضية أنها عملية “أمنية” وليست “إنسانية”.

ويخلص السوسي إلى أن هذا النهج “غير مبرر على الإطلاق ويجب أن يتوقف”، معتبرًا إياه دليلًا صارخًا على فشل النظام الإنساني الدولي في التعامل مع أزمة غزة، وأن “مؤسسة غزة الإنسانية” لم تفعل سوى “تعميق الضرر داخل إطار محطم بالفعل”.

لنفككها ونُفعل القانون الدولي

من منظور قانوني وحقوقي، تقدم زها حسن، من برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، قراءةً حادة تعتبر فيها أن “مؤسسة غزة الإنسانية” ليست آلية لتخفيف المعاناة، بل أداة سيطرة قاتلة. وتصفها بأنها أشبه بلعبة الأطفال “الضوء الأحمر، الضوء الأخضر”، كما يصفها جنود إسرائيليون، حيث يُطلق النار على الفلسطينيين الجائعين إذا وصلوا مبكرًا، أو إذا انتظروا طويلًا للحصول على حصصهم الضئيلة في المواقع الأربعة المخصصة لإطعام مليوني شخص.

زها حسن
زها حسن

وتربط زها هذه الممارسات بشكل مباشر بالالتزامات القانونية الدولية. وتذكّر بأن محكمة العدل الدولية كانت قد أمرت إسرائيل منذ أكثر من عام بزيادة المساعدات الإنسانية الفعالة على نطاق واسع، وأن قرار المحكمة بوجود “خطر إبادة جماعية محتمل” (Plausible Risk of Genocide) يفرض على الدول الثالثة الأطراف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية واجب التحرك الفوري لمنع وقوعها.

وتضيف حسن أن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، والذي خلص إلى عدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ووصف نظامه بـ”الفصل العنصري” (Apartheid)، يعزز ضرورة التحرك الدولي.

وتدعو إلى خطوات عملية تبدأ بـ”تفكيك مؤسسة غزة الإنسانية”، التي تعتبرها “ذراعًا للجيش الإسرائيلي”، وإرسال قوات حفظ سلام بتفويض أممي إلى فلسطين.

كما تحث أوروبا على وجه الخصوص على العمل مع المملكة العربية السعودية وأصحاب المصلحة الآخرين لعقد المؤتمر رفيع المستوى الذي تم تأجيله، بهدف تنسيق الجهود لإنهاء الاحتلال وتحقيق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

الوساطة الأمريكية والسياسات المربكة

يقدم خليل جهشان، المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن دي سي، تقييمًا نقديًا للنهج الأمريكي في الوساطة، معتبرًا أن إدارة ترامب تتبنى “تفاؤلًا مفرطًا” لا تدعمه الحقائق الموضوعية على الأرض.

خليل جهشان
خليل جهشان

ويشير إلى أن إصرار الرئيس ترامب الأخير على تحويل دفة السياسة الخارجية الأمريكية من المواجهة مع إيران نحو تحقيق وقف لإطلاق النار في غزة هو “تفكير رغبوي” (Wishful Thinking) يتجاهل تعقيدات الواقع.

ويحدد جهشان عدة عقبات رئيسية تجعل هذا التفاؤل في غير محله. أولًا، الانقسام السياسي والارتباك العسكري داخل إسرائيل بشأن حربها في غزة، وفشلها المستمر في إنجاز مهمتها في القطاع، يجعلها غير مهيأة للدخول في صفقة سياسية إقليمية معقدة.

ثانيًا، يرى أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لا تزال غير قادرة على التوقيع على “مقترح ويتكوف”، الذي يصفه بأنه “اتفاق انتحاري” ينهي قدراتها العسكرية والإدارية.

ثالثًا، يؤكد جهشان على أن الطرف الأكثر انخراطًا في الوساطة، وهو حكومة قطر، يصر على أن المحادثات لم تحرز أي تقدم يذكر.

ويعزو جزءًا كبيرًا من هذا الجمود إلى السياسة الأمريكية التي تفتقر إلى الوضوح والتصميم اللازمين لفرض اتفاق. ويخلص إلى أن “الغموض الاستراتيجي والمراوغة المستمرة” من جانب واشنطن ينتجان سياسة “مربكة ومحيرة” تحبط الحلفاء والخصوم على حد سواء، في منطقة تتطلب وساطة أكثر استقرارًا وحزمًا لحل نزاعاتها المستعصية.

حوار بلا ضغوط يعمق الأزمة في غزة

يسلط مارتن كونيكني، مدير منظمة “يوميب” (EuMEP)، الضوء على حالة الشلل التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن انقساماته الداخلية حول كيفية التعامل مع إسرائيل تقوض أي استجابة فعالة، على الرغم من أن مراجعة رسمية للاتحاد خلصت إلى انتهاك إسرائيل لبند حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة الموقعة بين الطرفين.

مارتن كونيكني
مارتن كونيكني

ويوضح كونيكني أن هذا الانقسام يتجلى في موقفين متعارضين: فبينما تطالب دول مثل إسبانيا وأيرلندا بتعليق الاتفاقية كإجراء ضاغط، تعارض دول وازنة مثل ألمانيا وإيطاليا هذه الخطوة، وتصر على أن الحوار هو السبيل الوحيد لضمان تدفق المساعدات الإنسانية.

ويرى كونيكني أن هذه الحجة واهية، حيث إن سياسة “الحوار بلا ضغوط” التي اتبعها الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل على مدى عام ونصف “لم تسفر عن أي نتائج مجدية”.

ويجادل بأن إسرائيل، في غياب أي “تهديد ذي مصداقية” (Credible Threat)، لن تولي أي اهتمام للنداءات الأوروبية.
ويشير إلى أن آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي تزيد الأمر تعقيدًا، حيث يتطلب تعليق الجزء التجاري من الاتفاقية “أغلبية مؤهلة” (Qualified Majority)، وهو ما يعني أن معارضة ألمانيا أو إيطاليا وحدها كفيلة بإفشال أي تحرك جاد.

ويختتم كونيكني تحليله بسؤال نقدي حول عتبة التحرك الأوروبي، متسائلًا: “إلى أي مدى يجب أن يزداد الوضع سوءًا في غزة والضفة الغربية قبل أن توافق هذه الحكومات على تجاوز سياسة الحوار الفاشلة؟”، في إشارة إلى أن استمرار الوضع الراهن هو نتيجة مباشرة لغياب الإرادة السياسية الأوروبية لفرض ضغوط حقيقية.

بين ضرورات الأمن وحماية المدنيين

تقدم تامي كانر، الزميلة الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بتل أبيب، منظورًا مختلفًا يفسر دور الجيش الإسرائيلي في عمليات توزيع المساعدات.

تامي كانر
تامي كانر

وتشير إلى أن معظم الإسرائيليين استقبلوا شهادات الجنود التي نشرتها صحيفة “هآرتس” بتشكك، انطلاقًا من تجربتهم المباشرة مع “قيم الجيش الإسرائيلي” خلال خدمتهم العسكرية الإلزامية.

وتؤكد كانر أن الهدف من انتشار قوات الجيش الإسرائيلي بالقرب من طرق المساعدات هو ثلاثي الأبعاد: حماية المدنيين الغزيين، حماية موظفي “مؤسسة غزة الإنسانية”، وحماية القوات الإسرائيلية نفسها من تهديدات حركة حماس، التي تسببت بالفعل في وقوع ضحايا بين عمال الإغاثة والمدنيين.

وتجادل بأنه حتى وفقًا للشهادات الواردة في المقال، فإن الحوادث وقعت في سياق جهود “الحفاظ على النظام” و”الاستجابة لتهديدات محتملة”.

وتفرق كانر بشكل حاسم بين السياسة الرسمية والحوادث الفردية. فبينما تحظر توجيهات الجيش الإسرائيلي بشكل صارم إيذاء المدنيين عمدًا، فإن تعقيدات البيئة العملياتية في غزة، حيث تتمركز حماس داخل المناطق المدنية وتستغل المواقع الإنسانية، تخلق بيئة من “الخوف والاحتكاك” تؤدي أحيانًا إلى نتائج مأساوية.

وترى أن هذه الحوادث لا تعكس سياسة رسمية، بل هي “حالات إطلاق نار متهور وتدنٍ في عتبة استخدام القوة”، وهي أنماط سلوكية يجب تغييرها.

وتختتم بالإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي تعهد بالتحقيق في أي سوء سلوك وتطبيق القانون، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتدعو إلى ضرورة تكييف الجيش لسلوكه وتجنب استخدام النيران الكثيفة كوسيلة افتراضية للسيطرة على الحشود، مع تشديد بروتوكولات الاشتباك لحماية أرواح الأبرياء، مشيرةً إلى أنه تم بالفعل اتخاذ خطوات عملية مثل تعديل المسارات وتحسين الحواجز ونقل أحد مراكز التوزيع الرئيسية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة