قبل انتخابات "الشيوخ".. ماذا يعرف المصريون عن الغرفة الثانية لبرلمانهم؟

"مجلس الشيوخ ده في الأزهر؟"، "قصدك برنامج شيخ الحارة؟".. لم تكن هذه مجرد استفسارات عابرة، وإنما عينة من ردود جادة تكشف عن فجوة معرفية عميقة لدى شريحة من المواطنين حول الغرفة الثانية للبرلمان المصري. فالبعض يجهل اسم المجلس، وآخرون لا يعلمون هوية ممثليهم فيه، بينما لا تستشعر الغالبية أي دور ملموس له أو إنجاز يُذكر على مدار السنوات الخمس الماضية من عمره.

أما على نقيض هذا الغياب شبه التام في الوعي الشعبي، فإن صراعًا حاد يدور في الأروقة السياسية حول جدوى المجلس ومستقبله. ففيما تعبر قيادات بأحزاب المعارضة، لا سيما في "الحركة المدنية"، عن استياء بالغ من أدائه وتطالب بإلغائه، يرى تيار آخر من المعارضة المشاركة في انتخابات الشيوخ فرصة لتغيير صورته من الداخل. وفي المقابل، تقدم الحكومة رواية مغايرة عن الجميع، مصدرةً كشف حساب يبرز ما تصفه بـ "إنجازات تشريعية لافتة" ساهم فيها هذا المجلس الذي لا يزال يحبو في الحياة النيابية المصرية.

مجلس الشيوخ
مجلس الشيوخ

الشيوخ.. تورتة حكومية وزائدة تشريعية

زهدي الشامي
زهدي الشامي

تتركز الانتقادات الموجهة لمجلس الشيوخ من قبل قوى المعارضة على محورين رئيسيين: انعدام الشرعية السياسية والجدوى التشريعية من جهة، واعتباره عبئًا ماليًا على الدولة من جهة أخرى.

يصف زهدي الشامي رئيس مجلس أمناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الشيوخ بأنه "تورتة حكومية" وانتخاباته "تقسيمة" بعيدة عن الإرادة الشعبية، منتقدًا آلية تشكيله التي تعتمد على تعيين رئيس الجمهورية لثلث أعضائه، واختيار ثلث آخر عبر "القائمة المطلقة الباطلة"، حسب وصفه.

إلهام عيداروس
إلهام عيداروس

ويرى الشامي، في تصرحاته لـ فكر تاني، أن المجلس في صورته الحالية ليس أكثر من "زائدة تشريعية" لا دور حقيقي لها، على عكس مجالس الشيوخ في الديمقراطيات الراسخة، وهو ما دفعه وحزبه إلى المطالبة بإلغائه.

وتتفق إلهام عيداروس، وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية، مع هذا الطرح.

وتضيف أن المجلس بشكله الحالي تحول إلى أداة لـ "توزيع المكافآت على من فاتهم مجلس النواب"، ليفقد فلسفة وجوده كغرفة برلمانية ثانية تهدف إلى تعويض أي نقص في التمثيل الجغرافي أو الفئوي.

حسن البربري
حسن البربري

وبينما يُعرّف القيادي العمالي حسن بربري دور المجلس بأنه استشاري بحت وغير مُلزم، يشدد على أن طبيعة هذا الدور في الحالة المصرية تجعل هذا المجلس مجرد "ديكور سياسي"، خاصةً وأن أغلب أعضائه لا يمكنهم، بحكم آلية اختيارهم، أن يكونوا صوتًا معارضًا أو مستقلًا.

كريمة الحفناوي
كريمة الحفناوي

ومضيفةً بُعدًا اقتصاديًا وتاريخيًا لهذا النقد، تقول الدكتورة كريمة الحفناوي القيادية بالحزب الاشتراكي المصري، إن المجلس بآلية الراهنة يُمثل "هدرًا للمال العام"، سواء على مستوى المال الذي يُنفق على حملات الترشح للانتخابات، أو ما تنفقه الدولة في يوم الانتخابات نفسه كلوجستيات وإداريات.

وتُذكّر القيادية بالحزب الاشتراكي المصري، في حديثها لـ فكر تاني، بأن لجنة الخمسين، وهي الهيئة التي صاغت دستور 2014، قد ألغت مجلس الشورى (الاسم السابق للشيوخ) للأسباب ذاتها، مؤكدةً أن الأموال التي تُنفق على المجلس من انتخابات ومكافآت، يجب توجيهها لمشروعات إنتاجية، خاصةً وأننا في ظل أزمة اقتصادية حقيقيةً تمر بها البلاد.

"هذه فرصة.. فلنُعِد له مكانته"

من زاويتها، تقدم الحكومة المصرية والأطراف السياسية المشاركة في المجلس رواية مغايرةً تمامًا، ترتكز على حجم الإنجاز وتنظر إلى المجلس كمنصة يمكن من خلالها تحقيق تأثير سياسي.

المستشار محمود فوزي وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي (وكالات)
المستشار محمود فوزي وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي (وكالات)

وتؤكد الحكومة على لسان المستشار محمود فوزي، وزيرها للشؤون النيابية، بأن "الشيوخ" شهد "أداءً مكثفًا يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه"، عكسته الأرقام: 186 جلسة عامة بإجمالي 488 ساعة عمل، ومناقشة 40 مشروع قانون، و93 طلب مناقشة عامة، بالإضافة إلى تقديم 919 اقتراحًا برغبة، مشددةً على أن هذه الشراكة الناجحة بينها وبين المجلس ساهمت في تحقيق إنجازات تشريعية تخدم المصلحة العليا للدولة.

محمد طه عليوة
محمد طه عليوة

كذلك، يرى تيار داخل المعارضة أن المشاركة في المجلس، رغم محدوديتها، تمثل فرصة لا ينبغي إهدارها.

يقول الدكتور محمد طه عليوة عضو مجلس الشيوخ عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والذي أعلن ترشحه للدورة الجديدة، في تصريحاته لـ فكر تاني، إن الهدف من هذه المشاركة هو العمل على "إعادة مكانة مجلس الشيوخ مثل باقي مجالس الشيوخ في العالم"، ليصبح فاعلًا ومؤثرًا في الحياة السياسية.

أحمد ياسين
أحمد ياسين

ويتفق معه أحمد ياسين مرشح حزب العدل، الذي يعتبر المجلس بمثابة "مطبخ سياسي لمجلس النواب".

يقول ياسين إن عضويته في المجلس تمنحه منصة للتركيز على ملفات خدمية ملحة في دائرته بأسوان، وعلى رأسها ملفا الصحة والصرف الصحي، بالإضافة إلى التصدي لمشكلات مجتمعية خطيرة مثل انتشار المخدرات، مما يحول المجلس من كيان سياسي نظري إلى أداة لخدمة المواطنين بشكل مباشر.

📌 انتخابات مجلس الشيوخ 2025 في أرقام:

  • تكوين المجلس: 300 عضو.
  • مقاعد بالانتخاب: 200 مقعد (ثلثا الأعضاء).
  • 100 مقعد بالنظام الفردي.
  • 100 مقعد بنظام القوائم المغلقة.
  • مقاعد بالتعيين: 100 عضو يعينهم رئيس الجمهورية.
  • كوتا المرأة: 10% على الأقل من إجمالي المقاعد (30 مقعدًا).
  • مدة العضوية: 5 سنوات.
  • أبرز شروط الترشح: مؤهل جامعي، تأمين 30 ألف جنيه، شهادة الخدمة العسكرية.

وهل بعد الشارع في الديمقراطيات حديث؟

بعيدًا عن هذا السجال الدائر في الأروقة السياسية، تقدم شهادات ميدانية من محافظات مختلفة رواية واقعية عن الفجوة العميقة بين مجلس الشيوخ والمواطن، تؤكد أن الجدل حول صلاحياته وإنجازاته لم ينجح بعد في الوصول إلى الشارع.

ففي محافظة الجيزة، يلخص صاحب ورشة حرفية الانطباع السائد في حديثه لـ فكر تاني بقوله: "المجلس ده أساسًا ملوش دور في الشارع.. هو سكرتير لمجلس النواب مش أكتر". وفي دائرة أخميم بسوهاج، يقول مزارع في العقد الخامس من عمره إن عضو الشيوخ الحالي "محدش بيشوفه أصلًا، وناس كتير من الدايرة ما تعرفهوش".

ويتكرر المشهد في قنا، حيث يؤكد سائق مركبة أجرة أنه "ما يعرفش" النائب الذي يمثله، مضيفًا أن النواب بشكل عام "ما بيعملوش حاجة غير الموافقة على قرارات وقوانين الحكومة".

ولا يقتصر الأمر على الجهل بهوية الممثلين، بل يمتد إلى غياب أي دور محسوس لهم. فمن أسوان، تتساءل موظفة بجهة خدمية: "هو حد سمع عن نائب حتى في مشكلة المخدرات اللي مغرقة أسوان؟". وفي بنها بالقليوبية، يؤكد مدرس بإحدى المدارس الحكومية أنه رغم معرفته الشخصية بالنائب، فإن "أي أحد من الدائرة لن يعرفه، بسبب عدم ظهوره منذ انتخابات 2020".

وهكذا يبدو أن مجلس الشيوخ المصري يواجه أزمة وجودية تتجاوز النقاشات الدستورية والسياسية. فبينما يدافع مؤيدوه عن "إنجازاته" وتهاجمه المعارضة باعتباره "عبئًا"، يظل الحكم الأكثر دلالة هو ذلك الصادر من الرأي العام الذي لا يزال، في معظمه، لا يرى للمجلس أثرًا ولا يشعر بوجوده. وتبقى الإجابة عن سؤال الجدوى معلقة، ليس فقط على أداء المجلس القادم، بل على قدرته على بناء جسور ثقة حقيقية مع مواطنين يبدون حتى اللحظة خارج نطاق اهتمامه كما هو خارج نطاق اهتماماتهم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة