صنع الله إبراهيم.. الشيوعي الذي كتب تاريخًا على هامش السلطة

في عالم عربي يضيق بالأسئلة ويتّسع للروايات المعلّبة، ظهر صنع الله إبراهيم كاتبًا لا يطلب التهليل ولا يستجدي التصفيق، بل يسائل النص والواقع في آنٍ معًا، ويصرّ على أن تكون الكتابة فعلاً لا وصفًا، وموقفًا لا محايدة فيه.

منذ بداياته، لم يشأ أن يكون مؤرخًا للوقائع الكبرى، بل باحثًا عن تلك اللحظة التي تنكسر فيها اللغة أمام الحقيقة، وتتهاوى فيها السرديات الرسمية أمام التفاصيل المنسية. لم يكن مشروعه الأدبي تجريبًا لغويًّا فحسب، بل محاولة واعية لبناء أرشيف موازٍ للتاريخ الرسمي، تتداخل فيه الذات بالسياسة، واليومي بالبنيوي، والمجتمع بالوعي.

لم ينتمِ صنع الله إبراهيم إلى “التيار”، ولا إلى طمأنينة “الوسط الثقافي”، بل ظل واقفًا على الحافة، حيث يمكن للكاتب أن يرى دون أن يُستلب، وأن يكتب دون أن يُجند. ولم يصنع بطولات وهمية، ولا اصطنع شِعارات مثقفين، بل قدّم مشروعًا يمتد على أكثر من خمسين عامًا، تحرّك فيه من الكتابة في الظل إلى صناعة نصّ يعري السلطة، ويوقظ الوعي، ويرصد التبدلات التي عصفت بمصر والعالم العربي منذ منتصف القرن العشرين.

جذور الوعي.. النشأة والتكوين

وُلد صنع الله إبراهيم في الرابع والعشرين من فبراير عام 1937، لأسرة متوسطة لا تملك امتيازات طبقية، لكنها تحمل في داخلها توقًا دفينًا للمعرفة. نشأ في زمن كانت فيه مصر تتقلب بين إرث استعماري آخذ في التآكل، وحركة وطنية تُصاغ في الشوارع، والمدارس، والمظاهرات.

طفولته لم تكن محاطة بالفقر ولا بالترف، بل كانت مشبعة بذلك النوع من الالتباس الذي يكوّن الكتاب: الالتباس بين ما يُقال وما يُعاش، بين الصورة والمحتوى، بين الأمل والخذلان.

صنع الله إبراهيم

في سنواته الأولى، لم يكن يطمح إلى الأدب، بل كان مدفوعًا بفضول معرفي غير مروّض. وجد في القراءة عزاءً مبكرًا، وفي السجال الفكري متعة حقيقية. كان قارئًا نهمًا للأدب العربي الكلاسيكي، قبل أن يتعرف تدريجيًا على الأدب الماركسي، والسرديات الثورية، والفكر النقدي الأوروبي. وقد أشار لاحقًا إلى أن والده كان يحثّه على الاطلاع، ويزوّده بالكتب، وهو ما زرع فيه مبكرًا حسّ التمرّد والانحياز للمعرفة بوصفها طريقًا لفهم العالم لا مجرّد استهلاك للثقافة.

التحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة مطلع الخمسينيات، وهناك بدأ وعيه السياسي يتبلور بحدة، وسط مناخ جامعي يعجّ بالتيارات الأيديولوجية. وتأثر بشخصيات مثل أحمد حسين مؤسس حزب “مصر الفتاة”، لكنه اصطدم سريعًا بخواء الشعارات القومية، فتحوّل إلى الاتجاه الماركسي، وانضم إلى تنظيم “حدتو” اليساري، وهو انتماء لم يكن عابرًا بل شكّل وعيه العميق بالصراع الطبقي، وساهم في تعميق نظرته إلى التاريخ.

تجربة السجن.. الدرس الأعمق

كان الانضمام إلى التنظيم يعني الدخول في نسيج حراك سياسي صاخب، سرعان ما أدّى إلى اعتقاله في حملة 1959، حيث سُجن خمس سنوات في سجن الواحات.

هذه التجربة القاسية لم تُثنه عن مشروعه، بل رسّخته. لم يتعامل مع السجن كخسارة شخصية، بل كاختبار وجودي، أعاد فيه النظر في مفاهيم السلطة، واللغة، والذات. وقد قال لاحقًا: “السجن كان بداية الفهم الحقيقي… حتى اللغة بدت لي ملوثة، وكان عليّ أن أعيد اكتشافها”.

في الواحات، كتب ملاحظاته الأولى، ودوّن حياته اليومية كمن يكتب التاريخ من قاعه، لا من برجه. ومن هنا، ستتشكل لاحقًا نواة ما سيسميه البعض بـ”الرواية التوثيقية”، ولكن في عمقها، كانت تلك الكتابة نفيًا للسرد الرسمي، ومحاولة لبناء سرد شخصي مقاوم.

حين خرج صنع الله من السجن عام 1964، لم يخرج كما دخل. لم يكن يحمل فقط تجربة شخصية ثقيلة، بل إدراكًا جديدًا للعالم، وفهمًا أكثر تعقيدًا للعلاقة بين الكتابة والسلطة، بين الفرد والتاريخ، وبين اللغة والحقيقة. لقد غادر السجن وقد بدأ يتكوّن داخله مشروع لم يكن بعد واضح المعالم، لكنه كان يعرف أن الكتابة لن تكون مجرد محاولة تعبير ذاتي، بل ستكون فعلًا مضادًا، ونوعًا من “التوثيق المشاكس” لما لا يُقال، وما يُراد دفنه في ظلال الخطاب الرسمي.

“تلك الرائحة”.. صرخة من الهامش

عمل صنع الله بعد مغادرته السجن صحفيًا في وكالة أنباء الشرق الأوسط، حيث احتكّ لأول مرة بجهاز الإعلام الرسمي من الداخل، ورأى كيف يُصاغ الخبر، وكيف تُقنّن الحقيقة. كان ذلك بعد نكسة 1967 مباشرة، وهي الهزيمة التي فتحت جراحًا نفسية عميقة، ليس فقط في المجتمع، بل في بنيته اللغوية والثقافية. وكانت تلك هي اللحظة التي قرر فيها أن ينشر عمله الأول “تلك الرائحة”، وهي الرواية التي أطلقته لا فقط ككاتب، بل كصوت مضاد، يعيد تركيب السرد من الهامش.

جاءت الرواية صادمة في شكلها ومضمونها، قليلة الكلمات، لكنها مشبعة بالخذلان، تتحدث عن شاب خرج من السجن إلى مجتمع مأزوم، لا يحتفي بعودته، ولا يمنحه فرصة جديدة، بل يضعه أمام واقع باهت، مفرغ من المعنى.

لم تكن الرواية تقول شيئًا بشكل مباشر، لكنها كانت تقول كل شيء عبر ما لا يُقال، عبر الصمت، والمساحات البيضاء، وجُمَل تتقشّف حتى أقصاها، كما لو أن اللغة نفسها تعاني من آثار التعذيب.

قال عنها يوسف إدريس: “إن تلك الرائحة ليست مجرد قصة، ولكنها ثورة، وأولها ثورة فنان على نفسه”، لكن الكاتب لم يكن منشغلًا بالتصنيف ولا بالإشادة. كان يعرف فقط أن هذه هي البداية، وأن طريقه لن يكون تقليديًا. لقد كان يكتب عكس ما تعلّمه، وعكس ما يُتوقع، وعكس ما يُراد.

التوثيق رؤيةً والمنفى مختبرًا

منذ تلك اللحظة، بدأ خطٌّ متصل يتشكّل في أعمال صنع الله إبراهيم: التوثيق بوصفه تفكيكًا، والذات بوصفها عدسة، والحدث السياسي بوصفه قشرة تخفي تحتها صراعًا بنيويًا أعمق.

لم تكن الذات عنده مركز العالم، لكنها كانت أداة تحليلية، حسّاسة، مهشّمة أحيانًا، تلتقط التفاصيل وتعيد تركيبها. ولأنه لم يفصل يومًا بين تجربته الشخصية ومسؤوليته ككاتب، فقد ظل يتعامل مع السرد بوصفه موقفًا. لم يكن يكتب ليصف فقط، بل ليقاوم النسيان.

كان يرى أن الرواية يجب أن تكون شاهدة، لا حكاية. وقد قال في أحد حواراته: “الرواية عندي ليست للتسلية.. بل لتوثيق ما يُراد له أن يُنسى”.

في تلك الفترة، سافر صنع الله إبراهيم إلى برلين الشرقية، ثم إلى موسكو لدراسة السينما، وهناك كتب وأعاد التأمل في أساليب السرد والصورة والبناء. هذا التداخل بين الأدب والصورة سيترك أثره لاحقًا في تقنيته البصرية الدقيقة، في الرواية التي لا تكتفي بالحكي بل ترسم المشهد، وتوزّع الإضاءة، وتضبط إيقاع الجملة كما لو أنها لقطة سينمائية. ثم عاد إلى القاهرة في منتصف السبعينيات، وقد اكتمل داخله ما يمكن تسميته بـ”نواة المشروع”، فقرر التفرغ للكتابة بالكامل عام 1975، وبدأ منذ تلك اللحظة في صياغة واحدة من أكثر التجارب الروائية اتساقًا ووضوحًا في الكتابة العربية الحديثة.

ثلاثية تفكيك السلطة

لم يكن التفرغ للكتابة عند صنع الله إبراهيم انسحابًا إلى العزلة، بل التزامًا بمشروع روائي قائم على تفكيك العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وبين المواطن والدولة، وبين اللغة والسلطة.

جاءت رواية نجمة أغسطس (1974) إعلانًا عن هذه المرحلة الجديدة؛ نصّ يوثّق لبناء السد العالي، لكنه لا يحتفي بالمشروع القومي بقدر ما يعرّيه من الداخل. في ظاهرها، هي رواية عن “الإنجاز”، لكن في عمقها تُسائل ما إذا كان البناء المادي ممكنًا في ظل تهشيم الوعي الفردي. وفي مقابل البطولات الجمعية التي صيغت في خطاب الدولة، أعاد صنع الله تقديم العامل والمثقف في صورتهما الهشّة، المراقَبة، المترددة، العاجزة أحيانًا عن الفعل.

ثم جاءت اللجنة (1981)، النص الذي رفع المشروع إلى بعد رمزي مركب. لم تعد الرواية تسرد واقعة، بل تصنع متاهة. رجل يُستدعى أمام لجنة غامضة لا يُعرَف سبب استدعائه، ويخضع لاستجواب لا هدف له سوى الإخضاع. الرواية، بلغة جافة باردة، تسخر من البيروقراطية في هجاء لسياسة الانفتاح في عهد السادات، لكنها في العمق تكشف بنية السلطة التحتية، وآليات اشتغالها: التعتيم، الإذلال، المحو. بطل الرواية لا يقاوم، بل يخضع، ويعيد الخضوع إنتاج ذاته، حتى يكاد القارئ لا يعرف من يراقب من، ومن يعذّب من.

إنها رواية الرعب البيروقراطي، حيث يتحوّل النص إلى مرآة مشروخة لواقع لا يقبل التفسير.

بعدها، في بيروت بيروت (1984)، ينقل صنع الله إبراهيم عدسته إلى خارج مصر، ليرصد الحرب الأهلية اللبنانية من الداخل. الرواية مكتوبة بلغة تسجيلية، لكن ذلك التسجيل ليس محايدًا، بل يُبرز هشاشة الخطاب العربي، ويكشف عن بنية العنف الطائفي الذي يستبطنه الخطاب القومي والديني. وفي خلفية هذا السرد، يظهر الصحفي، الشاهد، الذي يتنقل بين الفنادق والمذابح، يدوّن ولا يتدخل، لكنه لا يتوانى عن فضح لعبة الدم التي تدور تحت رايات مختلفة، وتخفي جميعها فشلًا أخلاقيًا واحدًا.

المنفى مرآة للداخل في “الجليد” و”برلين 69″

في موازاة هذه الروايات، كانت تجربة موسكو تترك أثرًا بعيدًا في ذاكرته، لا كإعجاب بالاشتراكية، بل كخذلان ثقافي ونفسي.

كتب في أحد الحوارات: “ذهبت إلى الاتحاد السوفييتي بدافع الشغف، لكنني رأيت ما يشبه نسخة أخرى من الاتحاد الاشتراكي عندنا… الخوف، القمع، الوساطة، لا وجود لما كنا نتخيله عن حزب يقاتل من أجل العدالة”.

من هذه التجربة، سيكتب لاحقًا رواية الجليد (2011)، وهي واحدة من أكثر أعماله ذاتية وحفرًا في البنية النفسية للمثقف العربي في بلاد الآخرين. تدور الرواية حول طالب مصري يدرس في موسكو، يصطدم بواقع اشتراكي خاوٍ من المعنى، وببرد لا يخصّ المناخ وحده، بل يخصّ الروح كذلك.

الرواية ليست هجاءً سياسيًا فقط، بل تأمل في وحدة الإنسان أمام منظومات ضخمة لا تكترث به، وفي خذلان الأفكار حين تتحوّل إلى مؤسسات. وهي أقرب ما تكون إلى سردية عزلة، كتبها صنع الله من الداخل، بجملة مقتصدة، ومشهد يراوح بين الوثيقة واليوميات، كما لو أن كل صفحة تحاول أن تستعيد توازنًا اختلّ في ذاكرته.

أما في برلين 69 (2014)، فقد عاد إلى سنوات عمله في برلين الشرقية، حين كان مراسلًا في وكالة الأنباء الألمانية، وهناك، وسط عالم من الرقابة والريبة والتقارير، أعاد اكتشاف التشابه البنيوي بين أنظمة تتظاهر بالاختلاف.

الكتابة هنا تسير بحذر: لا تجمّل، لا تهاجم، لكنها تنسج الصورة من زواياها الباهتة، وتدع القارئ يكتشف أن لا فكاك من تشابه القمع، مهما اختلفت الرايات أو تبدّلت الجغرافيا.

في هاتين الروايتين، كما في معظم ما كتبه، كان صنع الله يكتب من موقع “الشاهد المتورط”، لا الراوي المحايد. لم يكن يدوّن سيرته، بل يعيد تركيب الواقع بعيون من عاشه، واصطدم به، وأُجبر على الانحناء أمامه، لا ليتقبّله، بل ليرصده ويصفعه بالكلمة.

نضج الأسلوب وتعمق الرؤية في التسعينيات

في فترة التسعينيات، دخل صنع الله إبراهيم مرحلة جديدة من الكتابة، اتسمت بنضج الأسلوب وتعمق الرؤية ووضوح البناء السردي. لم يتخلَّ عن تقنية التوثيق، ولا عن البنية الصارمة للنص، لكنه أصبح أكثر اقترابًا من التفاصيل اليومية، وأكثر حذرًا في بناء الجملة، وأشدّ صرامة في توزيع الصمت.

فرواية ذات (1992) تُعد لحظة مفصلية في هذا التطور. هي رواية طبقة وسطى، لكن لا بمعناها الكلاسيكي كما كتبها نجيب محفوظ، بل بوصفها طبقة محصورة بين المطرقة والسندان: مسحوقة من الأعلى، مترددة من الداخل، مهمّشة في خطاب الدولة، لكنها المعبر الأوضح لتحولات المجتمع. بطلتها، “ذات”، امرأة عادية، موظفة حكومية، تمضي حياتها بين البيت والمكتب، تقرأ الصحف، وتعيش صعود وانكسار المشروع الوطني المصري، من الاشتراكية إلى الانفتاح، ومن عبد الناصر إلى حسني مبارك.

العبقرية في ذات ليست في السرد فقط، بل في توظيف المادة الصحفية داخل النص. مقاطع من الجرائد اليومية تتداخل مع حياة البطلة، كأن الكاتب يقول لنا إن وعي الناس يُصنع من هذه المواد العشوائية، من العناوين الفارغة، من ثقافة تصنعها الدولة وتنقلها الصحافة، ليصبح التوثيق هنا ليس استحضارًا للواقع، بل فضحًا لطريقة تشويهه.

ثم تأتي شرف (1997)، رواية السجن التي تعود إلى المكان الأول، لكن من زاوية مختلفة. السجن هنا ليس فقط قيدًا سياسيًا، بل مساحة طبقية حادة، حيث يتجاور السجين الجنائي والسياسي، ويختلط القتل بالشرف بالسلطة. بطل الرواية، “شرف”، شاب من الطبقة المتوسطة، يجد نفسه في السجن بعد دفاعه عن نفسه ضد سائح أجنبي حاول اغتصابه.

من هذه الواقعة، يبني صنع الله عالمًا شديد التركيب: السجن كمرآة حادة للمجتمع، حيث يتكرّس الظلم لا بسبب السلطة فقط، بل بسبب البنية نفسها التي تنتج هذه السلطة. فهي ليست فقط عن انهيار العدالة، بل عن تقاطع الجسد بالقانون، والكرامة بالقهر، والسياسة بالقمع.

آفاق نقدية ممتدة.. “وردة” و”أمريكانلي”

أما وردة (2000)، فهي ارتحال سردي إلى خارج الجغرافيا المصرية، نحو عُمان الستينيات، حيث تنخرط “وردة” في الثورة اليسارية التي حاولت إسقاط الحكم السلطاني. ليست الرواية تاريخًا لتجربة مسلحة فاشلة، بل قراءة في معنى الالتزام، وخيانة الرفاق، وصراع المرأة داخل تنظيم ثوري أبوي.

الرواية كُتبت بلغة شبه تسجيلية، لكنها تتجاوز التسجيل إلى تحليل نفسي وسياسي معقد، حيث تتحوّل البطلة من مناضلة إلى امرأة تبحث عن ذاتها وسط الخيبة والانكسار. وفي أمريكانلي (2003)، يعود صنع الله إلى نقد المنظومة العالمية، من خلال شخصية أكاديمي مصري قضى سنوات في أمريكا، ثم عاد إلى مصر ليواجه العجز، والسخرية، والتناقضات.

الرواية هجائية بامتياز، ترصد التأثير الثقافي الأمريكي، الهيمنة الرمزية، والانبهار الساذج بنموذج الحداثة الغربية. لكنها في عمقها رواية عن الاغتراب، لا في الخارج فقط، بل في الداخل أيضًا: اغتراب المثقف عن مجتمعه، عن ذاته، عن لغته حتى.

في هذه المرحلة من مسيرته، بدا واضحًا أن صنع الله لم يكن يكتب من أجل استعادة زمن مفقود، ولا لتأريخ مجتمع بائس، بل كان يصوغ سردية نقدية، حادة، ترى في الرواية مكانًا للمواجهة، لا للمصالحة. وقد قال: “كل كاتب يمكن أن يمثل الرجل الصغير، المطحون، المفعول به، الذي تقمعه السلطة والسوق، لكن تمثيل هذا الرجل قد يأخذ زوايا مختلفة، حسب رؤية الكاتب”. إنها رؤية لا تستعير أصوات الآخرين، بل تصنع لهم لسانًا جديدًا، دقيقًا، باردًا، يصف دون أن ينهار، ويشهد دون أن يتوسّل.

استعادة الذات والتاريخ

بعد عقود من الكتابة الصلبة، والانغماس في التجربة التاريخية والسياسية، اتجه صنع الله إبراهيم في مرحلته المتأخرة إلى استعادة بعض المناطق المعتمة من سيرته الشخصية، دون أن يخلع عن نصوصه طبيعتها التوثيقية أو هاجسها البنيوي في قراءة السلطة. يوميات الواحات (2005) ليست رواية بالمعنى التقليدي، بل دفتر تدويني لتجربة السجن السياسي التي عاشها بين عامي 1959 و1964، بعد انتمائه إلى تنظيم “حدتو” الشيوعي.

لكنها، رغم كونها تسجيلًا، ليست استسلامًا للذاكرة، بل طريقة لتثبيت الشهادة، لتمرير المعنى وسط اليوميات القاحلة. في هذا النص، لا يتحدث البطل كثيرًا، بل يكتب كي لا يفقد اتزانه، كي يحتفظ بشيء من ذاته التي يحاول السجن محوها تدريجيًا.

وقد كتب: “بكيت أمس عجزًا. لا أعرف كيف أكتب هنا. ولابد من الكتابة”. من هذا الصوت المتأمل في العزلة، يخرج صنع الله إبراهيم إلى روايات أكثر حوارًا مع الزمن المعاصر، لكن بنبرة خافتة، متأنية، كمن لم يعد معنيًّا بالإدانة وحدها، بل بتأمل آثار الفقد.

في التلصص (2007)، على سبيل المثال، يعيد كتابة العالم من منظور الطفل. الراوي هنا طفل يراقب حياة الكبار، يتلصص على أسرارهم، ويرى كيف تتكون الهزيمة باكرًا في الكلام، وفي الصمت، وفي العلاقات المكسورة. الرواية ليست استعادة بريئة للطفولة، بل تأمل في تشكل الوعي، وفي جريمة التلقي غير الناضج لعالم غير عادل. ثم تأتي الجليد وبرلين 69، وقد أشرنا إليهما سابقًا، لتكملا مسار استعادة التجربة في الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية، حيث يصبح المنفى مرآةً للداخل، والمراقبة الباردة انعكاسًا لقسوة النظام الحاضن.

وفي روايته العمامة والقبعة، التي صدرت عام 2008، يواصل صنع الله إبراهيم مشروعه السردي التوثيقي، مستدعيًا لحظة مفصلية من التاريخ المصري: الحملة الفرنسية على مصر (1801–1798). تُروى الرواية بضمير المتكلم، على لسان شاب مصري يتتلمذ على يد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، ويكتب يومياته في ظل الاحتلال الفرنسي، مسجلًا الوقائع، ومراقبًا التحولات، وراصدًا تناقضات الشعارات الثورية الفرنسية حول “الحرية والمساواة” مع واقع القمع والاستغلال.

لكن القفزة السردية اللافتة كانت في رواية 1970 (2020)، والتي تعيد بناء لحظة موت الرئيس جمال عبد الناصر. الرواية لا تقدّم موقفًا مباشرًا، بل ترصد تفكك الخطاب، ضياع التوازن، ورعب السلطة من فراغها. تُكتب الرواية من موقع شاهد سياسي، لكنه ليس عدائيًّا، بل مشككًا، يتابع الجنازة لا بروح الرثاء، بل بوصفها مشهدًا سياسيًا يتكثف فيه الماضي والمستقبل. تُسائل الرواية السؤال القديم نفسه: من يملك رواية ما حدث؟ ومن سيكتب التاريخ، نحن أم خصومنا؟ في كل هذه النصوص، يبدو واضحًا أن صنع الله إبراهيم لم يتعب من قول الأشياء، لكنه أصبح أكثر اقتصادًا، وأشدّ حذرًا. لم تعد الجملة تندفع، بل تتريّث. لم تعد الشخصيات تصرخ، بل تهمس. وكأن الكاتب، بعد هذا المسار الطويل، وصل إلى ذروة الصدق: أن تقول كل شيء بأقل قدر من الكلمات، وأقصى قدر من الصدق.

المثقف العضوي.. التزام أخلاقي لا يتزحزح

لا يمكن النظر إلى صنع الله إبراهيم بوصفه روائيًا فحسب. إن قيمته الأدبية لا تنفصل عن موقعه الأخلاقي، ولا يمكن فصل مشروعه الإبداعي عن وضوح موقعه من العالم. لقد كان، في جوهره، كاتبًا يعي معنى أن تكون “مثقفًا”، لا بمعناها النخبوي أو الاستعراضي، بل بوصفها مهمة شاقة ومسؤولة: أن تكون في قلب المجتمع، لا فوقه؛ أن تكتب عن الفقراء دون أن تتحدث باسمهم؛ أن تظل حرًا في زمن التواطؤ العام. فهو طوال حياته قريبٌ من مفهوم “المثقف العضوي” كما حدده غرامشي، لا يكتب من برج عاجي، بل من أرضية ملتهبة، في تماس دائم مع وقائع المجتمع، وتحولاته، وانكساراته.

لم يتبنَّ موقفًا سياسيًا عابرًا، بل صاغ موقفًا إنسانيًا مستمرًا: ضد الاستبداد، ضد الامتيازات، ضد تقنيات الترويض الناعمة التي تمارسها السلطة على المثقف من بوابة الجوائز أو الاحتفاء أو الاحتواء. وقد تجلّى هذا الموقف بوضوح في رفضه جائزة الرواية العربية عام 2003، رغم أهميتها واحتفال المؤسسة الثقافية بها، وعلّل ذلك بأن “الجهة التي تمنحها لا تملك المصداقية الأخلاقية”.

لم يكن الرفض فعلًا مسرحيًا، بل نتيجة طبيعية لمشروع اتسم بالوضوح والتماسك. ورغم حصوله على جوائز لاحقة مثل جائزة ابن رشد للفكر الحر (2004) وجائزة كفافيس للأدب (2017)، ظلّ واضحًا في أن الجائزة لا تصنع القيمة، بل هي – في أفضل حالاتها – تحية متأخرة لكاتب لا يعبأ بالتكريم بقدر ما يلتفت إلى من يكتب لهم، ومن يكتب عنهم. ورغم أنه لم يكن “نجمًا ثقافيًا”، بالمعنى الإعلامي الشائع، إلا أن تأثيره تراكمي، عميق، صامت، مثل خط مستقيم يمر في الخلفية، ويُقاس عليه.

قلّما ظهر صنع الله إبراهيم في حوارات تلفزيونية، ونادرًا ما شارك في فعاليات أو مؤتمرات، لكنه ظل حاضرًا بقوة في أوساط الأجيال الجديدة من الكُتّاب، الذين وجدوا في تجربته نموذجًا للصدق والجدية والاستقلال. وحين سُئل ذات مرة: “هل ما زلت تعتبر نفسك شيوعيًا؟” أجاب دون مواربة: “أنا شيوعي، وسأظل شيوعيًّا.” ليست هذه الجملة شعارًا، بل ترجمة لمنظومة فكرية كاملة، ترى العالم من موقعٍ منحاز، لا ادعاء فيه بالحياد الزائف.

لقد ظل صنع الله إبراهيم يرى الكتابة موقفًا من العالم، ورآها أيضًا وسيلة لمساءلة السلطة، سواء كانت سياسية أو رمزية أو ثقافية. وقد عبّر عن هذا بوضوح حين قال: “الرواية ليست للتسلية.. بل لتوثيق ما يُراد له أن يُنسى”.

إرث باقٍ.. كاتب الحقيقة

اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن من الكتابة، يمكن القول إن صنع الله إبراهيم لم يكن فقط كاتبًا كبيرًا، بل كان ضميرًا أدبيًا حاضرًا، لم يسمح للمجتمع ولا للمؤسسة الثقافية أن تملي عليه صيغتها. كتب ببطء، بصبر، وبحدّة داخلية لا تهدأ. لم يتراجع عن منطقه، ولا غيّر ضميره، ولا اختار الطريق السهل. ولهذا تحديدًا، ظل واحدًا من أولئك القلائل الذين يمكن تسميتهم، دون تردد، بكاتب الحقيقة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة