"بالباقي لبان".. بانتشار الدفع الإلكتروني يودع المصريون "الفكّة"

في شوارع القاهرة المزدحمة، تتداخل أصوات الباعة مع ضجيج الميكروباصات، وتتكرر العبارة الشهيرة: "معاك فكة؟".. التي تبدو عابرة لكنها تكشف عن تحوّل اقتصادي واجتماعي عميق. 

"الفكّة" أو العملات المعدنية تتراجع يومًا بعد يوم، مقابل صعود الدفع الإلكتروني، ليبقى السؤال: هل نودّع الفكة قريبًا؟ وكيف يواجه المواطنون هذا التغير المفاجئ في تفاصيل حياتهم اليومية؟

في هذه الأزمة، يقف سائقو الميكروباص والباعة الجائلون، ومعهم فئات كثيرة من المواطنين البسطاء، يتعاملون كل يوم مع نقص الفكّة كواقع مفروض. فهل ينجح الدفع الرقمي في تعويض غيابها؟ أم يخلق هوة جديدة بين من يمتلك أدوات التكنولوجيا ومن لا يعرف طريقها؟

في حديثه لـ فكّر تاني، يوضح الخبير الاقتصادي دكتور عادل عامر مدير عام مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاستراتيجية في فرنسا، أن أزمة نقص العملات المعدنية "الفكة" لا ترتبط بندرة حقيقية في الإصدار، وإنما هي ظاهرة ذات أبعاد اقتصادية وسلوكية، تناولتها العديد من الأبحاث الميدانية.

جميع العملات المعدنية يتم إصدارها من خلال مصلحة سك العملة، بينما العملات الورقية من فئة خمس جنيهات فأعلى تصدر عن طريق البنك المركزي المصري. تقوم مصلحة سك العملة بتوزيع ما يقارب خمسة ملايين جنيهًا مصريًا من الفكة يوميًا عبر نقاط توزيع متعددة، تشمل مقار المصلحة الرسمية وبعض مواقف المواصلات والأماكن الحيوية داخل المدن.

ورغم هذا الانتشار، يرى عامر أن الأزمة تكمن في ممارسات بعض المتعاملين من تجار وسائقين، الذين يعمدون إلى إخفاء العملات المعدنية من التداول، لفرض واقع جديد يفضي إلى عدم إرجاع "الباقي" للمستهلك. ويصف ذلك بأنه تصرف مختلق يخدم مصالح فردية ويحمل المواطنين أعباء إضافية دون وجه حق.

"إخفاء الفكة لا يتسبب فقط في أزمات بسيطة يومية، بل يؤدي إلى تشويه هيكل التسعير، ويسهم بشكل غير مباشر في رفع معدلات التضخم. فكلما تآكلت العملات الأقل من خمس جنيهات، ليتحول الحد الأدنى للتعامل النقدي إلى خمس جنيهات، وهو ما يفقد العملات الأصغر قيمتها الحقيقية في السوق، تمامًا كما حدث سابقًا مع المليم، والخمسة قروش، والعشرة قروش التي اختفت تدريجيًا من التداول".

ويتابع الخبير الإقتصادي، لمواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعيًا شعبيًا بحقوق المستهلكين، إلى جانب رقابة فعالة من أجهزة الدولة لضبط التجاوزات واتخاذ إجراءات رادعة، تعيد للعملة احترامها وقيمتها في التعامل اليومي، موضحًا أن التحول الرقمي في الدولة ساهم في تغيير أنماط التعامل مع النقود.

"معظم ماكينات الصراف الآلي أصبحت لا تصرف إلا فئات تبدأ من خمسين جنيهًا، بعدما كانت تبدأ بخمسة جنيهات سابقًا، وهو ما يعكس تغيرًا تدريجيًا في القيمة الفعلية المتداولة". كما يشير عادل عامر، إلى مقترح سابق للدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار الأسبق، يقضي باعتبار العملات الصغيرة المتبقية في البنوك احتياطيًا نقديًا شهريًا، مما يقلل الحاجة إلى التمويل المباشر من البنك المركزي المصري.

ويؤكد عامر أن إجبار المواطن على أن فكرة "بالباقي لبان"، أي شراء سلع غير مطلوبة كما يحدث في بعض الصيدليات والسوبر ماركت هو عبء إضافي غير مبرر، يفقد المواطن جزءًا من حقه النقدي في كل معاملة.

اقرأ أيضًا: تعديلات الإيجار القديم.. على عينك وفين يوجعك يا تاجر

الدفع الرقمي

في جولة ميدانية لـ فكّر تاني، في موقَف المريوطية -الهرم بمحافظة الجيزة، التقينا بعدد من السائقين والركاب لرصد ملامح هذه الظاهرة على الأرض. 

" لا أتسلم الفكة من منافذ مصلحة سك العملة، لأنها ببساطة ليست متوفرة هنا، أخذ الفكة من سائق قديم في الموقف، لكن بشكل غير منتظم؛ فأوقات يكون معه وأحيانًا لا، نتصرف يوميًا حسب المتاح".. يقول أحمد عبد المقصود -سائق ميكروباص 22 عامًا.

ومن الناحية الأخرى يعبر، عمرو حسن -محاسب 32 عامًا، أحد الركاب المنتظمين في التردد على الموقف، عن استيائه من تكرار هذه الأزمة بقوله: "مللنا من قصة الفكّة والباقي، أنا بشكل شخصي لا أترك حقي، وعندما أطالب به، أحيانًا، يتهرب السائقين بحجة ‘استنى أفُك" أو "مفيش فكّة"، كأننا نحن الركاب مطالبين بحل تلك المشكلة: "في النهاية اضطر للضغط الشديد حتى أخذ بقية نقودي".

أما نهى -موظفة بإحدى الهيئات الحكومية 34 عامًا، تشير إلى أن المشكلة لا تتوقف عند المواصلات فقط: " وأنا بشتري من السوبر ماركت، غالبا بيقولي البائع "مفيش فكّة‘ ويستبدل بقية نقودي بقطع الحلوى الصغيرة أو اللبان"، تُكمل مبتسمة: "المشكلة رغم حبي للبان إلا أنني أريد ‘الفكة‘ حتى أستطيع دفعها في المواصلات، بصراحة الموضوع أصبح مزعج للغاية".

وفي إحدى الشوارع المتفرعة من المنطقة نفسها، التقينا بـخالد صابر -صاحب محل لبيع المنظفات، الذي وصف وجهة نظر الباعة لـ فكّر تاني، قائلًا: " أبيع بأسعار أقل من السوبرماركت؛ فطبيعي أن تكون فروق الجنيهات مهمة في الحساب. وإلا لن يشعر المشترى بفارق في السعر، أحاول أن يكون معي عملات معدنية في كثير من الأحيان، أحيانًا ‘بفك‘ من المحلات المجاورة، وأحيانًا أخرى أضطر للتنازل عن جنيه أو اثنين للمشتري، أو المشتري نفسه يتسامح في الباقي ما لم نسطع فك المبلغ. طبعًا الموضوع يتكرر يوميًا، فلا حل دائم لتلك المشكلة".

لا يوجد فكّة

في مفارقة، تُظهر بيانات البنك المركزي زيادة في حجم العملات المعدنية المصدرة خلال السنوات الأخيرة مقارنة بعام 2020. وحين يشتكي المواطنون من ندرة الفكة في الشارع، تشير الأرقام إلى أن الإنتاج لم يقل بل ارتفع. ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: أين تذهب العملات المعدنية؟ ولماذا لا تصل إلى أيدي المواطنين؟

وفي أطار متابعة فكّر تاني، لأزمة "الفكة" مقابل الإقبال على الدفع الإلكتروني، توجهنا إلى أحد فروع شركة "فودافون" في شارع فيصل بالجيزة، حيث التقينا بطارق -اسم مستعار، مدير الفرع، الذي أكد أن الإقبال على فتح المحافظ الإلكترونية يشهد تزايدًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة مقارنة بالسنوات السابقة.

 "نستقبل يوميًا عدد لا بأس به من العملاء الراغبين في فتح محافظ إلكترونية، والعدد اليومي أصبح أكبر بكثير من الفترات الماضية"، ويوضح أن الاعتماد على المحافظ الإلكترونية في تزايد ملحوظ، حتى وإن تفاوتت أنماط الاستخدام من شخص إلى آخر.

 "نحن لا نعتمد في الفروع على العملات المعدنية تقريبًا، لأن أغلب الخدمات تُسدد رقميًا من خلال المحافظ أو تطبيقات الدفع".

اقرأ أيضًا:اهبطوا منها إلى جحيم الأسعار.. المصريون مطرودون من جنة الفاكهة

الفكة تختفي..

تشير الأرقام الرسمية إلى قفزة ضخمة في عدد المحافظ الإلكترونية خلال عامين فقط، حيث ارتفع عددها من 21.6 مليون محفظة في الربع الثالث من 2022 إلى أكثر من 50 مليون محفظة بنهاية عام 2024، بزيادة تتجاوز 25% في عام واحد.

وبالحديث عن أثر انتشار وسائل الدفع الإلكتروني على الفئات الاجتماعية المختلفة، توضح الدكتورة هدى الملاح أستاذ الاقتصاد في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري ومدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى والتدريب، أن القضية لا ترتبط بطبقة اجتماعية بعينها، بقدر ما تتعلق بالأفراد وثقافتهم الرقمية.

الدكتورة هدى الملاح

وفي حديثها مع فكّر تاني، تقول الدكتورة هدى: "هناك أشخاص من مختلف المستويات التعليمية والاجتماعية ما يزالون غير قادرين على استخدام ماكينات الصرف الآلي حتى اليوم، ما يؤكد أن المسألة لا تقتصر على الطبقات الفقيرة فقط. وعلى الرغم من ذلك، فإن سكان المناطق الريفية قد يكونون من أكثر المتأثرين بسبب قلة احتكاكهم السابق بالتكنولوجيا، إلا أنهم يتعاملون مع الأمر علميًا، إذ يقوم كثيرون منهم بتسليم بطاقات المعاش أو الحسابات لأبنائهم أو أحفادهم لتولي عمليات السحب والمعاملات".

وترى هدى الملاح، أن التحول الرقمي هو توجه طبيعي لا يمكن إيقافه، لكنه يتطلب وعيًا وتدرجًا في الانتشار، وفيما يخص أزمة نقص العملات المعدنية، تشدد على ضرورة تمسك المواطنين بحقوقهم في استرداد المتبقي من نقودهم، مؤكدة أن أخذ "الباقي" عنوة تحت ذريعة عدم توافر "الفكّة" يعد استغلال غير مقبول، وينبغي مواجهته بالوعي والمطالبة الجادة بالحق، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية أو مكان الإقامة.

 

في ضوء ما رصدته فكّر تاني، من الشارع وما أكدته المصادر، يتضح أن أزمة العملات المعدنية "الفكّة" في مصر لم تعد مجرد مسألة بسيطة تتعلق ببضعة جنيهات مفقودة، بل باتت انعكاسًا لتحولات اقتصادية واجتماعية أعمق، تتقاطع فيها عوامل التضخم والتحول الرقمي والسلوك المجتمعي.

وبينما تواصل الدولة جهودها في تعزيز الشمول المالي وتوسيع استخدام أدوات الدفع الإلكتروني، تبقى الرقابة الفعالة والوعي الشعبي حجر الزاوية لضمان عدالة التعاملات اليومية، وصون حق المواطن مهما صغر في استرداد ما له دون تهاون أو استغلال.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة