بين حكايات تكتب لتحكي الواقع، وأخرى تحاكي الخيال، جاءت رواية الفراودة كنداء خافت للقراء من أجل إعادة صوغ حكاياتهم بين الواقع والخيال، فهي ليست خيالًا صرفًا؛ بل امتدادًا لواقع نعرفه جميعنا. واقع يُصر على جعل النساء حزينات، مجبرات على الصمت، خائفات من الحديث، ويعجزن عن التغيير.
“الفراودة” هي الرواية الأولى للكاتبة دينا الحمامي، صدرت مؤخرًا عن دار ريشة للنشر والتوزيع، جمعت بين البساطة والتعقيد في وقتٍ واحد؛ البساطة لأنها تتحدث عن صورتنا في بساطتها، والتعقيد لأنها تتحدث عن أفكارنا التي تعقِّد سير حياتنا كما في سيرتها الأولى. هي رواية من تلك الروايات التي تشعر أنك حتى لو انتهيت منها فهي لم تنته منك.
تعالج دينا الحمامي في روايتها قضية مهمة جدًا وهي قضية العنوسة، وتتشعب معها قضايا أخرى مثل الاختفاء، الأعمال والسحر، الجهل، الفقر المدقع والغنى الفاحش، المجتمع طبقاته وتبايناته. تعرفنا معنى أن ينتهي الفرح من الحياة مع كثرة التأويلات لغيابه.
في هذه السطور، أسجل حالًا يعز علي أن أراه في رواية؛ ربما لأنه تخطى عتباتها وأصبحنا نراه في الواقع، أو لعل «دينا الحمامي» رأته في الواقع فأحبت تسجيله في رواية! المهم أن الأحداث الخيالية الموجودة هناك أصابتني بالتوتر وخوف حقيقي على حال النساء في القرية.
تدور أحداث الرواية في قرية «الفراودة»، وهي قرية تتوقف فيها الأعراس لمدة خمسة عشر عامًا وتستشرى فيها العنوسة وتكثر فيها أعمال السحر، تبدأ باختفاء لأحد أفراد القرية وخطيب ابنته في ظروف غامضة، تتعدد فيها الشخصيات والأفكار، وكل فرد في القرية يحاول العيش في خياله دون أن يهتم بالواقع ولا حتى بخيارات من حوله.
صوت نسوي
تعكس الرواية مدى ارتباط أهل القرية وحبهم غير المبرر للعيش في الماضي، التأمل فيه واسترجاعه في كل لحظات الحاضر وعدم الخروج من صومعته، وقد كان تأملًا جماعيًا لنكبات الماضي دون النظر إلى حال القرية الذي أصبح بالفعل سيئًا جدًا.
كما تناقش الرواية زوايا مختلفة من تفكير الأفراد في القرية، تناقش الفن وأثره على الأفكار فيها، فمعظم القرى لا زالت ترى أن الرسم عيب وأن الفنان أصبح يحظى بنظرة دونية قاسية من جيرانه وعائلته في القرية خاصةً إذا ما حاول التمرد على هذه العادات والسفر للخارج والتأثر بالفنون الأوربية، هذا بالضبط ما فعله «فخر»، فقد أفلتته القرية لأنه فقط عشق الفن!
في الفراودة اهتم الجميع بالزواج بشكل مرضي؛ ليس ما ضاعف هذا أزمة الاختفاء ووجود اللعنة. بل حكي للفراغ الذي سيطر على القرية وتسجيل لحالة الخواء التي رافقت قلوب سكانها، كما أنها أعطت مساحة حقيقية في السرد لصوت المرأة.
تعددت الأصوات السردية في الرواية، فكل حدث له أكثر من راوٍ وهذا ما يتيح الفراء فهمًا أبسط وأعمق للصراع والشخصيات في الوقت نفسه، حيث مثلت «عناية» المرأة التي تهتم بالعائلة كلها وتحمل همها على عاتقها وتواجه المجهول بصدق وشجاعة، و«نائل» الذي ظل يبحث عن الأمان طوال الوقت ويتخفى وراء الطمع وحب المال، بالإضافة إلى «منصف» وقد ظل طول الوقت يراقب الأحداث عن قرب ويعلق عليها، أصيب بالصمت الذي حوله إلى شخص سلبي لا يغير شيئًا، وحتى في اللحظات التي أتيحت له للتغيير لم يغير إلا للأسوأ.
كما برزت الأمومة في الرواية بشكل مختلف، فالست وداد والست ذكية والست راضية كن من النساء اللواتي حاول
ن الحفاظ على العادات والتقاليد كما هي وعدم الالتفات للأفكار الجديدة التي تظهر ويطرحها عليهم الشباب، قاومن بالدعاء وبدفع ضريية عن الأشياء التي فعلها أبناؤهن ولم تعجب بالطبع أزواجهن.

حرية أم قمع؟
سلطت الرواية الضوء على حرية النساء في المجتمعات المغلقة، ولم يكن هناك أفضل من القرية حتى تجسد هذا المعنى، فقد حرمت المرأة فيها من حريتها وأصبحت سجنًا لها، أقعدها عن أحداث التغيير إلا بعد التمرد، فمع توقف الأعراس في القرية ساءت الحال أكثر بالنسبة للنساء، فهن لن يتزوجن ويواجهن الأزمات الاجتماعية بكل قسوة، يواجهن مشكلات المنزل بكل جدارة وقسوة في نفس الوقت.
تداخلت في الرواية قوى الفقد والاختفاء، فقد اختفى عدد كبير من الأشخاص في ظروف غامضة ومختلفة وعلى فترات متباعدة، سواء كان بالموت أو الهروب، استطاعت دينا أن تخلق حالة من الضياع في الرواية، تعبر بها عن نفس حالة الضياع والتيه التي تتملك النساء في القرية في الواقع.
وبما أنها مزجت بين الواقع والخيال في الرواية فلم يفوتها أن تجمع بين الاستقلالية والتبعية في المجتمع الذ
ي عاشت فيه القرية، حيث أن التقليدية تفرض على الأشخاص أن يستمعوا لتعليمات أبائهم ولا يخالفوها، أما هي فقد مرَّدت بعض الشخصيات مثل نائل وفخر على هذه العادات.
تبرز الرواية صراعات النفس البشرية مع الموروثات الثقافية الشعبية والضغوط الاجتماعية في تناغم ساحر، فهي بمثابة دعوة للتفكير في إعادة صياغة هذه الأفكار والتعامل معها بما يتناسب مع طبيعة الأجيال الجديدة، والتعامل أيضًا بطرق منطقية ومناسبة لحجم الحملات الممنهجة ضد المرأة وتصويرها على أنها كائن ضعيف منكسر لا إرادة لها.
اقرأ أيضًا:
إرادة المرأة
في حديثها لـ «فكّر تاني» أكدت دينا الحمامي أن الرواية موجهة لأي قاريء معنّي بالعلاقة بين الرجل والمرأة كونها العلاقة الأكثر تركيبًا وأهمية ما بين العلاقات الإنسانية جميعها،مشيرة إلى أنها اعتمدت في كتابة الرواية على عدة مصادر بحثية بالعربية والإنجليزية والفرنسية، كما لجأت إلى توثيق رحلة «فخر» بدقة بعد دراسة كل من مدينتي باريس ونيس بشكل سياحي ومعيشي، عائدة بعدها إلى كل من سافروا إلى فرنسا من محيطها لتدقيق أسماء الأحياء وصفاتها.
بدأت دينا العمل على روايتها في مجملها كفكرة وبحث وتنفيذ منذ العام 2016 حتى نهايات 2024، زاعمةً أنها

لم تنفصل يومًا عن خيال الرواية أثناء كتابتها، خاصةً في الشهور الأخيرة، كانت الشخصيات حاضرة معها بكل تفاصيلها، يأكلون سويًا، يقومون بتجهيز المنزل معًا، مضيفة أن الأفكار كانت تأتيها في حلمها فتقوم بتسجيلها فورًا في مدونة الهاتف.
وأجابت الحمامي عن سر لغة الرواية الثرية قائلة إنها ابنة اللغة بشكل عام والشعر بوجه خاص، ومحبتها الهائلة للغة منذ طفولتها خرجت بشكلها البكر والاحترافي بصورة متفاوتة في فصول رواية الفراودة، مشيرة إلى أنها تركت لنفسها حرية التجريب اللغوية وعملت على قاموس مفردات خاص لكل شخصية حتى يتميز صوت كل بطل من أبطال الرواية.
وأكدت دينا رؤيتها في ذكر العنوسة كأهم قضية في الرواية أنها ترى أن تغيير وجهة النظر المجتمع للعنوسة، لن يأتي إلا بتعديل رؤية المجتمع للمرأة ككائن ضعيف وعاجز، وهذا ما احتاج إلى اعتراف المرأة نفسها بذلك لأن الأغلبية العظمى من النساء حتى من ينشدن التغيير لا يزلن في طور الخروج من شرنقة التوجيه والسيطرة.
كما أوضحت أنها اختارت شخصيات نسائية حقيقية ومشتبكة مع الواقع، وتحاول طوال الوقت تغيير مصائرها المتفق عليها من قبل المجتمع الأبوي، مؤكدة أنها عملت على شخصية عناية طوال فترة التحضير تقريبًا، و قامت بتطويرها لأكثر من مرة حتى بلغت الشكل الأخير، مضيفة أنها لم تجد صعوبة كبيرة في كتابة شخصية أميرة والتي لم تفارقها حتى بعد الانتهاء من المسودة الثانية.
«تعمدت إبراز المرأة ككائن غير مسلوب الإرادة ويمكنه تغيير واقعه وواقع محيطه، كما حدث مع الست راضية والست وداد والست ذكية وحتى بسنت، إذ إنني كنت مهمومة بمفهوم الجدب العاطفي والأسري لسنوات طويلة قبل البدء في النص. كما أنني لم أعاني في استلهام الفكرة، لأنها أرقتني قبل أن أحترف الكتابة. تعاملت طوال الوقت تقريبا مع العنوسة كأزمة إنسانية عالمية، لا يجب تصديرها على أنها تخص النساء وحدهن، ولا تقتصر على بقعة جغرافية محددة» هكذا قالت دينا حينما سألتها عن فكرة الرواية.
وفي ختام حديثها، قالت دينا إنها حرصت على اختيار القرية المنغلقة كمسرح مثالي ومعبر عن المجتمعات المأزومة التي تتضاعف بها معاناة النساء، وقررت أن تتحدى نفسها باختيارها لقرية في صعيد مصر، وأحبت أن تعمل على الشخصيات المتجذرة في تربة الأماكن التي تنتج شخوصا أكثر تعقيدا وثراء.
فطرة لغة
أبدعت دينا في وصف المعاني وتنوع الشخصيات الرئيسية، أراها في أدب الرسائل أكثر، وأعشق أسلوبها الذي يشعرني بالحنين إلى كتابة رائقة، لا تعجل فيها ولا صراع بين البشر، مزجت بلغتها السهلة والدسمة في ذات الوقت بين الأسطورة والواقع، وجعلت من اللغة ريشة ترسم بها أحوال الناس في التعامل مع الخرافات الشعبية والشعوذة.
أظهرت هذه اللغة -التي جمعت بين الفصحى والعامية – ما يمكنه أن يجعل الأشخاص يقبلون بمصائرهم دون محاولة التغيير، كما أبرزت الحاجة إلى مواجهة الأزمات بطرق أكثر عقلانية بدلًا من الخيال الذي لم يعد يجدي نفعًا في هذا المجتمع.
كما أوضحت اللغة طبع البيئة الريفية التي دارت في فلكها الرواية، من وصفٍ دقيق للمكان، والقدرة على خلق عوالم متوازية في كل منزل من منازل القرية، وتشابك الشخصيات مع قوى غير مرئية تتحكم في مصائرهم.
كل فرد في الفراودة رأيت وجوده اللازم كما صورت الكاتبة، ولكني لم أر الفراودة في كل شخصٍ من هؤلاء، كنت ولا زلت أتصور القرية المتباين أهلها ليس في الطبقات فقط والفقر والغنى، ولكن في فرق الثقافة الواسع وفي إمكانية التأثير في أهل قريته.
كما أنني وبشكل شخصي غضبت من منصف لأن تعليمه لم يشفع في كسر روتين الجهل في القرية، وعناية التي كتبت الرسائل لأبيها وخطيبها الراحلين بنفس طريقة سرد منصف، ويكأنهما التقيا كثيرًا قبل لقاءهما الفعلي. التقيا في عالم اللغة وسرد الأحداث بالطريقة ذاتها.. لا أقول إنه خطأ الكاتبة -إن صح تسميته خطأ- ولكني أقول إنه خطأ الشخصية التي لم تستطع فرض نفسها على اللغة بما يكفي لتتحدث برشاقة.
الفراودة قرية انتشيت جدًا بتراثها، الفلكلور الشعبي والعادات في نقل الأثاث وربما كثرة العزومات، ونقل الكلام طبعًا إن اعتبرنا نقل الكلام صفة أصيلة في القرية قديمًا وحديثًا. أعجبني اسمها وشخصوها ولكن لم يعجبني شرهم! لأنه شر لا أستطيع فهمه «شر أهبل».
مواجهة الفقد
التفتُ إلى الفقد فيها أكثر من أي شيء. فقد الأحباب والغياب دون مبرر، عدم الخروج من صومعة العيش في الماضي دون البحث عن سبل أفضل للحياة، عناية ونائل وفخر وأميرة، كلهم عاشوا في الماضي وحُبسوا فيه وأفاقوا على مشكلات أكبر من محاولة مواجهتها فهربوا مجددًا بطرق أخرى.
ومنصف الذي لم يتورع عن ارتكاب الأذى بالصمت، يراقب ويكتب بصمت، يتجول ويغيظ بصمت، منصف الذي عاش الحاضر وفكر في مستقبل فيه عناية بأي صورة، ولكنه لم يملك زمام أمره أمام أخيه الأصغر حينما فكر الاستعانة بالشعوذة. وبمناسبة الشعوذة فأنا لم أفقد التساؤل الأهم طوال قراءتي للراوية.. اللعنة أصابتهم بسبب المشعوذ عبد القادر بعد هروب الأب والخطيب.. ماذا بعدما مات عبد القادر؟ هل يملك زمرته قوته في استمرار العمل بدلًا منه!
الحقيقة التي أغضبتني أن أهل القرية لم يعودوا كما صورتهم الرواية، فهم «فيهم العبر» ولكن: يقفون أمام العقل كثيرًا ويغيرون الواقع حتى لو كان أسوأ من السيء، يتكاتفون ولا تتخلل بهم الطرقات وكلٌ في ملكوته ويتم تصويرهم على أنهم متكاتفون. فهم ورغم كل ذلك «يتحايلون على الواقع الأسود بأمل غير مستحق في النجاة».
اقرأ أيضًا:
الوصف بالتعجيز
أعجبني جدًا توظيف الوصف في الراوية، وصف النخيل والشجر والزرع والياسمين بشكل أخص، أعجبني وصف حالة نورا وقرب زفافها، وصدمني حقد أميرة على معايشة عناية هذه التفاصيل معها قبل الموت.
وأما عن وصفي للراوية بالتعجيز فلأنني شعرت أن لا أمل في هذه الحياة التي يفقد منها خيط أصيل ومهم، خيط الترابط! فهناك أشخاص كانوا يستطيعون إيقاف نائل مثل بسنت. هناك كانوا يستطيعون التكاتف بعدما صرح الراجل السكير بالحقيقة في وجه نائل وأوجعه. هناك قرارات كثيرة كان عليهم اتخاذها ولم يفعلوا.

وتعجيز نائل لهم كان نابعًا من عقدة طفولته الذي كان أبيه يعجزه فيه عن كل شيء، اللعب تحت شجر البرتقال، وعدم إتمامه الحفظ و«تفليكه» وحتى الكلام العادي. ظهرت عقدة النقص وممارسة السادية جيدًا في شخصيته.. فلم يكن شخصًا ذكيًا كما فهمت من الراوية في أول الأحداث. وفي نظري كان هذا تعجيزًا وليس إلهاءً.
ظللت طول الراوية أبحث عن المعنى أو القيمة وراء حيوات هؤلاء الناس فلم أجد إلا فخر وحبه للفن والذي سرعان ما تخلى عن ولاءه له. ونائل الذي لم يطمع في المال بقدر طمعه للأمان وتعطشه لحب حقيقي. والست وداد التي قضت حوائج الجميع دون انتظار رد الجميل إن سميناه جميلًا. وأعجبني جدًا رد إساءة نائل في الوشاية بها بالإحسان له في مرضه. أما عناية فلم أجد لها قيمة حقيقية.. هي تعيش على الأطلال!
أحببت ذكر الرقية الشرعية كمضاد السحر والشعوذة الذي آمنت به القرية، وكنت أود التركيز أكثر على هذا المعنى. كما كان من الممكن أن تنتهي بأحداث أقل من ذلك. ولم أرتض النهاية كنهاية لأحداث القرية.. ربما لأنها افتقرت إلى الواقعية. وهالني التفاف الأطفال وظهورهم.. مع أنه ليس هناك أطفال في القرية لأن الزواج توقف منذ خمسة عشر عامًا!
في النهاية؛ «الفراودة» تترك تساؤلات عدة عن الأحلام المؤجلة والوعود الزائفة والاختفاء المفاجيء ومواجهة الفقد والدموع المكتومة، عندما كتبت دينا الحمامي عن وجع النساء في القرية كانت تحاول رسم حيواتهن بطريقة أفضل، رغم كل شيء إن الرواية تشبه واقعنا بشكل أكثر من المحتمل.
