يرى مراقبون/ات أن تصحيح النظرة الإعلامية والمجتمعية للمرأة المصرية في الانتخابات البرلمانية القادمة يمثل ضرورة ملحة، وأن الإعلام يتحمل اليوم مسؤولية كبرى في تغيير الصورة الذهنية السائدة حول المرأة المرشحة، ويلعب دورًا محوريًا في تعزيز حضورها السياسي أو في تثبيت صورتها النمطية وجعل مكتسباتها شكلية لا تتجسد في الواقع.
ويشير المراقبون/ات لـ فكّر تاني، إلى أن الصورة النمطية السلبية للمرشحات تظل من أكبر الإشكاليات التي تواجه المرأة المصرية في الانتخابات. فبينما تسعى النساء لإثبات جدارتهن، يركز الإعلام على تفاصيل حياتهن الشخصية ويتناول برامجهن الانتخابية بسطحية لا تعكس الكفاءة أو الخبرة، رغم تخصيص نسبة 25% من مقاعد مجلس النواب للمرأة بموجب التعديلات الدستورية لعام 2019. ومع ذلك، لا يتعامل الإعلام معهن بحياد كامل كما يتعامل مع باقي المرشحين، وهو ما تؤكده القراءات الإعلامية في المشهد الانتخابي الحالي.
المرأة في البرلمان بعد نضال ممتد
تخوض المرأة المصرية معركة سياسية طويلة امتدت لأكثر من مائة عام قبل أن تحصد أولى ثمارها عام 1957، بحسب تقرير الهيئة العامة للاستعلامات. في ذلك العام، وكانت راوية عطية وأمينة شكري أول نائبتين في البرلمان المصري، حيث بلغت نسبة تمثيل النساء وقتها 0.6% فقط. وخلال عام 1962، ارتفعت النسبة إلى 5%، وسجلت نوال عامر اسمها كأول وكيلة برلمانية من النساء في الستينيات.
وترصد دراسة أعدتها الدكتورة هويدا عدلي أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث عام 2017، استمرار الفجوة النوعية الكبيرة ضد النساء في مؤسسات الدولة كافة، باستثناء حالات قليلة، مع غياب تمثيل حقيقي داخل منظمات المجتمع المدني. تدعو الدراسة إلى ضرورة بناء رؤية شاملة لتأهيل القيادات النسائية وتجنيدهن في مواقع صنع القرار.
تشير الدراسة إلى أن كثافة مقاعد النساء داخل البرلمان بلغت ذروتها في أعوام 1979، 1984، 2010، 2015، بينما بقي الحضور النسائي هامشيًا في بقية السنوات، ولم يتجاوز 3.9%. وتؤكد الدراسة أن القضية ليست مجرد أرقام، بل تتطلب مشاركة نوعية فعالة، وهو ما يستلزم توفير بيئة سياسية مناسبة لإجراء انتخابات نزيهة، وضمان دعم النائبات خلال عملهن البرلماني.
اعتمدت مصر نظام الكوتة النسائية في برلمانات 1979 و1984 و2010. لكن التجارب الثلاث سقطت لأسباب مختلفة: أولها بسبب حكم بعدم الدستورية، والثاني بفعل قانون النسبية الذي حرم المستقلين من الترشح عبر قوائم نسبية، والثالث بسبب سقوط البرلمان بعد ثورة 25 يناير.

انفوجراف للمجلس القومي لحقوق المرأة – مواقع الكترونية
تمييز مركّب في المجال السياسي
يؤكد المفكر وأستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن لـ فكّر تاني، أن المرأة المصرية تواجه تمييزًا مضاعفًا، لا يأتي فقط من الرجال أو من السلطة، بل من النساء أنفسهن، موضحًا أن المجتمع المصري يرسخ عدم المساواة بين الجنسين بدرجة تفوق المجتمعات الأخرى، بسبب التقاليد والأعراف وتأثيرات دينية خاطئة إلى جانب ضعف ثقة النساء في أنفسهن.

ويشير إلى أن التجارب الناجحة للنساء في أوروبا تظل استثناءً بالمقارنة بالرجال، وفي مصر يغيب عن المجتمع الثقة في قدرة المرأة على ممارسة دور عام. مؤكدًا: “النساء المصريات لا يصوّتن للنساء سواء في الانتخابات البرلمانية أو في النقابات ومجالس الإدارات”، ويوضح أن المرأة لا تنجح عادة في المنافسة الفردية، وإنما تصل من خلال القوائم، متوقعًا أن تحصل المرأة على نسبة تمثيل أكبر في الانتخابات القادمة عبر هذه القوائم.
يلفت الدكتور عمار، إلى أن أزمة المرأة لا تقتصر على نظرة المجتمع، بل تعاني المرشحات أنفسهن من أزمة ثقة، ويؤكد أن تحيّز النساء للنساء قادر على إحداث تحول كبير في المجتمع إذا تحقق. مطالبًا بضرورة أن تثق النساء في قدراتهن، وأن يتجاوزن السرديات التي تتهم المرأة التي تسعى للعمل العام بأنها متمردة أو محل شك.
اقرأ أيضًا: كيف تُقدَّم المرأة في السباق الانتخابي؟
التغطية الإعلامية للمرشحات
يحمل مراقبون/ات الإعلام المصري مسؤولية استمرار الصورة النمطية السلبية عن النساء في الانتخابات، مؤكدين/ات في الوقت نفسه أن الإعلام يملك القدرة على تصحيح هذا المسار.
وتوضح سارة فوزي مدرسة بقسم الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة لـ فكّر تاني، أن المرأة المصرية “مظلومة” إعلاميًا لأن المساحات المخصصة لها لاستعراض برامجها الانتخابية تظل محدودة. وترى أن الأحزاب تتحمل جزءًا من المسؤولية لأنها لا تمنح النساء فرصًا حقيقية ضمن الكوتة، حيث تكتفي بترشيح ثلاثة أو أربعة أسماء في الحزب الواحد، بينما تخسر النساء أغلب المعارك في القوائم الفردية، ما يجعل فرصتهن في الظهور الإعلامي أضعف مقارنة بالرجال.

“المرشحات لا يتحدثن عن أنفسهن، ويظهرن دائمًا داخل عباءة الأحزاب، بينما يعتاد الحزب أن يتحدث عن نفسه وعن خطته العامة، وليس عن برامج منفردة لأي مرشحة قادمة”. وتؤكد أن المشهد السياسي في مصر يفتقد إلى وجود خطاب سياسي نسائي مستقل، فالخطاب يظل داخل حدود الحزب والجماعة، وخلال السنوات الماضية لا تظهر نائبات يطرحن مواقف مغايرة، بل يكررن حديثًا موحدًا يمثل هوية الحزب لا قضايا النساء.
وترى سارة فوزي أن النماذج النسائية القليلة التي تنشط داخل الأحزاب السياسية لا تحظى بتغطية إعلامية كافية، حتى عند تناول قضايا تخص النساء لا تتصدر هؤلاء النائبات المشهد. مؤكدة أن الإعلام في مصر لا يملك تأثيرًا مباشرًا على الحياة السياسية كما يحدث في الخارج، حيث تؤثر الحملات المباشرة والاجتماعات الميدانية على قرارات الناس أكثر من التغطية الإعلامية، فالشارع في مصر هو الذي يحرك الناس لا الشاشات.
الإعلام يهمّش المرشحات
تتفق الكاتبة والإعلامية هالة فوزي مع هذا الطرح، وتؤكد أن الإعلام يملك قدرة كبيرة على كسر الصورة النمطية عن المرأة المرشحة وتقديمها كمرشحة تساوي الرجل تمامًا، ما يشجع نساء أخريات على خوض التجربة السياسية.

وتوضح هالة لـ فكّر تاني، أن الإعلام لا يتعامل مع المرشحين والمرشحات بمساواة حقيقية، بل يركز دائمًا على التفاصيل الشخصية للمرشحة ويطرح باستمرار سؤالًا حول قدرتها على ممارسة دورها كنائبة في حال فوزها، بينما لا يوجّه الإعلام مثل هذه الأسئلة لأي مرشح رجل.
“الإعلام يتجاهل إجراء حوارات جادة مع المرشحات، ولا يمنح برامجهن الانتخابية مساحة كافية للعرض، وإذا ظهر نقد يكون غالبًا نقدًا غير بناء يركز على كونها امرأة، ويتحول النقد أحيانًا إلى سخرية من مظهرها أو طبيعة عملها أو حتى من برنامجها الانتخابي”، وتؤكد أن الإعلام يقدم طرحًا غير عادلًا، مطالبة بضرورة تقديم تغطية متوازنة تمنح المرأة والرجل نفس الفرصة.
اقرأ أيضًا: من “تمثيل النساء” إلى “تمثيل كل النساء”
فجوة في التغطية الإعلامية
من جانبها تؤكد منى عزت استشارية التمكين الاقتصادي والاجتماعي، أن الإعلام المصري يعاني من فجوة واضحة في تغطية قضايا النساء، وخاصة في المساحات التي تلعب فيها النساء أدوارًا فاعلة. وتوضح لـ فكّر تاني، أن كثير من الصحف لا تهتم بالاستعانة بالنساء كمصادر رئيسية في التحقيقات والتقارير، وغالبًا ما يغيب التوازن في نوعية المصادر داخل المؤسسات الإعلامية، حيث لا يُراعى منظور النوع الاجتماعي.
“ما يحدث في التغطية الإعلامية للمرشحات داخل البرلمان يعكس نفس الإقصاء الحاصل في بقية المؤسسات”. وتوضح أن الإعلام لا يمنح المرشحات مساحات عادلة لتقديم حملاتهن الانتخابية، ولا يوجّه التغطية بشكل مقصود لدعم حضورهن السياسي.
التغطية الإعلامية تتأثر سلبًا بعدة عوامل، مثل التركيز على القوائم الانتخابية التي تضم عددًا محدودًا من النساء، وغالبًا لا يتصدرن الصفوف الأمامية داخل القوائم، خاصةً أن الإعلام يذكر القوائم باسم الأحزاب فقط، بينما التغطية تكون موجهة غالبًا لمن يتصدرون القائمة، وغالبًا يكونون رجالًا”.

وتشير منى إلى أن النساء اللاتي يقررن الترشح في القوائم الفردية يواجهن نفس النمط الإعلامي، إذ تتكرر الأسئلة المرتبطة بدورهن داخل المنزل، مثل “ما هي القضية النسائية التي تهمك؟”، أو “هل تستطيعين خوض الانتخابات أمام رجل في نفس الدائرة؟”، بينما يتجاهل الإعلام طرح المرأة كمرشحة مكتملة الأهلية تملك رؤية سياسية وبرنامجًا انتخابيًا.
“عندما تتنافس امرأتان في دائرة واحدة، تركز التغطية الإعلامية على وجود “خلاف نسائي”، وكأن القضية مشاحنة شخصية لا منافسة انتخابية، رغم أن هذه المشاحنات تحدث أيضًا بين الرجال ولا يتم تسليط الضوء عليها بنفس الطريقة”، وتستشهد استشارية التمكين، بحملات سابقة نشرت فيها صحف رسومًا كاريكاتيرية تظهر امرأتين تتشاجران ويشدان شعر بعضهما البعض، بهدف التقليل من جدية النساء وتشويه صورتهن في السباق الانتخابي.
وتؤكد أن الإعلام يشكك بشكل دائم في كفاءة النساء اللاتي يصلن إلى البرلمان من خلال الكوتة، رغم أن من بينهن من يملك كفاءة حقيقية ووعيًا بدورهن البرلماني ويؤدين عملهن باحترافية. مشيرة إلى أن الإعلام يتجاهل وجود رجال غير أكفاء يترشحون ويفوزون ولا يواجهون نفس حملات التشكيك.
ترى منى أن هذه النظرة تؤثر على قدرة النساء في صنع القرار السياسي وتكرّس صورة مغلوطة عن أدوار المرأة داخل المجتمع، وتدعو وسائل الإعلام إلى كسر هذه الصور النمطية والانتباه إلى أن الإعلام يمتلك قوة تأثير يمكنها أن تعيد صياغة صورة المرأة في المجتمع على مدار العام، بعيدًا عن اختزالها في أدوار الرعاية المنزلية أو النظرة الثقافية الضيقة.
الخطاب الإعلامي النمطي

ترى الدكتورة آلاء فوزي مديرة وحدة العلاقات الدولية بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن الإعلام يبرز مؤخرًا حضور المرأة بشكل ملحوظ، خاصة في ظل سعي مؤسسات الدولة لتمكين النساء ومنحهن مناصب ومراكز قيادية مهمة.
وتؤكد آلاء لـ فكّر تاني، أن هذا الحضور يعكس إيمان الدولة بدور المرأة، لكن تظل الصورة النمطية تلاحق المرشحات، فعند ظهورهن في أي لقاء أو حوار، يربط الإعلام دائمًا بينهن وبين “ملف المرأة”، رغم أنهن معنيات بكل قضايا الدولة وملفاتها المتنوعة.
كما تشير آلاء إلى أن النساء تشارك فعليًا في ملفات حيوية مثل الاقتصاد والقانون الدولي والشؤون الاجتماعية، ولا يجب حصرهن داخل زاوية قضايا المرأة فقط. وتطالب آلاء بأن يتناول الخطاب الإعلامي السيرة الذاتية لكل مرشح بناء على اهتماماته وتخصصاته دون التركيز على كونه امرأة أو رجلًا.
اقرأ أيضًا: الفئات المستبعدة انتخابيًا.. الشباب والنساء نموذجًا
“الكوتة” الحالية لا تحقق المساواة
“نائب/ة البرلمان لتمثيل الشعب بأكمله وليس فئة بعينها، ولذلك يجب أن يكون البرنامج الانتخابي للجميع دون تمييز” كما تؤكد ندى فؤاد عضو الهيئة العليا بحزب العدل، لـ فكّر تاني، وترى أن نسبة تمثيل النساء الحالية في البرلمان إنجاز عددي مهم، لكنه لا يتحول إلى تأثير نوعي حقيقي، خاصة في ظل غياب تشريعات مجتمعية داعمة لقضايا النساء.

وتوضح ندى أن زيادة عدد النساء داخل المجلس لم تحقق مكاسب تشريعية كبيرة كما كان مأمولًا. وتطالب الإعلام بتقديم تغطية تبرز كفاءة المرشحين والمرشحات وبرامجهم الانتخابية بشكل متوازن، لا من منطلق “كوتة”، لأن التجربة البرلمانية الحالية رغم تحقيقها الكوتة لم تنتج إنجازات نوعية كافية.
كما تشير إلى أن التعامل غير العادل مع النساء يظل حاضرًا في الدوائر الشعبية البسيطة، رغم وجود نماذج نسائية ناجحة تركت بصمة قوية مثل النائبة الراحلة نوال عامر التي مثلت دائرة السيدة زينب لمدة 24 سنة وتعد أول وكيلة برلمانية في مصر: “تُقدم المرأة نفسها وبرنامجها من قلب قضايا الدائرة وليس من باب تمثيل فئة واحدة”.
“الدعاية في عصر السوشيال ميديا أصبحت أقل تكلفة وأكثر تأثيرًا، لأن كل بيت يمتلك هاتفًا وإنترنت، وتطبيقات مثل تيك توك وفيسبوك تفتح المجال أمام النساء للوصول بسهولة للأجيال الجديدة. وهناك ضرورة لمنح المرشحات فرصًا عادلة للظهور في وسائل الإعلام الحكومية”.
المجتمع يميز رغم دعم الدولة
من جانبه يؤكد الدكتور أحمد فتحي غنيم، أن الدولة تدعم المرأة بقوة، وتُلزم القوائم الانتخابية بأن تضم 50% من النساء، بدعم واضح من الرئيس عبد الفتاح السيسي. ومع ذلك، يرى غنيم أن المجتمع المصري ما يزال يميز ضد النساء عند اختيار ممثليه، بناءً على اعتبارات دينية وثقافية، وهو ما يؤدي إلى إحجام عن انتخاب المرأة.

ويزعم فتحي أن “أغلب المرشحات لا يكن على مستوى علمي كبير، فلا توجد أساتذة جامعة مترشحات، فهناك نساء قدراتها العلمية أقل ولكنها تستطيع أن تتحرك وتتفاعل بشكل أكبر، ولذلك لو الناس ستختار من خلال الكفاءة ستختار الرجل وليس المرأة”.
يشير غنيم إلى أن القرى والأرياف تفضل اختيار الرجال دائمًا، ويرى أن المرأة على المقاعد الفردية تحتاج لبذل جهد مضاعف. موضحًا: “اختيار المرشحين داخل الأحزاب والمؤسسات يتم وفق مبدأ الولاء والانتماء، وليس وفق الكفاءة”.. بحسب رصده
من واقع التجربة
من واقع تجربتها البرلمانية، توضح النائبة مها عبد الناصر عضوة مجلس النواب ونائبة رئيس الحزب المصري الديمقراطي، أن فرص ظهور المرأة إعلاميًا تقترب من فرص الرجال، لكن التحدي الأكبر يظهر في المؤتمرات الجماهيرية التي تجد المرأة صعوبة في إدارتها، خاصة مع محدودية التمويل المتاح للمرشحات.

وتضيف النائبة، إلى أن كل مرشحة تملك حرية اختيار الصورة التي تقدم بها نفسها للناس. موضحةً أنها شخصيًا تتحدث عن قضايا جندرية لكنها أيضًا تنشغل بقضايا التعليم والصحة وغيرها.
“إن لم يمنح الإعلام المساحة العادلة للنساء، سوف يؤثر ذلك سلبًا على فرص نجاحهن، والنجاح في الدوائر الفردية ليس أمرًا سهلًا للمرأة بسبب مشكلات مجتمعية حقيقية ما زالت قائمة”.
