في سجل التاريخ المصري، تقف واقعة حبس الكاتب والمفكر والبرلماني عباس محمود العقاد بتهمة "العيب في الذات الملكية" كواحدة من أبرز مشاهد الصدام بين الكلمة والسلطة وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن ١٩٣٠، بتهمة العيب فى الذات الملكية.
انتقاد الحكومة
تلك التهمة التي وُلدت في كنف الحقبة الملكية تعود إلى الأذهان اليوم بثوب جديد، حين ارتفعت في أروقة مجلس النواب صيحة غاضبة من وزير الشؤون النيابية اعتراضًا على وصف أحد النواب للحكومة بأنها "نبت شيطاني"، فردّ الوزير قائلًا: "عيب أوي!".

هل يمكن أن تفاجئنا الحكومة المصرية، بتقديم مشروع قانون جديد تحت عنوان: "العيب في الذات الحكومية"، استلهامًا من قانون "العيب في الذات الملكية"، وكأنها قد أصبحت كيانًا مقدسًا لا يجوز المساس به، ولا حتى الإشارة إليه بسوء، ولو كان ذلك في قلب المؤسسة الرقابية الأولى: البرلمان.
يا وزارء الحكومة، ما أزعجكم لم يكن اللفظ في حد ذاته، بل أن يأتيكم النقد من داخل القبة البرلمانية، من نائب منتخب يمارس دوره الدستوري في الرقابة والتقييم. وربما لم تدركوا أن وصف "نبت شيطاني" – رغم قسوته – ينطوي ضمنًا على إقرار بوجود عقل مدبر وخطة، حتى وإن كانت شريرة.
لكن الواقع، ويا للأسف، لا يرتقي حتى إلى هذا التوصيف الرمزي. فالشيطان – على الأقل – يتصف بدهاء وقدرة على التخطيط. أما هذه الحكومة، فإنها تعاني من فقر حاد في الرؤية، وجهل بأبجديات السياسة، وعجز مزمن عن التعامل مع أدوات الحكم الرشيد.
الخوف من وصف لفظي
إن حكومةً ترتعد من وصفٍ لفظي، لكنها لا ترتعش أمام معاناة المواطن، ولا تنتفض أمام فساد أو خلل، هي حكومة لا تستحق حتى النقد الأدبي. حكومة تحتقر الأسئلة، وتخشاها أكثر من خشيتها للفشل. تتعامل مع النقد كإهانة، ومع الرقابة كجريمة، ومع الأوصاف كعدو يجب محاصرته.

الوصف الأدق لها إنها حكومة الجهل السياسي بامتياز، تتفنن في تفكيك الثقة الشعبية، وتهدر كل مقومات الكفاءة، وتحيل مؤسسات الدولة إلى ما يشبه الجزر المعزولة، في ظل غياب المسؤولية والإرادة.
وإذا كنتم تتوهمون أن التاريخ يُكتب بالبيانات الرسمية وتصفيق الأغلبية، فاعلموا أن ذاكرة الشعوب لا تخضع للمونتاج. فالتاريخ، لا تكتبه الحكومات، بل تحفره الشعوب في وجدانه.