الحرب الإسرائيلية الإيرانية.. خيارات الردع والمواجهة في أخطر أزمات الشرق الأوسط

لم تكن الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، مجرد خروج بحرب الظل الممتدة لسنوات بين طهران وتل أبيب إلى مساحة العلن والمواجهة العنيفة المباشرة، بل إنها دفعت منطقة الشرق الأوسط إلى حافة – ربما – أخطر أزماتها على الإطلاق. وهي لا تعيد رسم قواعد الاشتباك فحسب، بل تضع العالم كله أمام تساؤلات استراتيجية كبرى حول مستقبل أمن الطاقة، ومصير الدبلوماسية النووية، واحتمالات نشوب حرب إقليمية واسعة باتت أقرب ما يكون إلينا.

الحرب الإسرائيلية الإيرانية.. من الاشتعال للانفجار

شهدت الأيام ما بين 9 و15 يونيو تصعيدًا غير مسبوق في التوتر بين إسرائيل وإيران، انتهى بانفجار مواجهة عسكرية مباشرة، وسط تحذيرات دولية من تداعيات إقليمية ودولية خطيرة.

في يومي الاثنين والثلاثاء، 9 و10 يونيو، ساد ترقب لجولة سادسة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن التصريحات المتبادلة عكست أجواء متوترة؛ حيث وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاوضات بأنها “لا تسير على ما يرام”، بينما اتهم سياسيون إيرانيون واشنطن وتل أبيب بمحاولة استخدام المحادثات كـ”فخ استراتيجي”.

وبحلول الأربعاء 11 يونيو، بدأت واشنطن سحب موظفيها من العراق، بالتزامن مع تحذيرات من وزارة الدفاع الإيرانية بأن “جميع القواعد الأميركية تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية”. كما أشار ترامب إلى احتمال وقوع هجوم وشيك، مؤكدًا أن “المنطقة قد تصبح خطيرة للغاية”.

وفي 12 يونيو، نقلت قناة CBS عن مصادر أن إسرائيل باتت “جاهزة بالكامل” لتنفيذ عملية عسكرية ضد إيران، فيما أعلن ترمب احتمال اندلاع “صراع كبير”، داعيًا إلى إجلاء المواطنين الأميركيين من المنطقة.

فجر الجمعة 13 يونيو، عند الساعة 3:33 صباحًا بتوقيت طهران، بدأت إسرائيل الهجوم على إيران، حيث سُمع دوي انفجارات في طهران. وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انطلاق عملية عسكرية حملت اسم “الأسد الصاعد”، استهدفت منشآت نووية ومصانع لإنتاج الصواريخ.

تايم لاين الحرب الإسرائيلية الإيرانية (تصميم: سلمى الطوبجي)
تايم لاين الحرب الإسرائيلية الإيرانية (تصميم: سلمى الطوبجي)

وبعد ساعات، أكدت وسائل إعلام إيرانية وقوع دمار واسع في طهران ومدن أخرى، وتحدثت عن مقتل عدد من الأطفال. كما أُعلن استهداف منشأة نطنز النووية.

عند الساعة 6:42 صباح اليوم نفسه، وصف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الهجمات بأنها طالت قادة وعلماء إيرانيين، متوعدًا برد “قاسٍ ومؤلم”. بدورها، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية أن الرد سيكون “ساحقًا”.

وبحلول الساعة 10:39 صباحًا بتوقيت تل أبيب، أطلقت إيران نحو 100 طائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل، إلا أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية نجحت في اعتراضها قبل دخول الأجواء.

وفي السياق ذاته، دعا الأمين العام لحلف الناتو ورئيسة المفوضية الأوروبية، عند الساعة 9:30 صباحًا بتوقيت ستوكهولم، إلى تهدئة فورية، محذرين من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

وفي مساء الجمعة، انعقد مجلس الأمن الدولي في جلسة طارئة بطلب من عدة أطراف. وأكدت إسرائيل أن ضرباتها كانت “دفاعًا عن أمنها القومي”، في حين وصفت إيران الهجوم بأنه “إرهاب دولة”، مطالبة بإدانة دولية. من جانبها، حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من مخاطر استهداف منشآت نووية خلال النزاع.

عند منتصف ليل السبت، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه دمّر مواقع نووية في نطنز وأصفهان، وأسفر الهجوم عن مقتل تسعة علماء إيرانيين. ورد وزير الدفاع الإسرائيلي بتحذير لإيران مفاده: “إذا استهدفت مدنيينا، ستحترق طهران”.

وفي الساعة 1:38 صباحًا، أطلقت إيران عشرات الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل، وسُمعت صفارات الإنذار في تل أبيب والقدس. وأعلنت لاحقًا أن الهجوم تم بالتنسيق مع جماعة الحوثي في اليمن، وأن مئات الصواريخ استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية.

في مساء السبت، أعلن رئيس وزراء باكستان شباز شريف دعمه لإيران، ودعا الدول الإسلامية إلى التحرك ضد “العدوان الإسرائيلي”، ما يعكس اتساع رقعة الانقسام الإقليمي حول الصراع.

بحلول منتصف ليل الأحد، أعلنت إسرائيل شن ضربات جديدة على مواقع عسكرية ونفطية قرب طهران، من بينها مستودع شهريان ومصفاة قريبة من العاصمة. وفي الساعات الأولى من صباح الأحد، ردت إيران بإطلاق مزيد من الصواريخ على إسرائيل، ما أدى إلى سقوط قتلى وعشرات الإصابات في مدينة “بات يام”، واندلاع حريق كبير في مصفاة حيفا. كما هدد الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، في تطور ينذر بتداعيات اقتصادية عالمية.

واختتم رئيس الوزراء الإسرائيلي اليوم بالتصريح أن “ما شاهدوه ليس إلا البداية”، في مؤشر على نية استمرار العمليات العسكرية.

اقرأ أيضًا: إسرائيل تعلن الحرب على إيران.. ماذا يحدث وما التداعيات القادمة؟

تفجيرات النفط في إيران والتدمير في بيت يام بإسرائيل (وكالات)
تفجيرات النفط في إيران والتدمير في بيت يام بإسرائيل (وكالات)

ضربة استباقية أم تصعيد محسوب؟

يقدم تحليل حديث بـ “معهد واشنطن” رؤية ترتكز على مبررات وأهداف الحملة العسكرية الإسرائيلية على إيران. إذ يرى ماثيو ليفيت، أحد باحثي المعهد، أن قرار الهجوم جاء بعد أن أشارت معلومات استخبارية إلى أن برنامج إيران النووي يقترب من “نقطة اللاعودة”، مع تقدم ملموس في تخصيب اليورانيوم وتطوير مكونات الأسلحة.

ويشير ليفيت إلى أن هذا التقييم الإسرائيلي يختلف بشكل حاد عن تقييم الاستخبارات الوطنية الأمريكية، ما يعكس تحولًا في عقيدة تل أبيب الأمنية في عالم ما بعد السابع من أكتوبر، حيث لم تعد مستعدةً لقبول المخاطر.

ويصف مايكل آيزنشتات الضربات بأنها ليست حدثًا معزولًا، بل هي تتويج لحملة سرية إسرائيلية استمرت ثلاثين عامًا لتعطيل البرنامج النووي الإيراني، وهي الآن تدخل مرحلة جديدة أكثر علنية. وتهدف هذه المرحلة، وفقًا لآيزنشتات، إلى “قطع رأس” القيادة العسكرية الإيرانية وبرنامجها النووي، وقمع دفاعاتها الجوية، وتدمير قدراتها الصاروخية لعرقلة أي رد فعال.

ويطرح هذا المنظور سؤالين استراتيجيين: هل يمكن لهذه الضربات أن تمهد الطريق لدبلوماسية نووية بشروط أفضل؟ أم أنها ستدفع إسرائيل، بتشجيع أمريكي، نحو استهداف بنية النظام الإيراني الاقتصادية والسياسية بهدف تسهيل الإطاحة به من الداخل؟

ورقة هرمز الاستراتيجية: الخيار الإيراني الأخير؟

في المقابل، تسلط “الجزيرة” الضوء على أحد أكثر السيناريوهات حساسية وتأثيرًا على الاقتصاد العالمي، وهو احتمال لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز.

يُعَدّ هذا الممر المائي، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس صادرات النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ورقة الضغط الأقوى في يد طهران. وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه، ولو بشكل مؤقت، سيؤدي حتمًا إلى صدمة عنيفة في أسواق الطاقة، مع ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، مما سينعكس مباشرة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي العالمي، ويزيد من اضطراب مؤشرات السلع الرئيسية مثل مؤشر “سي آر بي” (CRB Index)، الذي يقيس أسعار سلة من السلع الأساسية ويعكس حالة التقلبات الاقتصادية.

مضيق هرمز
مضيق هرمز

ومع ذلك، يؤكد التحليل، نقلًا عن خبراء أمنيين إيرانيين مثل عارف دهقاندار وعرفان بجوهنده، أن هذا الخيار لا يمثل أداة تصعيد تسعى إليها طهران، بل هو “ورقة ردع” تستخدم في ظروف قصوى فقط. فإيران، بحسب وجهة النظر هذه، قد تلجأ إليه إذا ما بلغت الضغوط العسكرية عليها مستويات غير مسبوقة، أو في حال تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر في الصراع.

ويظل هذا الخيار ضعيف الاحتمال، ولكنه ليس مستبعدًا، حيث تمتلك إيران القدرات العسكرية اللازمة لتعطيل الملاحة عبر الصواريخ المضادة للسفن، والألغام البحرية، والزوارق السريعة. ويرى الباحثون الإيرانيون أن طهران تفضل استخدام أدوات ردع أخرى قبل الوصول إلى هذه النقطة، مثل تنفيذ ضربات غير تقليدية ومؤلمة داخل إسرائيل، أو التأثير على أسواق الطاقة بوسائل أخرى، أو حتى التلويح بالخيار النووي إذا وصلت المواجهة إلى ذروتها.

الحرب الإسرائيلية الإيرانية.. التداعيات الواسعة

تتقاطع هذه التحليلات كلها في أن التداعيات تتجاوز الميدان العسكري. فدبلوماسيًا، أدت الضربات إلى تعليق المحادثات النووية غير المباشرة بين واشنطن وطهران، كما أشار باتريك كلاوسون من معهد واشنطن. وأصبح من الصعب سياسيًا على إيران مواصلة التفاوض بينما تتعرض لهجوم، مما يغلق نافذة الدبلوماسية في المدى المنظور ويهدد مستقبل “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA) بالكامل.

كما يجعل هذا من غير المرجح أن تقوم الدول الأوروبية بإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران عبر آلية “الإرجاع السريع” المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2231، خشية دفع طهران نحو الانسحاب الكامل من معاهدة عدم الانتشار النووي.

واقتصاديًا، يتفق الخبيران بيمان مولوي، في تحليل لـ الجزيرة، ومايكل آيزنشتات في تحليل معهد واشنطن، على أن الاضطراب هو السمة السائدة. فقد أدت التوترات بالفعل إلى رفع أسعار النفط بنسبة 14%، وأي تصعيد إضافي، خاصة إذا لامس مضيق هرمز، سيدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، مما يغذي التضخم العالمي ويضع ضغوطًا هائلة على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

إسرائيل لديها حاليًا سيادة جوية في سماء إيران (وكالات)
إسرائيل لديها حاليًا سيادة جوية في سماء إيران (وكالات)

جبهات متعددة.. ردود الفعل الإقليمية والداخلية

وتُظهر هذه الأزمة تفاعلات معقدة على جبهات متعددة؛ فداخليًا، تشير هولي داجريس من معهد واشنطن إلى أن الضربات الإسرائيلية أثارت غضبًا شعبيًا داخل إيران، موجهًا في معظمه نحو القيادة الإيرانية لفشلها في حماية البلاد وإنفاق الموارد على حروب خارجية بدلًا من الأمن الداخلي.

يضع هذا النظام الإيراني في معضلة حقيقية: فالرد القاسي قد يؤدي إلى حرب مدمرة لا يريدها معظم الإيرانيين، بينما الفشل في الرد يقوض رواية “المقاومة” التي يستند إليها النظام لكسب شرعيته لدى مؤيديه.

وإقليميًا، يكشف ديفيد شينكر من المعهد نفسه عن ازدواجية في مواقف الدول العربية. فبينما أصدرت وزارات الخارجية بيانات رسمية تدين الهجوم الإسرائيلي، خوفًا من جر المنطقة إلى حرب لا ترغب فيها، أفادت تقارير بأن بعض هذه الدول، مثل الأردن، شاركت بفعالية في إسقاط الطائرات المسيرة الإيرانية.

ويشير هذا السلوك إلى أن الإدانات العلنية كانت بمثابة “مسرح سياسي” يهدف إلى تجنب الانتقام الإيراني، بينما تتشارك هذه الدول في قلقها العميق من طموحات طهران النووية والإقليمية وربما عداء تجاهها بما إنها الشيعية الأكبر في المنطقة بخلاف باقي دول المنطقة السُنية. ويبقى الدور الأمريكي، كما توضح دانا سترول، حاسمًا في معايرة الدعم لإسرائيل ومنع التصعيد الإقليمي، وطمأنة الشركاء العرب.

وفي المحصلة، يجد الشرق الأوسط نفسه في خضم مواجهة استراتيجية شديدة التعقيد هي الأخطر التي يتعرض لها؛ إذ تقف إيران أمام خيارات صعبة، وأقوى أوراقها، مثل إغلاق مضيق هرمز، يحمل تكلفة باهظة لها وللعالم. وفي المقابل، تتبنى إسرائيل استراتيجية أكثر جرأة وعلنية، مدفوعة بمخاوف وجودية من البرنامج النووي الإيراني.

وبينما تبدو الدبلوماسية مجمدة، تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في إدارة هذا الصراع – بقبول اشتعاله نعم – ولكن مع منع انزلاقه إلى حرب شاملة. ولا يبقى في هذه الأزمة سوى الأيام والأسابيع المقبلة وحدها قادرة على كشف ما إذا كانت حسابات الردع المعقدة -التي تنتهجها واشنطن عبر تل أبيب – ستنجح في كبح جماح التصعيد، أم أن المنطقة ستنزلق بالفعل نحو مواجهة مفتوحة قد تغير وجهها إلى الأبد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة