لم يكن الصمت دائمًا علامة على السلام بين أفراد الأسرة، بل قد عبّر أحيانًا عن إهمال عاطفي وقمع خفي يصنع فجوة بينهم. ويُعرَف الصمت الأسري بغياب تواصل أحد الأفراد، لكن هناك عائلات كاملة يسودها الصمت في ظاهرة غير صحية، حيث يصعب التعبير عن المشاعر أو حتى تبادل الحديث. ومن المؤسف أن بعض الآباء في هذا النمط الأسري يشعرون أنهم قد لبّوا كل احتياجات الأبناء من تعليم ومسكن وملبس، دون أن يدركوا غياب الاحتواء بينهم وبين أطفالهم.
أنواع الصمت وأسبابه
توضح الدكتورة مي عامر الباحثة النسوية وأستاذة الأنثروبولوجيا الثقافية، أن هذا العصر، كما وصفه سيجمونت باومان في كتابه الحب السائل، يتسم بسيطرة النيوليبرالية التي تكرّس الفردية، ما يدفع الأفراد نحو العمل وجني المال على حساب العلاقات. وتشدد مي على أن الاختلاف بين الأجيال طبيعي، لكن غير الطبيعي هو اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء وسط نمط غير صحي من العلاقات.

وتشير مي عامر إلى أن من هم في العقد الثالث من العمر أو أواخر العشرينيات قد تربوا على قيم ثقافية، مثل حملات “القراءة للجميع” ومعرض الكتاب، الذي شكّل نشاطًا ثقافيًا مشتركًا داخل الأسرة. بينما تسود اليوم ثقافة استهلاكية، يروَّج لها بخطاب إعلامي موجه، حتى بات الجيل الجديد يركّز على الشراء والاستهلاك.
“مع تسارع هذه التغيرات، تصاعدت أزمة اقتصادية زادت من ساعات العمل، وترافقت مع أزمة عمرانية، حيث ساهمت سياسات الطرق في خدمة أصحاب السيارات الخاصة دون تحقيق كفاءة حقيقية لمستخدمي وسائل النقل، ما أضاع معظم وقت الأسرة خارج المنزل، وقلّص فرص التواصل بمجرد عودتهم”.
رصد الخبراء تراجعًا واضحًا في الروابط الأسرية وتحولًا في الأدوار بين أفراد الأسرة خلال العقود الخمسة الماضية. إذ زادت مسؤوليات المرأة، بينما انحصر دور الرجل في العمل والإنفاق، ما أفرز صمتًا ناتجًا عن الانشغال، وأصبح كل من الأب والأم غير قادرين على توفير وقت فعلي للتواصل مع الأبناء.
في بعض الأحيان، يسود صمت ناتج عن تحكم أحد الأفراد وقمعه لبقية الأسرة، وغالبًا ما يكون الأب هو من يفرض سلطته القمعية. في هذا السياق، يرى الطرف المهيمن أن التعبير عن المشاعر أو النقاش مع الأسرة يُضعف هيبته، فيتحوّل الصمت إلى وسيلة لإثبات مكانته داخل المنزل.
وترى الباحثة النسوية مي عامر أن هذا السلوك تغذيه موروثات ثقافية ما تزال سائدة، حيث تُكرّس الأب كصاحب المقام الأعلى، ويُمنع الحديث في حضوره لإتاحة الراحة والهدوء. وتؤكد: “نحن لا نحاول اليوم تفكيك هذا الموروث، بل نعيد إنتاجه بذريعة ‘احترام الكبير‘.
اقرأ أيضًا:حينما يبتلع التضخم صحة الأم وطفلها
أدوار أكبر على الأبناء
في بعض العائلات، يصبح الصمت رد فعل نابعًا من الخوف، خاصةً إذا ارتبط بموضوعات تعد من التابوهات المحرمة، ما يعكس رفضًا ضمنيًا للتفكير الحر لدى الأبناء أو الشركاء. حيث تحكي لطيفة جمال لـ فكّر تاني، كيف ترافق الإهمال العاطفي مع أكثر لحظات طفولتها حساسية.
“عند أول دورة شهرية ليا. اكتفت والدتي بإعطائي الفوط الصحية وكتابًا، دون أي حوار، واستمر هذا الصمت حتى تزوجت”، إذ لم تخبرها والدتها شيئًا عن العلاقة الزوجية، ما جعل هذه التجربة مصدرًا للخوف والذعر، كونها كانت تجهل تمامًا تفاصيلها.
وفي أحيان أخرى، يُستخدم الصمت كأداة عقاب عاطفي، حيث يتوقف الأهل أو الشركاء عن الحديث للتعبير عن غضب أو استياء، بدلًا من المواجهة والحوار. ورغم تنوع أنماط الصمت وأسبابه، يظل الصمت والتواصل غير الصحي داخل الأسرة ندبة عاطفية تعيق النمو السليم للأبناء، وقد تتطور إلى صدمة نفسية ممتدة لدى الشركاء.
تحوّلت ميادة كامل إلى مقدّمة رعاية لوالديها، بعدما أثقلها ضعف التواصل داخل أسرتها بدور لم يكن من المفترض أن تقوم به. هذا التحوّل لم يأتِ فقط من غياب الحوار، بل أيضًا من كونها الابنة الكبرى، ما جعلها تتحمّل عبئًا إضافيًّا ومسؤوليات غير مناسبة لعمرها. ونتيجةً لهذا، نشأت بشخصية تسعى دومًا لإرضاء الآخرين، حتى في محيط العمل، دون وعي بحدودها أو إدراك لاحتياجاتها الذاتية.
تشير ميادة أيضًا في حديثها مع فكّر تاني، إلى أن بداية ضعف التواصل كانت بين والديها، وهو ما شكل لديها فهمًا غير سليم للعلاقات. ولسنوات، كانت تكرر النمط نفسه دون وعي، إلى أن ساعدها العلاج النفسي في التعرف على هذا النمط وتجاوزته.
وسائل التواصل تعمّق العزلة رغم التنوع
ترى الدكتورى مي عامر أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت الأفراد على الانفتاح على أفكار وقيم متنوعة، وساهمت في تعزيز المرونة في العلاقات الإنسانية. لكنها تشير بحزن إلى أن هذه القيم الجديدة ما تزال افتراضية ولم تُختبر على أرض الواقع، لأن كل فرد داخل الأسرة يعيش اليوم داخل “فقاعته” الخاصة.
“حالة الانفصال وضعف الحوار بين أفراد الأسرة أصبحت حلًا مريحًا بدلًا من المواجهة، ما يجعل من الحديث عبئًا ثقيلًا على الجميع، ويزيد من ترسيخ الصمت”، وتضيف: “إن استمرار الصمت داخل الأسرة قد يدفع الأبناء إلى تبني سلوكيات تفتقر إلى الاتفاق الأخلاقي، إذ يتعاملون مع والديهم بوصفهم وسيلة لتحقيق الأهداف، فيختارون من يُمكنه تلبية مطلب معين، وهو ما يُعيد إنتاج النمط الاستهلاكي من جديد”.
وبحسب مي، فإن تكرار نمط الصمت داخل العلاقات يخلق شريكًا غير منتج اجتماعيًا، بسبب غياب المستمع الحقيقي. هذا الصمت ينعكس في شخصيات تميل إلى التطرف في التعبير، إما بالكتمان الكامل أو بالإفراط في البوح، مما يُنتج حالة من عدم التوازن النفسي.
المسرح.. صوتي الأول في كسر دائرة الصمت
يروى محمد أحمد كيف غير المسرح مجرى حياته. إذ يقول لـ فكّر تاني: “كنت في السادسة عشر من عمري، بلا أصدقاء حقيقيين، بلا عمل أو أمل. كنت أمتلك فقط شعورًا غامضًا بالموهبة. نشأت في أسرة عادية يسودها قليل من التواصل والمشكلات المتكررة. اتجهت إلى المسرح بخطوات يائسة أبحث عن شغف جديد، عن عالم آخر لا أعرف عنه شيئًا”.
يتذكر محمد أول ليلة وقف فيها على خشبة المسرح: “عند سماعي أول تصفيق، ونظرات الإعجاب التي أحاطتني، أدركت شيئًا مهمًا ‘عندما تبذل جهدًا حقيقيًا، تنال نتيجة طيبة‘، المسرح لم يعلمني عن الحياة فقط، بل علمني الحياة نفسها”.
“تغيّر منظوري لكل شيء. لم أعد أريد الهروب من العالم، بل تغييره وتغيير نفسي. كم هو مدهش أمر النفس البشرية! كيف يمكن للتواصل والعمل الجماعي أن يُحدث هذا التحول؟ لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي فعلًا مواقع للتواصل، بل أصبحت أداة قتل بطيء. لماذا أصبحت الهواتف ذكية، بينما البشر يزدادون غباءً؟”.
ويؤكد أنه داخل كواليس المسرح أدرك أن الحياة الحقيقية تبدأ من هناك: “كنت عاجزًا عن التعبير، أما اليوم فأنا لا أستطيع الصمت. صرت قادرًا على التعبير عن حزني وفرحي وكل ما أشعر به، وأستمتع بكوني إنسانًا عاديًا”.
اقرأ أيضًا:باسم “السُترة”.. الأمثال الشعبية تُكرس العنف ضد النساء
صمتًا يفتح أبواب العزلة
كسر دائرة الصمت في الأسرة يكون بالاعتراف أولًا بوجود المشكلة من جميع أفرادها. حين يدرك كل فرد أن هناك فجوة تواصلية حقيقية، هذه أولى خطوات التغيير. بعد ذلك يجب تعلم فن الإنصات الحقيقي، حين يسعى الجميع للاستماع لبعضهم البعض باهتمام واحترام، ويسمحوا لأنفسهم بالتعبير عن مشاعرهم دون خوف من ردود قاسية أو تجاهل.
لكن في بعض الحالات، نتج الصمت عن مشاعر أعمق وصراعات داخلية، فكان العلاج النفسي خطوة ضرورية. يساعد العلاج الأفراد على فهم أسباب صمتهم، وأن يتعلموا من خلاله تقنيات للتعبير الصحي ووسائل لحل التوترات الداخلية. في حين يعتمد بعضهم على تكوين صداقات وعلاقات صحية خارج إطار الأسرة، فيكون وجود من يمكن التحدث معهم بحرية دون خوف من النقد دافعًا كبيرًا لتحسين قدرتهم على التواصل داخل الأسرة نفسها.
يقول المخرج المسرحي جمال البسيوني في تصريحاته لـ فكّر تاني، إن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة أدى إلى تزايد ملحوظ في عدد الأسر التي تعاني من ضعف التواصل الحقيقي بين أفرادها.
“الأمر بلغ حدًا نرى فيه أسرة بأكملها نشطة على مواقع التواصل، بينما تغيب عنها العلاقات الطبيعية داخل البيت، ما أدى إلى إصابة كثير من الأطفال والشباب بالرهاب الاجتماعي، بل وظهور نمط آخر أكثر خطورة يتمثل في عدوانية مفرطة تجاه الآخرين”.
وبحكم عمل البسيوني كمخرج ومدرب تمثيل، تعامل مع هذه الفئات، ورغم صعوبة البداية معهم، إلا أن ورش المسرح والتدريبات والسايكو دراما أحدثت تحولًا لافتًا في شخصياتهم، ويشير في حديثه مع فكّر تاني، إلى أن هذا التغيير يعود إلى طبيعة العمل المسرحي القائم على التفاعل الجماعي، ما يعزز التواصل الاجتماعي ويعيد تشكيل الشخصية. فالمسرح هنا لا يمثل علاجًا مباشرًا بقدر ما هو أداة لتعديل السلوك، إذ تختلف سلطته عن سلطة المعالج النفسي، لكنه يوفر مساحة ترفيهية قد يبدأها الفرد كنشاط، ثم يجد نفسه مع الوقت قادرًا على تغيير سلوكه.
وأخيرًا، ترى الدكتورة مي عامر أن هناك خللًا في مفهوم التربية داخل الأسر، يتمثل في الاعتقاد بأن الكبار هم دائمًا المربون، بينما يتجاهل الجميع أن التربية لا تقتصر على الحماية بل على تأسيس المفاهيم.
وتشدد على أن الأدوار تحتاج إلى مراجعة، لأن الحوار تحول إلى نصائح تلقى على الأبناء، بدلًا من أن يكون تفاعلًا متبادلًا. واستمرار هذا النمط الذي يضع الآباء في مركز السلطة، حوّل الأبناء إلى كيان غير مرئي نفسيًا وفكريًا وعاطفيًا، مما دفعهم إلى مزيد من الانعزال.
