الدلق في معاجم العربية ليس مرادفه السكب، فهذا قد يكون متقطِّعًا، أو لبضع قطرات فحسب، لكنه يعني الصب دفعةً واحدة، الأمر الذي لا يُحيلنا إلى الصب وهو المتيَّم الذي تفضحه عيونه، وإنما إلى “الصب في مصلحة المواطن”، الذي يكرره الحاكمون بأمرهم، وراء بعضه بعضًا، وآخره رفع أسعار الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع حرارة شهري يوليو وأغسطس، حتى يُشوى المواطن على صهد الطقس، وفواتير الكهرباء معًا.
بذلك يغدو المعنى الذي يعرفه المصريون، أقرب إلى الوعيد القرآني، بصب العذاب صبًا على الأخسرين أعمالًا، أولئك الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا.
ويقال في اللهجة المحكية: “الشاي اندلق” مثلًا، ما يعني أنه صُبَّ على الأرض أو الأريكة ونحوهما، كلهُ لا بعض شيءٍ منه، و”دلدَّق الكلام”، أي أفشى أسرارًا ما كان ينبغي الجهر بها، ونقول في الصحافة، إن هذا المصدر إذا تحدَّث “اندلق”، فلم يخفِ شيئًا، أو يوارِ سرًا، وهو بذلك “دالق”، على وزن فاعل، والمفعول “مدلوق”.
أما بعد، فمناسبة هذه المقدمة اللغوية أو “المعجمية”، أن الفقير إلى الله قدح زناد قريحته، بحثًا عن مفردة تعبِّر عن واقع الحال، بعد تصريحات القيادي الإخواني المنشق؛ مختار نوح بأن عناصر الجماعة المحظورة، هم المتسببون في حوادث الطرق المروعة التي وقعت مؤخرًا، وعلى رأسها حادثة الطريق الإقليمي لمحافظة المنوفية.
نوح ذهب إلى أن “الإخوان رشَّوا الزيت على الطريق”، ولمَّا كان مصطلح الرش ليس دقيقًا لشرح واقع الحال، إذ لا يفيد الغمر، فقد ارتأيت تغييره بحكم عملي في “الديسك” إلى الدلق، مطمئنًا إلى صحة دلالات وفصاحة المفردة.
وحتى لو لم تكن فصيحة، فلا ضير في الأمر، أسوةً بما كان الراحل الكبير محمود السعدني يقول به، من أن المفردة الفصيحة هي التي يستوعب القارئ مغزاها، وكان رحمة الله عليه، يستخدم بناءً على ذلك، كلمات لا تنتمي للمعاجم من قريب أو بعيد، على غرار “سكلانس” ومعناها “كوكتيل” وكلتاهما غير فصيحة، ومرادفهما قد يكون “مزيجًا” أو “خليطًا”، وإن كانت المفردتان لا توحيان بالمقصود.
وبمنأى عن التباين بين الرش والصب، فقد ظهر الحق وزهق الباطل، إذ كشف نوح النقاب عن السر المكنون، فشبكة الطرق التي سددنا ثمنها من كسرة الخبز والدواء، عشرة على عشرة، ورجال شرطة المرور يؤدون واجباتهم على أكمل وجه، والسر وراء الحوداث المرورية، ليس تهالك تلك الطُرق التي “دلقنا مليارات” حتى نشقها، بل إن أولئك الإخوان الإرهابيين، يدلقون عليها الزيت، حتى تتزحلق السيارات أو “تتزفلط” حين تُفرمّلُ، فتقع الكوارث التي تشوِّه إنجازات الدولة.
والأرجح فوق ذلك، أن ذاك “الزيت الإخواني” زيت مستعمل، ابتاعه “الإرهابيون” بتمويل خارجي، بسعر 35 جنيهًا لليتر، بعد وصول متوسط سعر ليتر زيت الطعام إلى 80 جنيهًا، وكله “صب في المصلحة”، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الشمولية بيت الداء
كذلك تندلق المبررات اللزجة، لتؤكد المؤكد من وجود مرض مصري مزمن، تتبدى أخطر عوارضه في أن المسؤول منزّه مُطهَّر لا يخطئ، ولا تعرف خطواته الزلل، ولا تفوته حين يتخذ قرارته شاردةً أو واردةً، ومن ثم يرفض الاعتراف بالتقصير، ويتوخى دائمًا البحث عن شماعة، أو تحريًا للفصيح من الكلام؛ “مشجب” لتعليق سلبياته وأخطائه وكبائره عليه.
تلك بالقطع من آفات الحكم الفردي المتوارثة، التي ابتلينا بها ابتلاءً كبيرًا، وبُلينا بلاءً جسيمًا، فدائمًا ما يوجد “هو كويس”، ودائمًا هنالك “بس اللي حواليه وحشين”.
قبل نحو عامين، شكا وزير المواصلات كامل الوزير، أمام لجنة النقل بالبرلمان، من أنه لا يجد تعاونًا ولا سندًا منذ توليه حقيبته الوزارية: “أنا شغَّال لواحدي، ومش لاقي حد يساعدني”.

وعلى مدى العامين كانت تُدْلَقُ المبررات ذاتها، كلما أريقت دماء المصريين على الأسفلت، أو قضبان السكك الحديدية: “السائق ضارب سيجارة، مبلبع برشام، عامل التحويلة غلبه النعاس”.
واللافت أن ذلك ليس مما يستولد العجب، فكذلك كان الحال في مصر على الدوام: ابحث عن شماعة، وقل “والنبي ما أنا دي أختي منى”، فتخرج من الورطة، ويدك بيضاء من غير سوء تسر الناظرين، وما هي إلا أيام حتى ينسى الناس، إذ سرعان ما يُحشرون بين شقيِّ رحى طاحونة لقمة العيش، التي تُدوِّخهم تدويخًا، وتطحنهم طحنًا.
مشهد جديد قديم، لا تتغير سيناريوهاته الرتيبة، اللهم إلا في مواقف ظرفية محددة، منها ما دأب عليه المخلوع مبارك من إطلاق العنان للصحافة، للانقضاض على مسؤول من رجاله “غير المقربين”، فإذا به بعد “تسويته على الجانبين”، يقيله عقابًا على عثرة ما، فإذا به يبدو أمام الرأي العام ديمقراطيًا حكيمًا، يستجيب لآمال الجماهير العريضة، ويهرع إلى إماطة أذى المقصرين، وإلباسهم “البيجاما”، فإذا بالبوصلة الصحفية تنحرف عن نقد التقصير والخلل، إلى “اخترناه وبايعناه”.
مثلما يضحي لاعب الشطرنج المحنك بعسكري حتى يحمي الملك، كان مبارك يفعل، غير آبه بما أسداه عساكره له من خدمات مخلصة.
لكن ذلك كان، وكان فعل ماضٍ ناسخ، فلا مسؤول في الجمهورية الجديدة، يُقال من منصبه، لأن الناس غاضبون مستاءون من أدائه، ولا يحق لمواطن من السوقة والدهماء، وربما “الرعاع” أن ينازع السلطة صلاحياتها، أن تعز من تشاء وتذل من تشاء.
بعد الثلاثين من يونيو، كلما كانت مصيبة سوداء تقع على رؤوس البلاد والعباد، كانت فزاعة الإخوان تختزل المبررات التي “تُدلق” فورًا، فإن حدث نقص في العملات الأجنبية، فالقيادي الإخواني حسن مالك، يخبئ كميات كبيرة من البنكنوت في “نملية المطبخ”، وإذا ارتفعت أسعار الدواجن، فأهل الشر يتعمدون قتل الكتاكيت للإجهاز على الثروة الداجنة، وإذا غرقت محافظة ساحلية في مياه الأمطار، فالإخوان قبحههم الله سدوا البلاعات، غير أن الدولة اليقظة الأريبة، تقف لهؤلاء الخونة بالمرصاد، ولن تذر على الأرض منهم ديَّارا.
كانت “شماعة الإخوان” في البدايات، تحمل وتتحمل كل الخطايا الجسام، وكان يؤهلها لذلك رأي عام مستنفر ضد الجماعة، بعد سنة من حكمهم الذي لم يكن بأي حال رشيدًا، وشهد ارتفاعًا رهيبًا في مستويات الاستقطاب والشقاق بين الشعب والشعب.
وبمرور الوقت، ومع الإمعان والإفراط في تعليق كل فشل على تدبير وتآمر الجماعة، لم يعد الرأي العام يستسيغ هذا الكلام، خاصةً أن الإخوان ما بين سجين ومهاجر ومطارد أو “خلية نائمة”؛ صامت لا ينبس ببنت شفة، يناجي نفسه سرًا: “يا حيطة داريني”.
سقطت الشماعة على أرض الواقع الصلبة، وتحطمت قطعًا أو “فرافيت”، وليس ممكنًا تعليق ولو لِباس داخلي أي “بوكسر” عليها، بل إن استدعاءها أصبح يستولد موجات السخرية من الغاضبين إزاء سوء الأحوال، والسخرية دائمًا وأبدًا من وسائل المصريين للنقد السياسي.
انتهاء مرحلة
انقشعت النبرة تمامًا، فإذا بالأذرع الإعلامية، يكفون في برامج “قلة الأدب شو” عن “أخونة الإخفاقات”، تحت ضغط الازدراء المجتمعي الجمعي، وربما بمقتضى التعليمات التي يُلقَّنونها عبر رسائل الهواتف.
لكن هذا الواقع لم يثنِ القيادي الإخواني المنشق عن تصريحه، الذي يعد من المضحكات المبكيات، كالكثير من أمور مصر التي رصدها شاغل الدنيا ومالئ الناس؛ أبو الطيب المتنبي، منذ أكثر من ألف ومائة عام، في بيته ذائع الصيت: “وكم ذا بمصر من المضحكاتِ/ لكنه ضحكٌ كالبكاء”.
كيف عرف نوح بالسر الخطير رغم أنه انشق عن الإخوان منذ نحو ثلاثة عقود؟
هل ما زالت لديه علاقات تنظيمية بالجماعة ما سوَّغ له الوصول إلى بواطن الأمور؟
هل زرع جواسيس في قلب مكتب الإرشاد؟ وأين مكتب الإرشاد من الأصل؟
لا أجابة على أيٍّ من الأسئلة السابقة، ذلك أن التصريح في الأصل مجرد سيناريو خرافي، تخيله نوح فقذف به إلى صحفي، فإذا بالأخير يقذف به إلى أسنان المطابع، وصفحات المواقع الإلكترونية.

لا عاقل يصدق أن دلق الزيت على الطرق، يمكن أن يؤدي إلى وصول ضحايا الحوادث المرورية في مصر، إلى ما لا يقل عن 5500 ضحية سنويًا، ولا تفسير لتبرع نوح بتبرئة المسؤولين عن ارتفاع الحوادث، إلى درجة الدفع بأن ذلك من فعل تنظيم “دلق الزيت الإخواني”، إلا أنه يجترح محاولة بائسة ومثيرة للرثاء، لإعادة طرح بضاعة بارت في الأسواق، ومعها إعادة طرح نفسه، بعد انحسار الأضواء عنه، باعتباره من الوكلاء المعتمدين لتلك البضاعة.
ثلاثة عشرة عامًا انقضت، بغير إخوان في الحكم والمعارضة والبرلمان، أو حتى في العمل الخيري والدعوي، فأي إخوان أولئك يا هذا؟
يكره نوح الإخوان، وكذلك معظم المنشقين عنهم، وهم أحرار في ذلك، لكن الكراهية لا تسوِّغ للرجل الشريف أن يتبع هواه فيكون أمره فرطًا، كما يحذر النص القرآني من سورة الكهف.
ولما كنا قد بدأنا باللغة فلنختم بها، فمن كان أمره فرطًا، هو الذي يسرف في الشيء مقدمًا الشر على الخير، حتى يفقد بوصلة الحق، ويضيّع الطريق نحو الاستقامة، ولعله في سبيل ذلك، “يدلق كلامًا” مثل الزيت المستعمل الذي يبتاعه سائقو “الكارو” من قاطني الأزقة الضيقة، لإعادة تدويره ثم بيعه لهم “مُسرطِّنًا”.
